يعد اللواء فؤاد علام واحداً من أبرز خبراء مكافحة الإرهاب في العالم العربي اهتم بظاهرة العنف الديني منذ الستينات وعالجها عن قرب عندما تسلم ملف التعامل مع التيارات الإسلامية في جهاز أمن الدولة المصري منذ نهاية السبعينات وحتى نهاية الثمانينات. ولم يكن مجرد نائب لرئيس مباحث أمن الدولة يعتمد الحلول الأمنية وحدها، بل ظل التعامل السياسي مع التيار الديني هو الغالب على تصرفه.
بعد تقاعده من الخدمة حاول توظيف ما استفاده من خبرة فدخل طرفاً في سجالات سياسية وكان صاحب وجود دائم في الندوات والمؤتمرات التي تبحث عن علاج لهذه الآفة التي ضربت أكثر من دولة عربية.كما شارك عبر الكتابة واللقاءات التلفزيونية والمحاضرات في ترسيخ وعي جماهيري بأبعاد ظاهرة الإرهاب وأضرارها، وحذر على الدوام من توظيفها لتحقيق مكاسب على حساب أمن المواطن العربي وأمانه.
«البيان» أجرت هذا الحوار معه أثناء زيارته إلى دبي:
ـ راجت خلال السنوات القليلة الماضية تنظيرات غربية يتردد صداها بأفواه عربية تربط الإسلام بالإرهاب بل وتختزل أحدهما في الآخر، من الناحية العملية هل يوجد أي رابط بين ممارسة عمل عنيف والتدين؟
ـ الإرهاب نبت أول ما نبت في الغرب.. والتنظيمات الإرهابية الأولى نشأت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية واتخذت من القارة الأوروبية مسرحاً رئيسياً لها مثل بادرماينهوف في ألمانيا والألوية الحمراء (برجا تاروسا) في إيطاليا، كما نشأ الجيش الأحمر في اليابان وهذه المنظمات قامت بعمليات إرهابية أعنف مليون مرة من الجماعات الإرهابية التي تدعي أنها تعمل من أجل الإسلام ولم يقل أحد إن هذا تنظيم مسيحي أو تنظيم لا ديني،
كذلك العصابات اليهودية الإرهابية مثل الأرغون والهاغاناه وشتيرن التي أنشأت دولة اعترف بها العالم اسمها «إسرائيل». فلماذا يتم ربط الإرهاب بالإسلام وهو بعيد عنه كل البعد؟ما يجري من عمليات إرهابية لا علاقة له مطلقاً بالدين الحنيف.
ومن يدرس تاريخ المنظمات الإرهابية سيكتشف أن ظهورها في أوروبا كان مرتبطاً بتصرفات أميركا في الحرب العالمية الثانية وخاصة تفجيرها قنبلتين نوويتين في هيروشيما وناجازاكي، فتولد شعور لدى المواطنين في أوروبا ضد هذا العمل الإجرامي اللاإنساني العنيف والذي أفرز التنظيمات الإرهابية هناك.
ـ لو عدنا إلى نشأة تنظيم الإخوان المسلمين في مصر الذي تلقي عليه باللائمة في نشوء أفكار العنف ونشرها.. في كتابك «الإخوان وأنا» تركز على دور التنظيم السري للجماعة وكأنه أصل كل الشرور التي حاقت بمصر بعد ذلك؟ هل ما زلت على نفس القناعة؟
ـ جماعة الإخوان المسلمين أنشأها أحمد السكري في بداية العشرينات وكان الشيخ البنا ـ رحمة الله عليه ـ عضواً فيها، وبعد تعيينه مدرساً في الإسماعيلية بدأ يتصدر الواجهة. وإذا كانت كتب البنا هى مرجعية الجماعة فإنها تظهر أنه كان يؤمن بالعنف.
وهناك واقعة الاعتداء على قبطي وحرق سيارته بمباركة من البنا. وأول التنظيمات السرية أنشأته الجماعة في النصف الأول من الثلاثينات وبعد حملة الاغتيالات التي طالت عدداً من الرموز السياسية في الأربعينات مثل أحمد ماهر والنقراشي تم حل التنظيم، لكنه تكون مرة أخرى برئاسة عبدالرحمن السندي وكان من بين أعضائه عبدالمنعم عبدالرؤوف وأبو المكارم عبدالحي
وكمال الدين حسين ومعروف الحضري وحسين حمودة والذين انضموا إلى الضباط الأحرار وبعد قيام الثورة حاول الإخوان الاستيلاء على السلطة وحاولوا اغتيال عبدالناصر، فتم حل التنظيم وقتها ثم تشكل بعد ذلك تنظيم 1965 الذي تم ضبطه بالمصادفة.. وكان مصطفى مشهور المرشد السابق للإخوان كادراً قيادياً في هذه التنظيمات مما يدل على أنها تلعب الدور الرئيسي في توجيه الجماعة.
