قال وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط والخارجية والكمنولث الدكتور كيم هاولز أن بلاده ترى أن على رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) القيام بخطوات أمنية مؤلمة، وأن يعلن عن خطة واضحة لذلك، ويبدأ في تطبيقها على الأرض، وأن على رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون تجميد الاستيطان، والعودة إلى خريطة الطريق.
وقال هاولز في حوار مع «البيان» على هامش زيارته الى الأراضي الفلسطينية ولقائه عدداً من المسؤولين بينهم وزير الشؤون الخارجية ناصر القدوة ان بلاده لن تقيم أي حوار مع حركة حماس قبل أن تلقي هذه الحركة سلاحها وتتوقف عما سماه قتل المدنيين والأبرياء، نافياً تقارير عن وجود اتصالات غير رسمية بين الاتحاد الأوروبي الذي تترأس بلاده دورته الحالية والحركة.
وأعتبر هاولز الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة مدخلاً لتغيير مهم يقوم على تنمية وتطوير القطاع، والانتقال نحو تطبيق خريطة الطريق. وقال بأن الفلسطينيين هم أكثر شعب يتلقى مساعدات دولية معتبراً أن عليهم لقاء ذلك أن يظهروا للعالم أنهم مستعدون للقيام بخطوات إلى الأمام ولاسيما في مجال الأمن.
وفي رده على سؤال بشأن رؤية بلاده للوضع القانوني للقطاع بعد الانسحاب الإسرائيلي قال هاولز: لم نكون بعد وجهة نظر حول حدود غزة. قلنا إنها منطقة ذات احتمالات عظيمة، فلطالما اعتبرت غزة منطقة فقيرة وميؤوس منها، لكن فجأة تظهر إمكانية عمل شيء فيها.
وقد لاحظت اختلافاً كبيراً في النقاشات بين الفلسطينيين حول غزة. الآن يقولون المسألة ليست غزة بل الضفة، وسيكون سهلاً تحويل غزة إلى منطقة مزدهرة، لكن المشكلة هي الضفة. وأنا أقول ان غزة ستكون مكاناً يرغب الناس بالسفر إليه، ويرغبون بالعيش فيه. إنها منطقة جميلة على ساحل البحر المتوسط، وهي منطقة مركزية جداً من حيث موقعها، وقابلة للتحول. نحن لم نسمع عن مقترحات بشأن الوضع القانوني لغزة لا من الفلسطينيين ولا من المصريين ولا من الإسرائيليين.
ـ ما المطلوب من شارون بعد غزة؟
ـ العودة إلى خريطة الطريق. نحن نعرف أنهم بالانسحاب من غزة بدأوا تطبيق شيء واحد هو الانسحاب من المستوطنات غير الشرعية، ونحن نحب أن نرى هذه العملية مستمرة، ويجب أن يستأنف النقاش حول ما يحدث في الضفة، ولكن خريطة الطريق تحتوي على بنود واضحة حول تحسين الأمن، وهذا يعني أن على السلطة والرئيس أبو مازن الشروع في تجريد المجموعات المسلحة من السلاح، وتحسين الأمن في أي موقع يمكنهم القيام بذلك.
لقد وجدنا أن من غير المقبول أن تطلق الصواريخ في الأيام الأخيرة من دون أن نرى أحداً من السلطة يتحرك ليعتقل مطلقيها، كما جرت العادة في الدول الديمقراطية. فإذا ما جرى اطلاق صاروخ في بريطانيا فإن علينا أن نعرف لماذا؟
وكما حدث لدينا في السبعينات والثمانينات والتسعينات من قبل الجيش الجمهوري الإيرلندي حيث قمنا باعتقالهم. وهذا ما نريد أن نرى أبو مازن يقوم به. نريد أن نرى دليلاً حقيقياً على أنه يقوم بجهد حقيقي ينم عن تصميم أكيد على تحسين الأمن.
