تنطوي محاكمة صدام على مخاطر سياسية كبيرة نظرا لأنها ستكون المرة الأولى التي تفتضح فيها الجرائم التي ارتكبتها الدولة طوال فترة حكمه التي امتدت 24 عاما. فلم يحدث من قبل أن أجريت تحقيقات من هذا القبيل كما لم تكن هناك لجان لتقصي الحقائق ولا اجتماعات للمصالحة وهذا الغياب لصنع السلام مع الماضي يلقي بأعبائه الشديدة الآن على الوضع السياسي الراهن في العراق.

وأزيح بعض أعضاء حزب البعث التابع لصدام حسين من المواقع القيادية في إطار جهد لتطهير البلاد من البعثيين اضطلعت به لجنة شكلتها الحكومة المؤقتة. بيد أن الغالبية العظمى من مرتكبي جرائم التعذيب فضلا عن جواسيس النظام السابق ظلوا بلا عقاب وإن لم يخل الأمر من بعض استثناءات حكم فيها على ضباط سابقين في الشرطة بالإعدام من دون محاكمة في بعض المدن الشيعية.

وتتجه محاكمة صدام لنكئ جروح قديمة، كما تتجه إلى توسيع الفجوة بين الفائزين والخاسرين من عملية تغيير النظام وهو تطور ربما يؤثر على الانتخابات البرلمانية المقرر أن تجرى في ديسمبر المقبل بحسب مراقبين.بيد أن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري لا يتفق مع أصحاب هذه المخاوف. ويعتقد السياسي الكردي الذي فقدت أسرته عددا من رجالها خلال القتال ضد النظام السابق أن صدام لا يزال يحوم فوق بغداد مثل روح شريرة.

يقول زيباري إن «هناك سفاحين بعثيين في البلاد ما زالوا يعتقدون أن صدام سيعود مضيفا «أعتقد أنه لو خضع للمحاكمة قبل ذلك لكانت السيطرة على الأوضاع الأمنية أفضل الآن».غير أنه من المهم ألا ينظر إلى محاكمة صدام حسين على أنها محاكمة استعراضية بل محاكمة قائمة على وقائع وذلك حتى لاتؤدي إلى مزيد من الاستقطاب والتشدد لدى العرب السنة الذين باتوا خارج العملية السياسية في العراق إلى حد بعيد.

كما أن الولايات المتحدة حريصة على تحاشي أي انطباع عن عدالة المنتصر، وهي حريصة أيضا على تحاشي مزيدا من العزلة الدولية إزاء سياستها الخاصة في العراق وهي تواصل الإشادة بالحكومة العراقية الجديدة بوصفها نموذج للديمقراطية والحرية والعدل في الشرق الأوسط وذلك على الرغم من استمرار العنف في هذا البلد المنقسم على نفسه.

ورغم أن صدام لا يزال تحت حراسة الجنود الأميركيين منذ اعتقاله في ديسمبر 2003 فإن الإدارة تؤكد باستمرار أن المحاكمة ستكون حدثا عراقيا صرفا.وصرح الناطق باسم الخارجية الأميركية شين مكورماك بأن واشنطن تكتفي بتوفير الدعم التقني في المحاكمة.

وعلى الارجح ستجتذب التغطية التلفزيونية لمحاكمة صدام ملايين المشاهدين في العراق وخارجه ولاسيما أن العراقيين الذين عانوا في ظل حكمه أو فقدوا أصدقاء أو أقارب لن يرغبوا في تفويت فرصة مشاهدة المحاكمة كاملة، ومن بين هؤلاء عدد من أعضاء الحكومة الحالية

فضلا عن عدد من أعضاء المعارضة والمسؤولين في الحكومة الانتقالية السابقة. ويأمل بعض منتقدي البيت الأبيض من العرب الذين عارضوا الحرب في العراق أن يستغل صدام المحاكمة في الكشف عن أشياء ربما كانت مؤلمة أو محرجة للحكومة الأميركية، ومنها مساعدته أثناء الحرب ضد إيران.

(د.ب.أ)