فشل خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش في استعادة التأييد الشعبي للحرب على العراق والإرهاب، وأثار عاصفة انتقادات لسياسته، سواء داخل الكونغرس أو في أوساط الخبراء. وعقب إلقاء بوش خطابه مساء أول من أمس رد السناتور ادوارد كيندي «ديمقراطي» بإعلان الرئيس عن احباط مخططات ارهابية، وقال إنه ما كان يجدر به أن يعلن ذلك، لأنه بما قاله سيشجع الإرهابيين على المزيد من المحاولات، ولن يثنيهم عن مخططاتهم وأهدافهم.
السناتور ريتشارد ديربن قال: المؤسف ان الرئيس لم يقدم شيئاً جديداً، ولم يطرح مبادرة أو استراتيجية للنجاح في العراق، ولم يشرح كيف يمكن تنفيذ استراتيجية محددة لسحب القوات الأميركية من العراق. وقال: ان ما طرحه الرئيس هو خيار زائف بين العزم على الاستمرار أو التراجع والهزيمة.
وواصل انتقاده قائلاً: كان يجب على الرئيس ان يترك العموميات، ويتخطى سياسة الخوف والتخويف، وكان عليه ان يشرح للأميركيين بكل صراحة ووضوح وتفصيل الحقائق على الأرض، مثل متى ستكون هناك قوات عراقية قادرة على تحمل المسؤولية، لتبدأ القوات الأميركية بالانسحاب، وكان عليه ان يشرح ان كان حصل تحسن في حياة العراقيين بعد سنتين ونصف السنة، وما حصل من تقدم في مجالات الخدمات والمرافق العامة من ماء وكهرباء وخدمات صحية.. وغير ذلك. تقول انه ما من تقدم حقيقي حصل، حتى يمكنه الحديث عنه.
السناتور جاك ريد من جهته، انتقد بشدة ما جاء في الخطاب وقال ان الرئيس أكد ان العراق هو «الجبهة المركزية في حربنا على الإرهاب، لكنه أصبح كذلك بسببنا، فلم يكن في العراق معسكرات تدريب للمتطرفين والمتشددين قبل وصولنا.وأكد السناتور ريد انه ضد الهرب من العراق أو الانسحاب المتهور لأنه سيترتب على ذلك عواقب وخيمة، ولكنه يجب على الرئيس أن يضع خطة واضحة ومحددة للنصر والنجاح، وهذا ما فشل فيه.
وقال ان الادعاء بأن الحرب في العراق لنشر وتعزيز الديمقراطية في العراق والمنطقة غير صحيح، بل ان الحرب أعاقت الجهود لتحقيق هذا الهدف.وهذا ما تأكدت منه كارين هيوز وكيلة وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة عندما زارت تركيا وغيرها من دول المنطقة مؤخراً، وان الحرب ورفض شعوب المنطقة لها اصبحت تعيق التحرك نحو نشر وتعزيز الديمقراطية والحرية في المنطقة.
النائبة نانسي بيلوسي اتفقت في انتقاداتها مع السناتورين ريد وديربن في ان الرئيس لم يقدم للأميركيين خطة أو استراتيجية محددة واضحة للنجاح والخروج من العراق، وهذا أهم ما ينتظره الأميركيون. كما ان الرئيس ارتكب خطأ باعتباره العراق جبهة مركزية في الحرب ضد الإرهاب، وقالت: ان الرئيس بسياسته في العراق وسوء إدارته للحرب لا يمكنه ان يقنعنا أو يجعلنا نعتقد بأنه جعل أميركا والأميركيين أكثر أمناً وسلاماً.
من ناحية ثانية، أجمع خبراء على : ان الخطاب لم يتضمن أي جديد يتعلق بالعراق، وان التفاصيل الكثيرة التي أوردها عن الحرب الشاملة على الإرهاب، والعدو في هذه الحرب، وطبيعته، وايديولوجيته لا تؤدي الى اقناع الأميركيين وغيرهم بسياسته وإدارته للحرب هناك،
ومن غير المتوقع ان يتمكن من استعادة التأييد الشعبي لقيادته وإدارته، وللحرب في العراق، وإن الصورة التي تظل قائمة الآن هي: انخفاض متواصل في الدعم الشعبي للرئيس يقابله تصاعد في خسائر الحرب بشرياً حيث وصل عدد القتلى 1943 والجرحى حوالي 15 ألف جريح. وتكلفة شهرية بستة مليارات دولار.
وقال البعض: ان الرئيس لم يوفق في تشبيهه العدو في الحرب على الإرهاب بالشيوعية في سنوات الحرب الباردة، كما ان اصراره على النصر الكامل في هذه الحرب، غير واقعي، وصعب ان لم يكن مستحيلاً، فالنصر في الحرب الباردة كان على عدو واضح محدد ومعروف، هزم في الحرب واستسلم، بينما في الحرب التي يريدها الرئيس شاملة على الإرهاب، لا عدو محدداً أو واضحاً، حتى يمكن القول انه تمت هزيمته والانتصار عليه.
وقارن البعض بين الأهداف التي أعلنها الرئيس بوش عند بداية الحرب، مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. وان العراق سيكون نموذجاً للمنطقة، وبين ما ركز عليه من أهداف في الخطاب ومحورها محاربة الإرهابيين وتحقيق النصر الكامل عليهم. وأعرب عديدون عن القلق الكبير من احتمال فشل العملية السياسية، والوضع المأساوي الصعب الذي سينحدر اليه العراق، سواء فشل العراقيون في اقرار الدستور، أو اقروه دون موافقة السنة.
يذكر ان ما أعطى اهتماماً بخطاب الرئيس، وأهمية له، الإعلان في مدينة نيويورك بعد ساعات قليلة من القاء الخطاب، عن تهديدات باحتمال وقوع هجمات إرهابية ضد شبكة قطار الإنفاق في المدينة، وان التهديدات توفرت معلومات محددة وموثوقة عن مكان وقوعها وزمانها، مما لا يدع مجالاً للشك، وجعل المدينة تعيش في حالة من الاحتراس والتأهب والحذر الشديد، لكن أصحاب النوايا «غير الحسنة» تساءلوا مشككين بمغزى الإعلان عن التهديدات الإرهابية بعد ساعات قليلة من الخطاب؟!.
واشنطن ـ محمد صادق