يزداد الوضع العراقي تعقيداً، يوماً بعد آخر، وتتعدد حوله الآراء وتتنوع الرؤى بين الأطراف والتيارات المختلفة داخل الساحة العراقية. وتعتبر مسودة الدستور، التي أقرتها الجمعية الوطنية العراقية مؤخراً ويجري الإعداد لطرحها على استفتاء عام منتصف أكتوبر المقبل، من أبرز مجالات الاختلاف بين الأحزاب والقوى السياسية في العراق.
كما تعتبر مواقف بعض دول الجوار ومدى تدخلها السافر أو المستتر في الشأن العراقي الداخلي، أحد عوامل التنافر والتجاذب، فضلاً عما يمكن أن يحدثه تطور الأوضاع في العراق من تأثيرات وانعكاسات على كل جيرانه ومحيطه الإقليمي.«البيان» طرحت هذه المواضيع وغيرها على كل من الدكتور حسيب عارف العبيدي عضو لجنة الدستور العراقية ورئيس «مؤتمر أهل العراق» والدكتور صالح المطلق الناطق الرسمي باسم «مجلس الحوار الوطني» العراقي، وهما من القيادات السياسية المعارضة لمشروع الدستور المطروح والمسار العام للأوضاع الحالية في العراق، وذلك في جلسة حوارية أدارها د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات، وتطرقت إلى مختلف جوانب الوضع الداخلي في العراق وما يشغل الساحة السياسية فيه، مع محاولة استشراف لمستقبله السياسي في المدى المنظور. وفي ما يلي تفاصيل اللقاء..
ـ د. محمد المطوع: الأستاذ حسيب، بصفتك عضواً في لجنة الدستور الذي عرض مؤخراً في شكله الحالي والذي سيعرض على التصويت فيما بعد، ما هي أهم الاعتراضات التي لديكم في «مؤتمر أهل العراق» كتنظيم، على مسودة الدستور؟
ـ د. حسيب عارف العبيدي: لدينا أكثر من خمسة اعتراضات رئيسية وجوهرية، الأول يتعلق بهوية العراق العربية.
فرغم تعديل هذا النص إلا أننا نجد أن النص الحقيقي هو الاعتراف بالعراق العربي، وهذه القضية ليس فيها أبيض وأسود ولا رمادي. له هويته العربية أو لا هوية له. أي تعديل ينتقص من هذه الهوية نحن رفضناه. نحن لسنا مستوطنين في العراق. نحن أهل العراق العرب الذين نسبتنا 84% من العراقيين.
ثانياً، إذا عدل على أساس التعديل المطروح الآن، بان العراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وفعال ومنتظم بمبادئها. هذا أيضاً تفريغ له من هويته العربية. الجامعة العربية ليست هوية، بل مؤسسة إقليمية تنظيمية يمكن أن تنتمي إليها أو لا تنتمي. وإذا انسحبت منها لا يعني ذلك أن عروبتك امحت ولا إذا انتميت إليها مثل جزر القمر التي أصبحت عربية. فإذا هي ليست معيار الهوية. وهذا فرق ثانٍ.
النقطة الثالثة في ما يخص الحظر الفكري، الإقصاء الفكري لبعض التيارات السياسية، ونذكر بشكل خاص «البعث الصدامي» ورموزه وما شابه ذلك. هذه حقيقة كلمة حق يراد بها باطل، لأنها عملية حظر للفكر القومي، وبالتالي لا تستطيع أن تتحدث بأي فكر قومي حتى لو لم يكن بعثياً لأنه يمكن أن يصنف في هذا الإطار. وهو سلاح ذو حدين.
حظر الفكر العنصري والطائفي والترويج للإرهاب كيفما يكون، تستطيع أن تفسره كما تشاء، وكل واحد لديه أغلبية في الجمعية الوطنية يستطيع أن يفسر عمل الحزب الآخر الخصم بالطريقة التي يراها، يقول انه إرهابي أو طائفي أو عنصري، عملية سائبة. هذه يجب أن تكون في الحريات والمبادئ العامة وفي قانون الأحزاب الذي سيصدر بموجب هذا الدستور، وليس في مبادئ أساسية للدستور.
ثم تسمية «البعث الصدامي» في الدستور، هذه المسالة تقزم الدستور عملياً، لأن الدستور عبارة عن ثوابت معينة تخص العراقيين ولا يوجد فيها إقصاء. اليوم البعث الصدامي ليس في الساحة، لكن غداً قد يعيد تشكيل نفسه ويعيد مراجعة برنامجه السياسي، وليس بالضرورة أن يظل للأبد خارج العمل السياسي. تيار القوميين المتمحور سواء في البعث وغير البعث، في العراق أقوى تيار في الوطن العربي.