* تناقضات
ـ بمناسبة تنظيم 1965 يقول أحمد رائف إنك أمليته بنفسك 9 صفحات عن تنظيم سري وأجبرته على كتابتها بخط يده حتى يفلت من التعذيب، ما تعليقك على هذا الإدعاء، وهل كان بالفعل من نسج خيال أجهزة الأمن؟
ـ أنت تود استفزازي ومع ذلك أشكرك على هذا السؤال لأنه يتيح لي الرد على ما ادعاه أحمد رائف مؤخراً على شاشة الجزيرة ضمن برنامج «من أدب السجون».
أولاً: تنظيم 65 لم تضبطه المباحث العامة (مباحث أمن الدولة حالياَ) التي كنت أنا ضابطاً فيها، بل تم ضبطه بالصدفة. فقد كان هناك شخص مهووس بفكرة توحيد وادي النيل (مصر والسودان) ولو باستخدام العنف. هذا الشخص كون تنظيماً وحاول الحصول على أسلحة وذخائر من إحدى الثكنات العسكرية.
أثناء ذلك اكتشفت المباحث الجنائية العسكرية عملية محاولة التهريب هذه وعندما قبض على هذا التنظيم أدلى بأقوال مفادها أنه يتعاون مع تنظيم سري للإخوان، وهذا التنظيم يضم ألفي شخص مسلح. تم التقاط هذا الخيط وبدأ ضبط التنظيم السري للإخوان.
ثانياً: ان أحمد رائف يناقض نفسه في الحلقة نفسها التي أدلى بهذه المعلومة فيها إذ يقول إنه حصل على البراءة وأنا أتساءل إذا كان هناك شخص اعترف بأنه ضمن تنظيم سري هدفه قلب نظام الحكم كيف يحصل على البراءة؟!
الشيء الثالث: هناك خطابات أرسلها لي أحمد رائف يشكرني فيها على المعاملة الحسنة التي لقيها ولو أعرف أنك ستسأل هذا السؤال لأحضرت معي هذه الخطابات، والتي تحمل تأييداً لثورة يوليو وزعيمها. لكنه بعد ذلك أصدر كتابه البوابة السوداء ووصل في عدائه لعبد الناصر إلى حد الانزلاق إلى تبني وجهات نظر إسرائيلية.
وعلى أي حال فإن تنظيم 65 هو الذي تفرعت عنه كل الأفكار التكفيرية. فشكري مصطفى زعيم جماعة التكفير والهجرة هو واحد من كوادر هذا التنظيم. وفي حلقات مطولة (12 حلقة) تحدث أحد قادة الإخوان وهو محمد فريد عبدالخالق مطولاً عن هذا التنظيم.. وكيف أنه أضر بمصر والجماعة ولم يكن له أي مبرر.
ـ قلت في أحد كتبك «لو قرأ السادات سطراً واحداً من ملف مؤامرات الإخوان المسلمين لأراحنا واستراح، ولم تكن مصر قد وقعت في دائرة العنف التي انفجرت أوائل السبعينات وراح هو ضحيتها في أوائل الثمانينات»؟
ـ أنا لم أقل هذا الكلام.
ـ ولكنه نقل على لسانك في كتاب السادات والمباحث والإخوان؟
ـ لقد تم دمج عبارات متفرقة في عبارة واحدة. أنا قلت أن السادات لم يكن يحب قراءة التقارير المطولة، وكان يفضل الملخصات بعكس جمال عبدالناصر الذي كان يقرأ ما بين السطور، وأذكر في هذا الصدد أنه قرأ كتاب معالم في الطريق وعلق على أحد فقرات الكتاب بعبارة تقول «هذه الفقرة موجهة إلى تنظيم سري» وذلك قبل أن تكتشف أجهزة الأمن هذا التنظيم السري.والسادات تساهل مع جماعة الإخوان وسمح لهم بالانتشار والظهور.