ـ لكن ما تطلبونه يصلح وصفه لحرب أهلية فلسطينية؟
ـ هناك من يقول هذا، وهناك من يقول عكسه. اليوم رأيت نتائج استطلاع رأي يبين أن غالبية الفلسطينيين يريدون العيش بسلام. إنهم لا يريدون رؤية أسلحة تطلق النار في الهواء. يريدون لأطفالهم العيش والنمو في بيئة سلام. يريدون وظائف.
ـ يقول الرئيس محمود عباس بأن حل المجموعات المسلحة عملية تتطلب وقتاً؟
ـ هذا قرار يجب أن يتخذه الفلسطينيون. وعلى الرئيس أبو مازن أن يوضح للناس ما يعنيه، وأن يقنعهم، لأنه عندما تجري عمليات إطلاق صواريخ، وعندما يخطف أشخاص ويقتلون بوحشية دون أن يحدث شيء للفاعلين فإن الناس تتعب. ليست هذه الطريقة التي يعمل بها في الدول الديمقراطية المتحضرة.
أنا آمل كثيراً أن يوضح الرئيس عباس خطته، وإن كان لديه خطة أن يعلنها . عليه أن يقنع العالم بأن ما فعله هو الطريق الصحيح لعمل الأشياء. الإسرائيليون يتقنون ذلك، إنهم يوصلون رسائلهم، يترجمونها إلى لغة مفهومة، وأعتقد أن على السلطة القيام بالشيء ذاته
ـ هل تعني أن الرئيس عباس متردد أو لا يريد القيام بذلك؟
ـ لا فنحن داعمون كبار لابو مازن، وهو الرئيس الذي اختاره شعبه، ونعتقد أن لديه الوسائل والأدوات لبناء مجتمع فلسطيني أفضل. لكن عليه أيضاً أن يتخذ قرارات مثل أية حكومة في مثل هذا الوضع، وهي قرارات غالباً ما تكون صعبة، واتخاذ مثل هذه القرارات فيه هامش مخاطرة، لكن الناس تريد أن ترى دليلاً على أنه مصمم على اتخاذ مثل هذه القرارات، وهذا هو الاختبار.
ـ لكن الفلسطينيين يواصلون الحفاظ على الهدنة فإلى أي مدى أنتم مستعدون للضغط على شارون لوقف الاستيطان؟
ـ نحن بالتأكيد نواصل القيام بذلك، نحن مؤمنون أن الاستيطان غير الشرعي يجب أن يتوقف، ويجب ألا يكون هناك المزيد من البناء. واضح أن البؤر الاستيطانية غير شرعية ويجب أن تزال، وأنا أشعر بالتفاؤل لأن هناك اتجاهات في الإدارة الإسرائيلية، ولا اعتقد أن الموقف الإسرائيلي موحد. يوجد توتر وضغوط. الشعب الإسرائيلي يريد السلام. لقد سئم الحرب والموت مثله في ذلك مثل الشعب الفلسطيني.
وهذه فرصة للتقليل من العنف بشكل دراماتيكي. وأنا لست ساذجا لاعتقد أن أبو مازن سيكون قادرا وبضربة واحدة على تجريد هذه المجموعات من السلاح، لكن إذا تم رؤيته يقوم ببداية قوية فإن ذلك سيولد الثقة من حوله ويعيد الكرة إلى الملعب الإسرائيلي.
ـ هل سنرى ضغوطاً بريطانية وأميركية من أي نوع على إسرائيل لوقف الاستيطان؟
ـ إسرائيل دولة مستقلة ذات سيادة. ويمكننا أن نقولها بصراحة للإسرائيليين إننا نعتبر أن هناك مستوطنات غير شرعية تشكل عقبة أمام السلام، وسنحضهم على وقف ذلك، ولا نرى إمكاناً للتقدم من دون ذلك. اللغة التي استخدمتها اللجنة الرباعية في اجتماعها الأخير في نيويورك كانت مشجعة جداً. وآمل بشدة أن تستمع إسرائيل لذلك.
ـ سبق لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير أن اقترح مؤتمراً دولياً. هل من نية لدى حكومتكم لإعادة طرح هذا الموضوع؟.
