الفرحة كلمة بسيطة جدا لوصف ما كان يحدث مساء الجمعة في المنزل الصغبر الذي يقع في شارع هارون في ضاحية الدقي في الجيزة، فهذا المنزل الذي تعيش فيه والدة الدكتور محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل مع شقيقه الدكتور علي وزوجته وأبنائه، لم يتوقف فيه جرس الهاتف أو الباب عن الرنين، الكل يهنيء ويبارك بالخبر السعيد.

وبمجرد ان توقفت سيارتنا في الشارع تطوع الكثيرون من أبناء المنطقة ليدلونا على البيت حيث توافدت المحطات التلفزيونية ومندوبو الصحف ووكالات الأنباء منذ إعلان الخبر، الى المنزل.الدكتورة ليلى البرادعي المدرسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية والشقيقة الصغرى للدكتور محمد قالت: اعتبرت الدكتور محمد والدا لي كما انه كان بمثابة القدوة لجميع أشقائه الذين اعتبروه أبا وشقيقا أكبر لهم بعد وفاة والدنا عام1977 .

كما أن أخي يتميز بخفة الدم وروح الفكاهة، حيث كان يداعبنا بقفشاته العديدة، وكان حريصا على الاتصال بنا في كل المناسبات العامة والخاصة.أما الأم عايدة علي حجازي فأكدت أنها تشعر بسعادة بالغة وفرحة عارمة لحصول نجلها علي جائزة نوبل للسلام، وقالت إنها عرفت خبر حصوله على الجائزة من شقيقه الدكتور علي البرادعي، وفور علمها بالخبر سجدت شكرا لله على ان توج مجهود ابنها ومشوار حياته بهذه الجائزة العظيمة التي جاءت في الشهر الأعظم.

شقيقته الدكتورة منى البرادعي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أكدت انها دائمة الاتصال بشقيقها وانه السبب الرئيسي في دخولها كلية الاقتصاد بل انه كان يدعمها ببعض النصائح التي لولاها لما حصلت على الدكتوراه. ..وأخيرا يؤكد الدكتور علي البرادعي ان شقيقه لم يبخل على بلاده بشيء فهو دائم النصح لجميع تلاميذه وزملائه ويقوم بمساعدة الكثيرين منهم على السفر للخارج وصقل معارفهم أو الحصول لهم على فرص عمل أو منح دراسية.

أما في مسقط رأسه فان الفرحة التي ملأت قلوب أهل قرية دروي في محافظة الدقهلية كان لها مبرر قوي جدا، فقد فاز ابنها الدكتور محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام، وهذه القرية الصغيرة التي تبعد عن القاهرة نحو 350 كيلو متراً لم يتبق منها من اقارب الدكتور البرادعي إلا القليل، فوالده ترك القرية منذ سنوات طويلة وحتى قبل مولد محمد نفسه (عام 1942) وهو ما حيرنا نحن عندما ذهبنا الى هناك لنعرف مشاعر أهل هذه القرية بفوز ابنهم بهذه الجائزة الرفيعة.

فلم يتبق من أقارب الدكتور البرادعي الا ابن عمته وهو الحاج يوسف السطواني الذي يملك عدة قراريط صغيرة يزرعها بنفسه مع أولاده، وقال لنا «لم أعرف بالخبر الا منذ ساعات قليلة عندما اخبرني عدد من شباب القرية الذين يدخلون على الانترنت، وقد اتصل بي مكتب السيد المحافظ وابلغني تهنئته بهذا الفوز الكبير للدكتور البرادعي، والحقيقة ان ابن خالي كان حريصا على زيارتي في كل مرة يأتي فيها الى مصر فانا آخر أقاربه في القرية بعد ان توفي اغلب الأقارب وهاجر الباقي الى الخارج،

والحقيقة انه ظل متواضعا رغم تعدد مهامه وخطورتها، وقد أرسلت اليه رسالة منذ عامين وقت اشتعال أزمة العراق طلبت فيها منه أن يحافظ على هذا البلد العربي من الأميركان فاتصل بي وأكد لي انه مصري وعربي قبل ان يكون مديرا للوكالة الدولية.

أما أبناء عم يوسف فهم يتحدثون بفخر عن قريبهم الذي تخطت شهرته العالم، وقال أحمد الذي يعمل مدرسا بمدرسة ابتدائية في القرية : ابن خال والدي شدد اكثر من مرة عندما التقينا به أثناء زياراته على أهمية العلم وقال لي ان المدرسين يلعبون دورا كبيرا في نشر العلم بين الطلاب أو تنفيرهم منه وطلب مني ألا أكون من النوعية الثانية، والحقيقة أنني ومنذ سنوات اسير مرفوع الرأس داخل القرية بسبب قرابتي للدكتور البرادعي، اما الآن فلا اعرف الى أي حد سوف يصل بي الفخر والإعزاز بعد ان فاز بنوبل.

نفس الكلام قاله لي أمير يوسف الابن الأصغر لآخر أقارب البرادعي وهو طالب في كلية العلوم بجامعة القاهرة وأضاف « الدكتور البرادعي هو السبب في التحاقي بهذه الكلية فبعد ان وصل إلى منصبه الحالي اعتبرته مثلي الأعلى وقررت أن أسير على خطاه فالتحقت بكلية العلوم تخصص ذرة وكل أملي ان أصبح مثله على رأس أكبر منظمة دولية لمكافحة الانتشار النووي.

أما باقي أبناء عم يوسف فهم يساعدونه في أعمال الزراعة وهو الأمر الذي منعهم من استكمال تعليمهم ولهذا لا يعرفون عن الدكتور البرادعي إلا انه احد أقاربهم ولا أكثر من ذلك.عمدة القرية الحاج المليجي طه يفسر لنا سر عدم وجود من يعرفون الدكتور البرادعي أو والده بالقرية قائلا :

ولد الدكتور البرادعي في حي المساحة بالدقي بالقاهرة في أربعينات القرن الماضي وكان والده قد هاجر من قريتنا منذ عام 1925 ولهذا فهو لم يترك أحدا يعرفه أو يزامله في الدراسة لأن دراسة البرادعي كانت في القاهرة أيضا، لذا تجد ان اغلب من يعرفون الرجل أما ماتوا أو هاجروا، لكن هذا الأمر لا ينفي ان الجميع هنا ملأتهم الفرحة بمجرد سماعه الخبر لأنه يكفي ان الرجل خرج من قريتنا وينتمي إليها وهو مبعث فخر لكل أهل القرية.

القاهرة ـ مكتب «البيان»