ـ د. محمد المطوع: هل حركة القوميين العرب ما زالت موجودة؟ هل جماعة باسل الكبيسي (مؤسس حركة القوميين العرب) ما زالت موجودة؟ وهل ما زالت تحمل نفس اسمها السابق؟
ـ د. حسيب العبيدي: نعم موجودة وتعمل على الساحة، وتسمى حركة القوميين العرب، والحركة الاشتراكية العربية والاتحاد الناصري، وغيرها من التيارات القومية وكلهم مندمجون في تيار اسمه التيار القومي.
أما النقطة الأخرى فهي موضوع الجنسية وتعريف العراقي. من هو العراقي؟ عرف العراقي بأبيه، هذا صحيح وسليم جداً، لكن أن يعرف العراقي بأمه فهذا غير صحيح. «العراقي هو كل من يولد من أب عراقي أو أم عراقية»! لا توجد هكذا هوية وطنية في العالم، إلا ربما في الكيان الصهيوني أو في بعض دول أوروبا، أن تلحق ابن الأم بدون ذكر أبيه في جنسية أمه!
ـ د. محمد المطوع: لماذا اعتراضكم على ذلك، طالما أن امرأة عراقية متزوجة من شخص أجنبي؟
ـ د. حسيب العبيدي: إذا كان هذا الشخص معلوماً.
ـ د. محمد المطوع: عنده جنسية، لا خلاف في ذلك.
ـ د. حسيب العبيدي: الابن يلحق بأبيه.
ـ د. محمد المطوع: وإذا كان الابن يتبع أمه؟
ـ د. حسيب العبيدي: يعتبر متجنساً وبالتالي يمنح الجنسية بموجب قانون الجنسية العراقية، لأن قانون الجنسية النافذ حالياً يمنح الجنسية العراقية بالاتصال للابن الذي أمه عراقية المعزول عن أبيه والمقيم في العراق. وبصورة تالية، هذا الموضوع نرفقه عن طريق الرضاعة عن طريق الأم. هذا في القانون، لكن لا يمكن أن نعرف الإماراتي، مثلاً، بأنه هو الذي ولد من أم إماراتية، أو السعودي بأنه الذي من أم سعودية. لا يصح هذا الشيء.
الأب يجوز أن يكون بريطانياً أو أميركياً أو فرنسياً أو هندياً أو باكستانياً، ولد من أمّ عراقية. هذا يعني أننا أخضعنا تقييم الهوية الوطنية والانتماء الوطني لموضوع سائب جداً وغير محدد. الأكراد قد يدخلون آلافاً مؤلفة من المتزوجات في الخارج. ومن إيران صارت علاقات زواجية بين العراقيين والإيرانيين. يصبح هؤلاء عراقيون أصليون يستطيع أي منهم أن ينافسني في أعمالي وفي مناصبي السيادية أيضاً. هذا خلاف جوهري.
النقطة الخامسة هي حول موضوع الاختصاصات الحصرية للأقاليم. هناك نصوص يجب أن تكون حصرية للحكومة المركزية، مثل المياه والثروة وتوزيعها وإدامتها واستمرار الثروات الوطنية. موضوع الأعمال السيادية كلها، القوات المسلحة. هنا توجد نقاط خلافية. مثلاً فقرة من الفقرات تقول إنه «يحق لأي إقليم أو محافظة غير مرتبطة بإقليم أن تُعيِّن موظفاً لها في السفارات العراقية في الخارج يتولى متابعة الشؤون الثقافية والإنمائية».
هذا انتقاص من السيادة. العمل الدبلوماسي هو في إطار العمل السيادي، وهذا يجزئ السيادة وهذه عملية انفصالية تهيئ لعملية انفصال، كما حصل مثلاً في الوكالة اليهودية عندما أنشأت وكالات وفروعاً لها في كل أنحاء العالم، وعندما أعلن الكيان الصهيوني في عام 1948 أعلنت هذه الفروع في يوم واحد سفارات، بحدود 80 سفارة للكيان الصهيوني في يوم واحد وتحولت هذه الوكالات إلى سفارات. هذا منطق غير مقبول.