* صداقات السادات السبب
ـ هذا السماح كان هدفه ضرب التيار الناصري واليساري. أليس كذلك؟
ـ كانت هناك دوافع مختلفة فقد تأثر الرئيس السادات في هذا الشأن بأصدقائه والمحيطين به وأبرزهم محمد عثمان إسماعيل (محافظ أسيوط) وعثمان أحمد عثمان رئيس شركة المقاولون العرب الذي فتح شركته لكوادر الإخوان، وصهر الرئيس السادات فيما بعد.كان عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان وراء إقناعه بالسماح للإخوان بالظهور العلني والتغلغل في الجامعات، وذلك لمقاومة التيار القومي اليساري الذي أخذ ينشط محتجاً على عدم خوض المعركة ضد إسرائيل (عام 1972).
ـ لو قفزنا إلى حادث المنصة.. أنت كنت طرفاً في مجموعة عرفت صباح 6 أكتوبر 1981 أن رئيس الجمهورية سيتم اغتياله، ومع ذلك لم تستطع المجموعة التدخل لمنع حدوث ذلك، ما حقيقة هذه القصة؟
ـ بدأت القصة عند العقيد محمد إدريس ضابط أمن الدولة بمنطقة الساحل، فقد كان هناك مصدر تابع له استطاع اختراق تنظيم الجماعة الإسلامية، وصباح يوم 6 أكتوبر ذهب إليه قائلاً: إننا اليوم (يعني الجماعة) سننفذ مخططاً لاغتيال رئيس الجمهورية. وشرح له باستفاضة الجزء الذي اطلع عليه من الخطة والذي كان يتضمن إثارة اضطرابات في القاهرة ومحاولة الاستيلاء على السلطة.
هذه المعلومات وصلت لكبار المسؤولين الأمنيين، ولم نستطع إبلاغها عبر جهاز اللاسلكي.. فلم نجد طريقة نحاول توصيل المعلومة بها إلى وزير الداخلية إلا إرسال ضابط لإبلاغ الوزير، ولكن للأسف لم يتمكن من الوصول إليه وحدث ما حدث.
ـ هل منعه الحرس الجمهوري؟
ـ لم يكن الحرس الجمهوري وحده وإنما أجهزة كثيرة متداخلة، وللأسف فإن انعدام التنسيق شلّ قدرتنا على إبلاغ وزير الداخلية في الوقت المناسب، كان من الغريب ألا يستطيع أحد الوصول إلى أعلى مسؤول أمني وإبلاغه معلومة خطيرة كهذه.
ـ لماذا لم يتم التحقيق في هذه الواقعة؟
ـ بعد حادث المنصة تمت إقالة كبار المسؤولين الأمنيين، وكان من بينهم وزير الداخلية ورئيس جهاز أمن الدولة.. ماذا يمكن أن يحدث أكثر من ذلك؟.
ـ لكن لم يفتح تحقيق رسمي بهذا الشأن؟
ـ كان استبعاد وإقالة المسؤولين هو أقصى ما يمكن اتخاذه.
ـ في وقت لاحق نُقل عن وزير الداخلية اللواء النبوي إسماعيل أنه كان هناك مخطط أميركي للتخلص من السادات.
ـ هو لم يقل إنه كان هناك مخطط أميركي، بل تحدث عن فتور في العلاقات بين الرئيس السادات والمسؤولين الأميركيين، وقد اختلفت معه في هذا الشأن.
ـ هناك وجهتا نظر فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية المعتدلة والإخوان على رأسها، إحداهما تقول إن السماح لها بالنشاط والعمل السياسي يسحب البساط من تحت أقدام قوى التشدد، والثانية تؤكد أن السماح لها يخلق أرضية خصبة لتجنيد أفراد ضمن تنظيمات العنف؟
ـ الإخوان ليسوا قوة معتدلة، فالاسم نفسه يخفي إرهاباً «الإخوان المسلمون» هذا يعني أن غير المنخرط في تنظيمهم غير مسلمين أو كفرة. كما أن شعار «الإسلام هو الحل» يعني إغلاق الباب أمام الاجتهادات الفكرية الأخرى. قوى الاعتدال في رأيي تتمثل الآن في الجماعة التي أصدر قادتها 14 كتاباً يوضحون فيها تراجعهم عن العنف وندمهم عليه ويُثبتون بأدلة فقهية على أنهم ساروا في طريق خطأ. وأنا مع إتاحة العمل السياسي ولكن الإخوان يريدون حزباً دينياً وهذا مبدأ مرفوض.
