لم يكن أحد في الشارع السوري ينتظر أن يسمع خبر انتحار وزير الداخلية غازي كنعان نتيجة ضغوط نفسية، وهو المعروف بقوة شخصيته واعتزازه بنفسه، حتى أنه أتى إلى الوزارة حاملاً مشروعاً إصلاحياً تتوحد بموجبه المرجعيات الأمنية المتعددة في بوتقة واحدة تضمن حقوق الدولة والمواطن في آن معاً، كما قيل لحظة تقلده منصبه الوزاري.
ويبدو أن الوقائع التي نتجت عن التحقيق الرسمي في ملابسات وفاة كنعان تدعم وجهة النظر هذه، فقد أعلن المحامي العام الأول في دمشق محمد مروان اللوجي انتهاء التحقيق في حادث وفاة اللواء غازي كنعان في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس بعد الكشف الحسي والاستماع إلى الشهود، حيث تبين أن «الحادث انتحار وقع بمسدس خاص باللواء كنعان من نوع سميس ويسون بكرة عيار 38 ميليمتر».
وذكرت مصادر مقربة من عائلة كنعان أن وزير الداخلية السوري كان يتابع ما تنشره وسائل الإعلام اللبنانية من تسريبات تتعلق به، وكان يبدي انزعاجاً من تلك التسريبات يصل أحياناً إلى الانقطاع عن الطعام والأرق ليلاً.وتعتزم عائلة كنعان، حسب تلك المصادر ملاحقة الذين تسببوا بوصوله إلى هذه الحالة النفسية المنهارة التي أدت إلى انتحاره قضائياً. ولم تستبعد ملاحقة القاضي الألماني ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري إذا ثبت أنه مسؤول عن تلك التسريبات.
ويؤكد المقربون من كنعان أنه امتنع عن مقابلة زواره منذ أكثر من شهر وكان الاضطراب بادياً عليه أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً بعد الإعلان عن تجميد أرصدته المالية في الولايات المتحدة لصلته المزعومة بالإرهاب.ويرى المحلل السياسي المعروف نبيل السمان أن كنعان كان يشعر بأنه فشل في لبنان كما فشل في سوريا، وأن أشد ما كان يثير غضبه ما تنشره وتبثه وسائل الإعلام اللبنانية التي كان آخرها تقرير محطة «نيو تي في» الذي شبهه السمان بالقشة التي قصمت ظهر البعير.
ويضيف: «كانت الشائعات تنتقل من الشارع اللبناني إلى الشارع السوري وبدا الأمر له، وكأن الهرم الذي وصل إلى قمته بدأ ينهار مع توالي الأخبار والتسريبات والاتهامات التي انطلقت ولم تتوقف».وقال سمان «ان كنعان كان يرى بأنه أنجز أموراً كثيرة في لبنان، واستطاع أن يساعد الحريري في عملية إعادة الإعمار، كما أنه لم ينكر بعض الأخطاء التي ارتكبت أثناء ذلك ولكنه شعر بأنه لم يكن يستحق هذا الهجوم الذي لم يتوقف».
وأضاف «كان لديه اعتزاز كبير بنفسه، وفجأة شعر بأنه فشل في لبنان وأن ما جرى بعد خروج القوات السورية من لبنان بعد اغتيال الحريري لم يكن ينبغي أن يحصل، كما أن مشروعه في إصلاح الأجهزة الأمنية السورية واجهته صعوبات شعر أنها تمسه شخصياً، فكانت هذه الحالة التي وصفها الكثيرون ممن عرفوه بأنها نوع من الكآبة التي قادته إلى الانتحار».
وأتى كشف رئيس تحرير صحيفة «الديار» اللبنانية شارل أيوب عن حديث دار بينه وبين غازي كنعان أسر فيه الأخير عن تشييده مقبرة خاصة به في بلدته بحمرا قرب اللاذقية على الساحل السوري، ليضيء جانباً من حادثة انتحار كنعان والتي كما يبدو كانت تحصيل حاصل.
وقال أيوب لقناة «الجزيرة» انه كان قد تحدث إلى كنعان خلال زيارة قام بها إلى مكتبه منذ سنة أسر له فيها كنعان بأنه أقام مقبرته الخاصة وزرع حولها أشجاراً وأوصى بنقل رفات والديه إلى منطقة القبر وقام أيضا بنقل أغراضه والسيف الذي تسلمه من الكلية العسكرية ووضعها في المقبرة تحت التراب. وأضاف أنه يجلس هناك أحياناً كثيرة من الساعة الرابعة حتى السادسة مساء، فاستنكر أيوب وقال «أنت تمزح لست أصدقك»، فأكد كنعان كلامه قائلاً «قاتلت وقاومت وأتممت واجباتي في هذه الحياة».
ويستبعد السمان مثل غيره من المحللين السوريين أن تكون لعملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري صلة بحادثة انتحار كنعان، فآخر كلمات قالها عبر إذاعة لبنانية كانت تعبر عن شعوره بالمرارة مما ينشر ويبث عن فساد مالي وصفقات مشبوهة أثناء وجوده كأعلى مسؤول أمني سوري في لبنان طوال عشرين سنة.
دمشق ـ تيسير أحمد