«إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت خطيئة وعندما يغتال الاعتدال ماذا يبقى غير الحدة»، شعار «مستقبلي» دخل حيز التنفيذ منذ أكثر من 200 يوم، أي منذ الرابع عشر من فبراير، تاريخ اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري.
تلفزيون «سوبر ستار»، «خليك بالبيت»، «سيرة وانفتحت» و«عالم الصباح»، والذي لم يشهد برنامجاً سياسياً منتظماً منذ نشأته (حيث كان آخر برنامج من هذا النوع قبل «الاستحقاق»، في العام 2000 لمواكبة الانتخابات «المفصلية» بالنسبة للرئيس الحريري)، هو الآن تلفزيون مفتوح على أشكال المعركة السياسية كافة: المباشرة والاجتماعية والثقافية، لعله يذهب فيها ابعد من الآخرين وبشراسة إعلامية كونه هو وشقيقتيه (جريدة المستقبل وإذاعة الشرق) من «أهل الفقيد».
منذ سبعة أشهر تقريبا، انتقل إعلام «الحريري»، الذي اعتاد مسايرة سوريا وعدم التعرض لها بسوء، ومهادنة الرئيس إميل لحود، من موقع المفجوع الحائر بفجيعته (لحظة تلقي النبأ) إلى موقع الهجوم السياسي المعارض، وهذا أمر طبيعي أن تواكب هذه المؤسسات جريمة اغتيال صاحبها وكل الحوادث المتعلقة بها والناجمة عنها.
ولكن أي «مستقبل» نتابع منذ الرابع عشر من فبراير الماضي؟ وإلى متى هذه السياسة الإعلامية؟
* بعد الاغتيال
دراما «حقيقية»، تغطيات مباشرة على طريقة «تلفزيون الواقع»، استنفار مستمر عند الحاجة! وطاقم تقني «متمحور» حول قضيته بالكامل وقد باتت قضية ذات حجم وطني ووزن إقليمي وثقل لا تنبئ التطورات بأنها قصيرة المدى وهي مرشحة للاستمرار بانتظار الوصول إلى لحظة «الحقيقة»، تلك هي حال المجموعة الإعلامية الحريرية بعد اغتيال صاحبها رفيق الحريري.
بالإضافة إلى الزخم الذي تمارسه الشاشة، فقد فتحت صفحات جريدة «المستقبل» أبوابها للسياسيين من خط الحريري لكي يتوزعوا على مواقع الهجوم والدفاع والكر والفر.وإن كان «مخيم الاستقلال» قد انتهى، إلا أن المعركة لم تنته بالنسبة للمجموعة الإعلامية كون الحقيقة لم تكتشف،
حيث تم نقل المطالبة بها إلى البرامج التي ارتفعت وتيرتها في الآونة الأخيرة وذلك من أجل التأكيد على حقها، فلم يعد هناك مفر من الاعتراف بسطوة هذه المجموعة على الحدث ومجرياته وكل ذلك لسبب بسيط هو أنها، تماما كما نبض الشارع تطالب بالحقيقة والحرية والاستقلال.
ولكن كيف تتجلى هذه المطالبة؟
«الحقيقة.. لأجل لبنان»، «وحدها الحقيقة تحررنا»، «شهيد... لإعمار لبنان»...، شعارات استولدتها مجموعة المستقبل منذ اليوم الأول لاغتيال صاحبها وقد بدأت هذه الشعارات «عفويا من دون تخطيط مسبق» ومن ثم استتبعت بشعار «لأجل لبنان» الذي لا يزال حتى هذا اليوم ـ وهو مرشح للاستمرار! ـ يحتل الشاشة والصفحة الأولى من الجريدة مع «عدّاد» للأيام التي مرت على حادثة الاغتيال.
وإن كانت هذه الشعارات تراجعت إلى حد ما في الآونة الأخيرة خصوصا بعد عودة محطة «المستقبل» إلى برامجها السابقة والبرامج الجديدة، إلا أنها لا تزال حاضرة بين البرامج حيث تستخدم كفواصل تعيد إلينا تفاصيل المشهد «الإجرامي»، على أن ترتفع وتيرة هذه الجرعة لحظة حدوث أي طارئ من أجل إبقاء «الحقيقة» حقيقة راسخة في أذهان الناس.
* أغنيات من هول الكارثة
من عمق الأحزان ومن بين الصرخات «المتقطعة» للشباب المستنكر للاغتيال، تطلع النغمات المعبرة عن هول الصدمة، كلمات وقصائد تتردد في أذاننا، أصوات منها ما يعلن الرفض «قولوا قولوا الله... قوموا قوموا يللاّ»، وأخرى باقية على العهد وثالثة تتوعد بقيامة لبنان الجديد «لا ما خلصت الحكاية» وأخرى ترثي الراحل وتردد صفاته ومميزاته «وين اللي عمر، وبتبقى يا رفيق...».
* النشرة الإخبارية وتغيراتها
انتقلت عدوى المعارضة إلى نشرات أخبار «المستقبل» فبعد أن كانت حليفة للحكم القائم، انتقلت إلى الطرف الآخر لتصبح العراب الأول للمعارضة، وقد أخذت هذا المنحى اثر الخلاف أو «الفتور» في العلاقة بين لحود والرئيس الراحل على خلفية موضوع تمديد ولاية الأول، واشتدت عقب اغتيال الحريري لتتحول إلى العدو الأول للرئيس لحود.
وظهرت مفاعيل هذا العداء في النشرات الإخبارية على تلفزيون «المستقبل» ومقالات الرأي في صحيفة «المستقبل» بعد اغتيال الحريري، وقد بدأت «متوارية ومتخفية» لتزيد بعد الهجوم الذي شنته في الآونة الأخيرة بعض الأطراف المطالبة بتنحي الرئيس لحود عن منصبه.فصار حضور الرئيس لحود في نشرات «المستقبل» أشبه بالمتهم أمام لجنة التحقيق. ولم تقتصر الاتهامات للحود على النشرة الإخبارية، بل تعدتها إلى فقرة «الكاريكاتور» للفنان بيار صادق.
والذي لا يتابع النشرات الإخبارية، كان له حظ وافر مع المقالات والأخبار التي تستهدف الرئيس لحود في جريدة «المستقبل»، حيث إن هناك «جرعا» يومية كافية للإطاحة به ولتحريض الناس ضده ومنها على سبيل المثال: مقالة زاهي وهبي بعنوان «فخامة القاتل» في إشارة إلى لحود والتي حوكم عليها.
بيروت ـ راجانا حمية
