فجأة، قرر عدد كبير من النواب اللبنانيين المصنفين سواء في خانة الأكثرية أو في خانة الأقلية المتمثلة بكتلة العماد ميشال عون خلال جلسة المناقشة النيابية لأداء حكومة فؤاد السنيورة في المجال الأمني توجيه النار في اتجاه فلسطينيي لبنان وسلاحهم و«جزرهم الأمنية».

لقد كان هذا الشيء منتظرا. فقد تم التمهيد له على مدى شهر بسلسلة ريبورتاجات تلفزيونية وبكلام سياسي وامني وتقارير من هنا وهناك، فيما كانت بعض العواصم الغربية والعربية تواصل تأكيدها أن موضوع سلاح المقاومة اللبنانية (حزب الله) مؤجل، بعد تمديد فترة السماح الدولية، وهو عنوان داخلي للحوار المرتقب بين اللبنانيين، على ان تتولى حكومة السنيورة، إيجاد الآلية المناسبة، في ضوء التعهدات التي قطعتها للمشاركين في اجتماع نيويورك الاقتصادي الداعم للبنان».

يقول مصدر سياسي لبناني مطلع لقد كلفنا جهات أمنية خاصة، بالتقصي والتحري في موضوع «الريبورتاجات» التلفزيونية فتبين أن أكثرها غير صحيح مطلقا. ما الذي تغير؟ هل نحن أمام نوع من تمهيد الأرض للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، ولكن هذه المرة على قاعدة إعادة ترتيب سلم الأولويات، بحيث يتم تقديم موضوع سلاح الفلسطينيين في لبنان، على مسألة سلاح «حزب الله»،

وعندما تسقط المبررات السياسية لسلاح الفلسطينيين ربطا بالانسحاب من غزة والدعوة الدولية إلى السلطة من اجل نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية وبناء دولة فلسطينية تستثنى منها الضفة ويتم دفن القرار 194 الذي ينص على حق العودة... في هذه الحالة وإذا نجح هذا السيناريو، يصبح سلاح المقاومة اللبنانية لقمة سهلة بيد من يعنيهم أمر السماح دوليا».

لقد اقلق فتح الموضوع الفلسطيني الكثيرين في بيروت، ربطا بالمشهد الإقليمي المتسارع واقتراب موعد صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في الأسبوع الأخير من الشهر الحالي، وكذلك اقتراب موعد صدور تقرير موفد الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بتنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن في حدود العشرين من هذا الشهر أيضاً.

وبينما كان يجري نقاش في أروقة الأمم المتحدة حول إمكانية تأجيل صدور تقرير لارسن الى ما بعد صدور تقرير ميليس، لان الكثير من المعطيات السياسية التي سيتضمنها التحقيق الدولي، قد تؤثر بطريقة او أخرى، على ادوار اللاعبين المحليين والإقليميين على ساحة القرار 1559،

وبالتالي فان التلازم بات قائما بين التقريرين، إلا إذ تبين ان تقرير ميليس سيكون إجرائياً ووصفياً لكيفية حصول الجريمة وسيترك التقرير النهائي للموعد المحدد لانتهاء عمله بموجب تفويض مجلس الأمن الدولي اي منتصف شهر ديسمبر المقبل، عندها يصبح لزاما على لارسن ان يقدم تقريره، وهو في هذه الحالة سيتضمن عرضا للوقائع التي يتم تظهيرها، الواحد تلو الأخرى، على صعيد السلاح الفلسطيني في لبنان،

ومن غير المستبعد إقحامه في موضوع جريمة اغتيال الرئيس الحريري، خاصة وان بعض التسريبات الإعلامية للشهادة التي أدلى بها المجند السوري محمد زهير الصديق تحدثت عن دور محتمل لضباط «جيش التحرير الفلسطيني» (ضمن الجيش السوري) في التحضير والتنفيذ. وفي هذا السياق ظهر أن ثمة فريقاً فلسطينياً يبدو إما متناغما أو انه يؤدي خدمات مجانية، أو انه من النوع المغلوب على امره، بحيث يساق الى منزلقات خطرة، لبنانيا وإقليمياً.

وقد طرحت أوساط لبنانية بارزة علامات استفهام حول حالة التخبط التي تعيشها قيادات منظمة التحرير الفلسطينية نفسها. فقد تلقت قيادات لبنانية اتصالات في الأيام الأخيرة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس(ابو مازن) ابلغ خلالها موقف السلطة الفلسطينية الحاسم القائل بالاتي: لا للتدخل الفلسطيني من اي جهة كانت وفي اي ظرف كان، في الشأن الداخلي اللبناني،

لا للسلاح الفلسطيني خارج المخيمات الفلسطينية، لا لأي صيغة فلسطينية للتعامل مع القرار الدولي الرقم 1559 خارج ما تقره الحكومة اللبنانية وباقي الأطراف السياسية، أي أن الفلسطينيين في لبنان يقبلون بأي توجه رسمي لبناني بشأن مستقبل سلاحهم.

وقد ترك موقف محمود عباس التباسا لدى فريق سياسي، خاصة وان الكلام الذي نقل عنه أكثر من مرة اظهر تجاوبا غير مسبوق وغير مشروط مع الشق المتعلق بنزع السلاح الفلسطيني، فيما قال مسؤولون آخرون إنهم ارتاحوا الى توضيحاته، خاصة وان الكثيرين منهم كانوا قد ارتابوا لدى سماعهم تصريحاته الأخيرة في القاهرة بعد اجتماعه المطول مع الموفد الدولي تيري رود لارسن الذي نقل عنه موافقته على تطبيق القرار 1559 من دون الإشارة الى الآلية المناسبة لهذه الموافقة.

بيروت ـ ريان الأيوبي