ـ ماذا يمكن للمؤتمر الدولي أن يفعله؟ لدينا خريطة الطريق. ولدينا أشخاص ألمعيون مثل جيمس وولفنسون والجنرال وليام وورد مع إرادة طيبة كبيرة. وهناك الكثير من التمويل المقبل على فلسطين، وهناك وعود بالمزيد من التمويل، لكن العالم يريد أن يرى تقدماً.
يريد أن يرى قرارات تتخذ، يريد أن يرى الفلسطينيين جاهزين ومستعدين للقيام بتغييرات وخطوات إلى الأمام، خطوات قد تقود إلى تسوية غير نهائية. فلن يظهر أحد ليقول النهائي هو ما أنتم فيه الآن. أعتقد أن الكثير من الإجراءات المؤقتة قابلة لأن تتخذ الآن. جيمس وولفنسون يحمل معه لائحة من ستة إجراءات رئيسية وهي إجراءات قابلة للتحقيق.
ـ حماس تقول إن لديها حوارات مع الاتحاد الأوروبي. هل لديكم اتصالات مع حماس؟
ـ لا أعرف عن حوارات مع حماس. نحن في رئاسة الاتحاد الأوروبي ولا نعرف شيئاً عن هذا.
ـ هل ترون أنفسكم في حوار مع حماس مستقبلاً؟
ـ ليس وهي حركة مسلحة تقتل المدنيين والأبرياء.
ـ حتى وهي تعلن عن وقف إطلاق النار وتلتزم بالهدنة؟
ـ نحن لا نتحدث مع ناس يقومون بهذا التكتيك. لدينا الكثيرون لنتحدث معهم ممن يتمتعون بمساعدتنا ويشاركوننا المصالح والتكنولوجيا. لسنا في حاجة للتحدث إلى إرهابيين ولن نتحدث معهم. لكن إذا استنكرت حماس العنف وألقت سلاحها جانباً سنكون سعداء جداً للتحدث معها كما فعلنا من قبل مع الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي أصبح اسمه اليوم الشين فين. علينا أن نراهم بوضوح يستنكرون هذه التكتيكات ويمارسون الديمقراطية.
ـ لكن ألا ترى معي أن حماس تتجه نحو الاعتدال؟
ـ إذا كان لديهم إحساس بالمسؤولية فإنهم بالتأكيد يجب أن يتجهوا نحو الاعتدال. إذا كانوا سيخوضون الانتخابات فإنهم سيظهرون للعالم أنهم جديون تجاه الديمقراطية. والآن الديمقراطية هي عملة العالم الرسمية. إنها المساءلة والحكم الرشيد. إنها ليست القول صوتوا لنا وسنفكر أن لا نقتلكم. الديمقراطية لا تعمل هكذا. فكما لا يمكن للمرأة أن تكون نصف حبلى لا يمكن لأحد أن يكون نصف ديمقراطي.
ـ هل حملت مساعدات جديدة للسلطة؟
ـ نحن ثاني أكبر داعم للعاملين هنا من الأمم المتحدة. ندفع ثلاثين مليون جنيه استرليني. وكجزء من الاتحاد الأوروبي نقدم الكثير من الدعم هنا. الفلسطينيون يحظون بأكبر قدر من المساعدات الدولية من بين شعوب العالم. وما نحن مصممون عليه هو محاولة مساعدة الفلسطينيين لاستخدام هذه الموارد في أفضل صورة.
نحن منخرطون بقوة في هذه المنطقة وسنبقى كذلك وسنحاول استخدام مكاتبنا هنا لإقناع الإسرائيليين للقيام بالخطوات الصحيحة وإقناع الرئيس أبو مازن والسلطة بالاستجابة للتحديات التي قدمها لهم جيمس وولفنسون. أنا واثق أنهم سيعملون وأنا متفائل كثيراً، لكنها تتطلب شجاعة وتصوراً.
حاوره في غزة ـ محمد إبراهيم