ـ لكن السلطة المصرية لم تفرج عن قادة الجماعة الإسلامية بعد تراجعهم ولم تسمح لهم بالعمل السياسي أو تكوين تنظيم سياسي؟
ـ السلطة أفرجت عن كرم زهدي وهو أكبر قادة الجماعة ولكن السماح بعودة الجماعة يعني في نظري تنظيماً سرياً آخر وهذا غير مقبول.
ـ إذا كان هناك ترحيب بتحول هذه التنظيمات إلى كيانات سياسية معلنة وشرعية، لماذا لم يسمح للفصيل الذي انشق عن الإخوان وكون حزب الوسط بتشكيل حزب شرعي.
ـ اعتقد انه سيسمح له قريباً.
* إصلاحات
ـ هناك تخوف يروجه البعض وهو أن إدخال إصلاحات تسمح بانتخابات ديمقراطية نزيهة سيؤدي في النهاية إلى سيطرة التيار الإسلامي؟
ـ هذا غير صحيح والدليل حالتان.
الأولى ان الأخوان حينما حشدوا عناصرهم وفازوا بانتخابات نقابة المهندسين كان ذلك دافعا للقوى السياسية الأخرى بالنشاط وفي الدورة التالية لم يستطيعوا السيطرة على النقابة، كذلك الأمر في نقابة المحامين حيث فاز سامح عاشور الذي يعاديه الأخوان على المرشح الذي يدعمونه «وتدعمه السلطة» بفارق 17 ألف صوت.
الحالة الثانية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة فقد دعم الأخوان المرشح أيمن نور وصدرت تعليمات بالتصويت له صباح يوم الانتخابات ومع ذلك لم يحصل إلا على 500 ألف صوت منهم 300 ألف لأنصاره و 200 ألف من الأخوان. بينما حصل الرئيس مبارك على 88% من الأصوات.
هم يروجون لأكذوبة أن لهم نحو 30% من الخريطة السياسية المصرية وهذا غير صحيح. وهذا التضخيم هو ما دفع الإدارة الأميركية للاتصال بهم وبعد ذلك أصلح بوش الخطأ بعدما عرف قوتهم الحقيقية. نعم هم قوة منظمة قادرة على الحشد وأتباعهم يلتزمون بالتعليمات التي تصدر من قيادة التنظيم لكن ليس لهم الثقل الذي يحاولون الإيحاء به. وهم يتفننون في تصوير أنفسهم بأنهم القوة الوحيدة التي لا تهزم وهذا غير صحيح.. وهذا الأمر موجود منذ الأربعينات.
ـ لماذا ننسب للإخوان الاغتيالات والإرهاب الذي مارسوه في الأربعينات كما تقول وننسى دورهم في حرب فلسطين وفي مقاومة الاحتلال الانجليزي لمصر خاصة في منطقة القناة؟
ـ هذا راجع أيضا للتضخيم، فالأخوان لم يلعبوا الدور البارز في حرب 1948، ولم يحققوا انتصارات كانوا مثلهم مثل فصائل العمل السياسي الأخرى ومن بينها الحزب الشيوعي، وقد كتب إبراهيم شكري مقالاً حينها ليدحض الأكاذيب التي روجوها عن دورهم في هذه الحرب وأنا أستشهد بإبراهيم شكري لأنه تحالف معهم فيما بعد.
ـ لكننا نذكر أسماء بعض مقاتليهم ونخلدها مثل البطل أحمد عبدالعزيز وغيره؟
ـ نعم. كانت هناك بطولات فردية سجلها عدد من متطوعي الاخوان مثلهم مثل غيرهم من المصريين لكنهم لم يلعبوا الدور الأبرز في تلك الحرب وإنما ضخموا من دورهم كثيراً.
ـ ما هي الخطورة التي يمثلها الاخوان الآن؟
ـ الخطورة تكمن في أنهم لم يتراجعوا عن أفكارهم القديمة فهم لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالحياة الحزبية وهذا منعكس على التشكيل القيادي للجماعة. هي في حاجة إلى إعادة بناء من جديد على أسس تختلف عن المنهج التقليدي الذي نشأت عليه. كذلك قدرتهم على جلب التمويل واتباع سياسة ميكيافيلية في هذا الشأن.
