نقل جثمان وزير الداخلية السوري غازي كنعان إلى بلدته بحمرة على الساحل السوري أمس استعدادا لدفنه في جنازة محدودة بعد يوم من انتحاره برصاصة في الرأس. فيما شكك عدد من الصحف اللبنانية في الرواية الرسمية السورية لانتحار كنعان، بينما حمَّل سوريون وسائل الإعلام اللبنانية المسؤولية.

ولم يلف نعش كنعان بالعلم السوري كونه انتحر بإطلاق النار في فمه من مسدسه صباح الأربعاء في مكتبه في وزارة الداخلية في دمشق.وقال شهود إن سيارة إسعاف مزينة بورود نقلت جثمان كنعان من مستشفى الشامي الخاص في وسط دمشق إلى مسقط رأسه في بلدة بحمرة شمال سوريا حيث ووري التراب في وقت لاحق أمس.

وكان مسؤولون عسكريون وأمنيون كبار في المستشفى مع رئيس الوزراء ناجي العطري ووزير الخارجية فاروق الشرع لإلقاء نظرة وداع على الجثمان قبل أن ينقل في قافلة من السيارات إلى مثواه الأخير. وانطلق الموكب الذي رافقته عشرات السيارات الرسمية بينها سيارة العطري من مستشفى الشامي على جبل قاسيون المطل على دمشق حيث كان الجثمان موضوعا.

وزينت سيارة الإسعاف التي أقلت الجثمان بأكاليل زهر بينها إكليلان باسمي الرئاسة السورية ومجلس الوزراء.ووضع الجثمان في سيارة الإسعاف في حضور العديد من المسؤولين يتقدمهم العطري ونائب رئيس الوزراء عبد الله الدرديري ووزراء الدفاع حسن تركماني والخارجية فاروق الشرع والإعلام مهدي دخل الله ورئيس الأركان العماد علي حبيب وعدد من ممثلي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ورؤساء المنظمات الشعبية والنقابات وعدد من أعضاء مجلس الشعب وذوي الفقيد.

في غضون ذلك، عبر السوريون عن مخاوفهم من أن يؤدي انتحار وزير الداخلية غازي كنعان إلى إثارة حالة من الريبة والمزيد من الضغوط الدولية المعادية لسوريا بشأن دورها في لبنان.وقال البعض إن انتحاره، بعد ثلاثة أسابيع من استجوابه على يد فريق التحقيق الدولي بشأن جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، نجم جزئيا عن حملة في وسائل الإعلام اللبنانية بعد عملية الاغتيال التي وقعت في فبراير الماضي.

وقال محمود شلف، وهو رجل أعمال في دمشق، «لا يمكننا حقيقة أن نتحمل المزيد من الصدمات وسيؤدي ذلك فحسب إلى تغذية المزيد من التكهنات حول الدور السوري في لبنان».وقال آخرون إن الرجل القوي، الذي كان أكبر مسؤول سوري في لبنان على مدى عقدين حتى عام 2002 ، شعر بالخيانة الشخصية بسبب الأحداث التي آثارها مقتل الحريري والتي أنهت الوجود السوري في لبنان.

وقال عبد اللطيف شمال وهو حلاق «أخشى أن يستغل أعداء سوريا ذلك للبرهنة على أنها محاولة للتغطية على أمر وليس عمل يائس من رجل عسكري لم يستطع أن يبتلع الإهانة والخيانة».وقال سمير تقي، وهو محلل سياسي مستقل، «الموقف اللبناني كان مرتبطا باسمه شخصيا..وهذا جعله يأخذ الأحداث التي وقعت منذ مقتل الحريري على محمل شخصي تقريبا».

وأضاف «لا شك أن الانسحاب من لبنان واغتيال الحريري وأيضا تحقيق الأمم المتحدة زادت الضغوط عليه وأثقلت كثيرا على حالته الذهنية».وشعر آخرون أن كنعان وصل إلى مرحلة اليأس بسبب حملة إعلامية من قبل خصومه اللبنانيين الذين اتهموه قبل إعلان نتائج تقرير الأمم المتحدة.

وقال يوسف جمعة، وهو وكيل سفريات، «شعر (كنعان) أنه لم يعد بوسعه أن يتحمل الاتهامات الموجهة إليه. وكان ذلك كثيرا على شخص مثله شعر أن اللبنانيين يدينون له بالكثير مما يتسامحون بشأنه ويشاهد بعينيه كل عمله مقلوبا رأس على عقب».

وقال عماد الشعيبي، وهو محلل سياسي له صلاته بحزب البعث الحاكم وشاهد كنعان قبل أسبوع من موته، «يمكنك أن تلاحظ أنه كان يواجه ضغوطا عقلية هائلة بسبب الإحساس بنكران الجميل من قبل اللبنانيين تجاه إرثه في لبنان». وأضاف «إذا ما تأكد أنه انتحر فسيكون ذلك نتيجة لحملة الكراهية التي كان اللبنانيون يشنوها ضده».

إلى ذلك، عنونت صحيفة «المستقبل», التي تملكها عائلة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري،: «غازي كنعان نحروه أم انتحر؟». وأكدت أن موت كنعان يأتي قبل أيام على نشر نتائج لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري المرتقب قبل نهاية الشهر الحالي.

وقالت «المستقبل» «إن اللواء كنعان الذي شغل مواقع رئيسية في النظام ويعرف الكثير عن آلياته، هو شاهد على الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، إما انه قالها للمحقق الدولي ديتليف ميليس وإما انه كان يمكن أن يقولها في أي لحظة».

وأضافت «في هذا الإطار، تصبح حادثة وفاة غازي كنعان، عملية قتل متعمّدة من قبل النظام بهدف إزالة حلقة رئيسية في الحقيقة». وتابعت إن «الوفاة استنحاراً أو قتلاً تعني أن دمشق وخلافاً لما كانت روّجته خلال الأيام الماضية من أن ملف تحقيقات ديتليف ميليس فارغ، تعلم علم اليقين أنه ليس كذلك وأن النظام متورط في مكان ما بالجريمة».

وتساءلت صحيفة «لوريان لو جور» الناطقة باللغة الفرنسية «هل انتحر أو أرغم على الانتحار؟» معتبرة أن «الرواية الرسمية السورية غير مقنعة». وكتبت الصحيفة «هل كان مرسوما له أن يكون كبش محرقة نظام يواجه محنة؟», مشيرة إلى ان بعض الأوساط السياسية اللبنانية لا تتردد في الحديث عن فرضية «القتل».

وكتبت صحيفة «النهار» قائلة «جاء إعلان الانتحار في مرحلة خطرة تمر بها سوريا إذ تتعرض لضغوط أميركية قوية لتغيير سلوكها حيال العراق ولبنان». وأضافت: «من المؤكد أن رحيل كنعان يأخذ معه كثيراً من الأسرار والألغاز والملفات».

(وكالات)