أكثر من دلالة حملها مشهد لقاءات الأحزاب والقوى السياسية المصرية المعارضة بغرض تشكيل جبهة موحدة لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، أولها أنه لم يكن مفاجئا فشلها في الاتفاق على تشكيل هذه الجبهة. فالمتتبع للشأن الحزبي المصري يتأكد أن ما يفرق هذه الأحزاب على صعيد التحركات الشعبية أكثر ما يجمعها.
وأن القسمات المشتركة فيما بينها في المواقف السياسية الخاصة بالقضايا الخارجية والأخرى الداخلية لم تنجح في كل التجارب السابقة في صهرها جبهة واحدة ضد الحزب الوطني الحاكم الذي يحصد الغالبية الكاسحة في كل الانتخابات البرلمانية والمحلية، وهو لا يحصد هذا بوصفه وفقط الحزب الذي يحكم وبالتالي يمتلك تسيير مقاليد الدولة، وإنما لأن المعارضة المصرية ممثلة في أحزابها الرسمية لم تنجح في إقناع الناخب المصري بأن تكون بديلا له.
ومهما قيل من اتهامات بالتزوير والتي خفت حدتها في الانتخابات الماضية (عام 2000) بفعل الإشراف القضائي، فإن المعارضة ظلت عاجزة عن قدرتها في تعبئة الجماهير وحشدها في كل المواسم الانتخابية الماضية. أما الدلالة الثانية في المفاوضات الماراثونية التي جمعت هذه الأطراف على مائدة الاجتماعات بمقر حزب الوفد فتتمثل في عدم التنحي عن العداءات السابقة بين قوى سياسية بعينها بل تحولت هذه العداءات معياراً حاكماً في فرض شروط الانضمام للجبهة
فحزب الوفد اشترط أن لا ينضم إليها خصمه حزب الغد، وتحت مبرر أن «الغد» يسوده الخلاف والانشقاق وافقت باقي الأحزاب على استبعاده، أما حزب «التجمع» فقاد المعارضة داخل المعارضة ضد جماعة «الإخوان المسلمين» واستطاع هو الآخر أن يقنع باقي الأطراف بأن جماعة الإخوان لن تكون طرفاً في الجبهة إلا إذا وافقت على مجمل شروطها وأبرزها توحيد الشعار السياسي الانتخابي، وبالتالي تتنازل الجماعة عن شعارها الانتخابي الشهير «الإسلام هو الحل» والذي حقق لها من قبل مكاسب انتخابية عدة.
وتأتي ثالث الدلالات من رحم هذه النقطة حيث أفرزت هذه الاشتراطات مناخ قسمة في صفوف مجمل المعارضة، ربما يقود إلى جمع بين «الغد» و«الإخوان» فحزب الغد يرى عبر زعيمه أيمن نور أنه وبمعيار ما حصده في الانتخابات الرئاسية الأحق بقيادة المعارضة أما جماعة الإخوان فتتحرك وفقا لقناعة أنها القوى السياسية الأولى في الشارع المصري وأن جاهزيتها للمعركة البرلمانية المقبلة تتم على قدم وساق بترشيح 160 باستهداف حصد أكبر كتلة برلمانية بين مجمل القوى السياسية.
وتأسيسا على هذا فإن نظرة حزب «الغد» وجماعة «الإخوان» في اشتراطات الانضمام للجبهة محكومة بالشك والريبة بل والاتهام صراحة لبعض أطراف المعارضة بأنها تتعمد استبعادهما دون أي معايير موضوعية وربما على هذا النحو، تشهد الأيام المقبلة تحالفاً بين الحزب والجماعة أو على الأقل تنسيقاً انتخابياً ملموساً كنوع من الرد الغاضب وربما يتسع هذا التحالف أو التنسيق ليشمل قوى سياسية أخرى.
أما الدلالة الأخيرة فتبدو في أن قراءة صورة مشهد المعارضة المصرية في لقاءاتها لفرض تشكيل الجبهة لا تقف عند حدود الاتفاق والاختلاف والابعاد، وإنما اتسعت الصورة لتشمل قوى شعبية جديدة مثل حزب الكرامة ( تحت التأسيس ) وحزب الوسط (تحت التأسيس) والحركات الشعبية التي ولدت من رحم الانتخابات الرئاسية مثل حركة كفاية والحملة الشعبية من أجل التغيير، والتحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير،
والتجمع الوطني من أجل التحول الديمقراطي، فمائدة المفاوضات جلس خلفها ممثلون عن هؤلاء في إشارة إلى ما يحملونه من جديد بالنسبة للمستقبل، فحتى الانتخابات البرلمانية الماضية (عام 2000) لم يكن في الصورة سوى الأحزاب المعارضة التقليدية، وجماعة الإخوان المسلمين، أما الآن، فيسير الحراك السياسي نحو أفق جديد يجعل من هذه الحركات الشعبية والأحزاب تحت التأسيس نجوما جديدة ربما تمنح للحياة السياسية المصرية مذاقاً مختلفاً.
سعيد الشحات