ـ في حوارات سابقة تشير إلى علاقات للإخوان بأطراف خارجية؟ ما صحة ذلك خاصة في مسألة التمويل؟
ـ نعم هناك مستندات حصلت عليها من المكتبة البريطانية والأميركية تشير إلى هيئة قناة السويس باعتبارها الممول الرئيسي للإخوان «قبل تأميم الهيئة» كما نشر واحد من القيادات الاخوانية ويدعى علي أحمد مذكراته في مجلة المصور المصرية وقال فيها إن الاخوان في الأربعينات والخمسينات كانوا يمولون من اليهود وعلى وجه التحديد من داود عدس وصيدناوي.
كما نشر صورا لبعض العقود التي توضح أن اليهود لعبوا دوراً كبيراً في التمويل، هناك مستندات أخرى تشير إلى علاقات وطيدة بين الأخوان ومسؤولين في السفارتين البريطانية والأميركية بالقاهرة وكان هناك تفاوض على أن تدعم السفارتان سيطرة الأخوان على السلطة. وهذا بالوثائق الدامغة. واكتشفت الأنظمة العربية ادعاءات الأخوان، فحتى السعودية التي كانت داعماً رئيسياً لهم كشفت حقيقتهم وتحدث الأمير نايف عنهم فاستعطفه مرشد الجماعة.
ـ لكن حزبين إسلاميين هما من أجبرا إسرائيل على الانسحاب والتراجع.. حزب الله في الجنوب اللبناني وحماس في غزة؟
ـ حركات المقاومة التي دفعت إسرائيل للانسحاب لم تكن حكراً على حماس وحزب الله.. فكثيرون شاركوا في القتال ليس على أساس ديني وإسرائيل هي من تحاول تصوير الصراع على أنه صراع ديني لأن ذلك يخدم مخططاتها وينسجم مع طبيعتها القائمة على أفكار توراتية.
ـ هل تعتقد أن الولايات المتحدة وظفت تيارات إسلامية لخدمة مصالحها.. ولو من خلال التورط في عداء معها؟ بمعنى هل تؤمن بفكرة المؤامرة ضمن هذا السياق؟
ـ أنا لست مع فكرة المؤامرة، ولكن هذا لا يمنعني من وضعها في الحسبان، فالصحافي الفرنسي تيري ميسان قدم رواية مختلفة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر واعتقد أن أميركا استفادت من توظيف هذه الظاهرة، لكن هذا لا يمنع من أنها تضررت بسببها.
* القاعدة انتهت
ـ بعد تفجيرات لندن قلت إن «القاعدة» كتنظيم لم يعد لها وجود وأنك تتحدى أي جهاز أمني يثبت وجودها. مع ذلك خرج التنظيم وأعلن مسؤوليته؟
ـ القاعدة كتنظيم لا وجود لها ولكن الموجود هو الفكر الذي روجته كما هو الحال مع فكر الاخوان المسلمين.. وهذا لا يمكن القضاء عليه بين يوم وليلة، وأنا لا أتصور تنظيماً تلاحقه كل أجهزة الأمن في العالم ومع ذلك يظل موجوداً.
ـ صرحت أيضاً بأنه لا يوجد شيء اسمه خلايا نائمة في الوقت الذي يبرز فيه جيل جديد ممن يرتكبون عمليات إرهابية لا سجلات لهم، وغير ملاحقين أمنياً؟
ـ طالما ظلت الأفكار الخاطئة موجودة ولا يتم التصدي لها وتصويبها يظل احتمال ظهور جيل جديد من الجماعات الراديكالية أو موجة جديدة من العنف قائماً. وهذا ما أحذر منه دوما وأطالب بالتصدي له. وربما تلعب أجهزة الإعلام التي تنشر الانحلال دوراً في تغذية هذا المناخ.
ـ أنت ممن يطالبون بالتصدي لأسباب الإرهاب الحقيقية.. هل تعتقد أن هذا متاح في ظل الإحساس بالظلم الذي ترتكبه قوى عالمية وإقليمية بحق المنطقة؟
ـ إذا أردنا البحث عن علاج ينبغي أن نلتفت للأسباب الداخلية ولا نظل في حالة ارتهان لعوامل خارجية. ففي النهاية لن يستطيع أحد هزيمة أميركا وإجبارها على رفع يدها ولن يستطيع أحد إزالة إسرائيل من الوجود.
علينا إذن أن نلتفت للأسباب الداخلية ونجري الإصلاحات اللازمة التي تقضي على أسباب العنف. وهذا يقتضي تعاوناً وتنسيقاً بين الدول العربية ومعالجات مبتكرة للمشاكل التي يعانيها العالم العربي ومنها الفقر والبطالة.. وكذلك التصدي للأفكار المنحرفة عن صحيح الدين
ـ هل تعتقد أن حالة التشرذم التي يعيشها العالم العربي تساعد في إذكاء مناخ التطرف؟
ـ دون شك سواء على مستوى الزعامات أو على مستوى تماسك القوى السياسية داخل كل بلد، فتيارات العنف تستفيد من هذا التشرذم.
ـ تروج أقاويل مصدرها تقارير إخبارية أميركية عن ترحيل بعض معتقلي غوانتانامو إلى دول عربية وشرق أوسطية لانتزاع اعترافات منهم. هل تعتقد في صحة ذلك؟
ـ أنا لا أظن أن ذلك قد حدث، فما تم كشفه من أساليب تستخدم ضد المعتقلين في غوانتانامو وأبو غريب يعطي صورة فظيعة عن كم الانتهاكات ويجعل الأميركيين غير محتاجين إلى ترحيل هؤلاء إلى دول عربية لانتزاع اعترافاتهم.
ـ لكنك ترى أن جهاز الاستخبارات الأميركية أفشل جهاز مخابرات في العالم؟
ـ نعم هو كذلك، وإن امتلك التكنولوجيا المتقدمة وأحدث أجهزة التنصت التي يستطيع العقل البشري التغلب عليها. فقد فشل في إيران حينما كانوا يدعمون نظام الشاه وفوجئوا بما فعله الخميني ولم يستطيعوا فعل شيء رغم وجود رجالهم في طهران،
كما فشلوا في إنقاذ الرهائن الأميركيين وتحريرهم وأخذوا يحاولون الاستعانة بوساطات من دول عربية. كما فشلوا في تقييم ما يمكن أن يحدث بعد غزو العراق وأفغانستان وفشلوا في اعتقال أسامة بن لادن وقادة تنظيم القاعدة الذين لا يزالون طلقاء رغم مطاردتهم منذ سنوات.
* حركة كفاية
ـ بما أنك تطالب بالإصلاح والانفتاح السياسي لماذا اعتبرت تظاهرات حركة كفاية المصرية محاولة لاختراق الجبهة الداخلية وضرب الاستقرار ودعوت الأمن إلى مواجهتها بشدة؟
ـ أنا لست ضد كفاية كحركة سياسية ولكنني ضد التظاهر في شوارع القاهرة وتعطيل المرور لساعات طويلة مع ما يحمله ذلك من خطورة انضمام مندسّين إليها وتحوّلها إلى شغب، وقد حدث هذا بالفعل.أنا مع حق التظاهر شرط أن يتم بالتنسيق مع أجهزة الأمن وأن يكون منضبطاً.. لماذا لا يتظاهرون مثلاً في حديقة الحرية القريبة من ضريح سعد؟ ساعتها لن يعترض أحد على تظاهراتهم.
ـ لكن هذا يعني حبس الحركة السياسية لـ «كفاية» داخل جدران.. وحق التظاهر معناه القدرة على اجتذاب الشارع والتأثير فيه!
ـ هذا ليس تأطيراً للحركة ولا حبسها، وإنما يعني تنظيماً، وفي أعرق الديمقراطيات تخرج التظاهرات بالتنسيق مع أجهزة الأمن.. وهذا فيه حماية للمتظاهرين أنفسهم. أما الخروج على القواعد والقوانين، فيحمل في طياته نوعاً من تهييج الشارع وليس التأثير فيه.
ـ إذا عدنا إلى طرق مكافحة الإرهاب عالمياً. ما هي الوسائل التي تراها مناسبة للقضاء على جذوره؟
ـ أولاً ينبغي حدوث توافق دولي على تعريف محدد للإرهاب، وقد كان هذا الأمر وشيكاً خلال القمة العالمية، لكن أطرافاً تدخلت لمنع ذلك حتى لا تتم إدانة إسرائيل. لأن التعريف كان سيكشف أن إسرائيل تمارس الإرهاب ضد الفلسطينيين،
كذلك كان هناك مؤتمر مهم في السعودية عُقد قبل شهور وانتهى إلى توصيات كانت كفيلة بمكافحة حقيقية للإرهاب، غير أن أحداً في الغالب من الغرب لم يهتم بهذه التوصيات أو يأخذها على محمل الجد. بل صمّ آذانه رغم ادعاءات الغرب بمحاربة الإرهاب.
حوار مجدي شندي