النقطة الأساسية والجوهرية الأخرى والأهم، هي موضوع الفيدرالية. نحن لم نوافق على الفيدرالية ونعتبرها خطوة نحو التجزئة. ثانياً، الظرف غير ملائم، لا الأمني ولا السياسي أو الاجتماعي، والوعي السكاني غير مهيأ لإنشاء نظام فيدرالي والذي هو نظام واسع الصلاحية وواسع السلطات وتوزع فيه الثروة والسلطة بشكل واسع، لا يمكن أن يقام دون وعي. في يوم من الأيام، البصرة لن تعطي الناصرية والعمارة كهرباء وترفض تزويد بغداد بها، مثلاً. هذا حصل قبل أيام.
سألوا المحافظ لماذا حصل هذا في البصرة وفيها محطة كهرباء مركزية توزع لكل أنحاء العراق من الناصرية ومن ناحية البصرة؟ فقال: الناصرية أيضاً تقطع الكهرباء عن الديوانية والحلة. هذا منطق يمكن أن يفهم منه نظام فيدرالي! غداً كيف تنشئ نظاماً فيدرالياً في محافظات جنوبية تفكر قياداتها بهذه الطريقة؟ إذاً الوعي غير مكتمل، والوضع الأمني غير مستقر.
هذه نعتبرها خطوة للتقسيم، وهناك طروحات نشعر أنها تساهم في تقسيم العراق. وبالتالي علينا أن نضع حواجز وعقبات كبيرة أمام مثل هذا النظام لحين توفر الفرصة الملائمة. نحن طلبنا تأجيله للجمعية الوطنية الثانية وليس في هذه الجمعية. قلنا دعونا نؤجلها للجمعية الوطنية القادمة. نعتبر أننا ربما نساهم في الانتخابات والانتخابات تفرز جمعية وطنية متوازنة.
يكون هناك توازن وطرح عقلاني. ثانياً، ربما الحالة الأمنية تتحسن، وأيضاً المواطن العراقي بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ربما يعيد التفكير ألف مرة في أن يكون مع الحكومة المركزية في نظام لا مركزي أو في نظام فيدرالي. وطرحنا مشروعاً للامركزية. قلنا إن إقليم كردستان يتمتع بخصوصية وبهوية خاصة به منذ عام 1970، وهذا معترف به ونحن لا نستطيع أن ننتقص منه.
لكن ننظم علاقته بالمركز وما تبقى من المحافظات العراقية ال15 تحكم بإدارة لامركزية كما هو قائم الآن. ونوسع هذه اللامركزية لحين توفر الفرصة الأمنية والفكرية والسياسية، وعندها إما أن نستمر على اللامركزية ونطورها وإما أن نذهب إلى الفيدرالية، وفي ذلك الوقت نكون قد عرفنا معنى الفيدرالية ونقرر هذا الموضوع. هذه حقيقة هي القضايا الجوهرية الرئيسية التي شكلت عقبة في رأينا أمام موافقتنا على الدستور.
ولذلك، نحن كمؤتمر أهل العراق الذي يضم قوى سياسية عربية وكردية وتركمانية وشيعية، والذي يتمثل فيه أهل السنة أيضاً بمؤتمر أهل السنة، ولدينا طيف كبير واسع. نحن في البيان الأساسي رفضنا فكرة الفيدرالية في البيان التأسيسي لمؤتمر أهل العراق.
ـ د. محمد المطوع: حسب معلوماتك، هل من أحد طرح الدولة العلمانية في العراق؟
ـ د. حسيب العبيدي: لم يطرح هذا الموضوع بهذه الطريقة، إنما طرح موضوع وضع حد فاصل بين الدين والسياسة. وخفف موضوع دور الدين، اعتبار الإسلام كمصدر أساسي من مصادر التشريع ووضعت قيود على تدخل الدين بالدولة. لكن أيضاً سيراً مع الدساتير السابقة العراقية فإن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساسي من مصادر التشريع، ولا يجوز سنّ قانون يخالف ثوابته. أضفنا إليها انه لا يجوز مخالفة حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، للتخفيف من وطأة تدخل رجال الدين في السياسة.
ـ د. محمد المطوع: أنا لدي سؤال قد يكون خارج الإطار. بالنسبة لمحاكمة صدام حسين، لو أن محاكمته تمت قبل فترة، ألا تعتقد أن ذلك كان سيساهم إلى حد ما في استقرار الوضع الداخلي؟
ـ د. حسيب العبيدي: لا، بالعكس. أي محاكمة لصدام حسين يمكن أن تتم في ظل هذه الظروف؟ أنا أعتقد أنها ستزيد الوضع توتراً لعدة أسباب. أولاً، لأن قاعدة حزب البعث قاعدة كبيرة جداً وتحمل السلاح ومنظمة. القضية الأخرى، مشروع الاحتلال، حتى عند الذين كانوا يعتقدون انه تحرير، فشل. فبدأوا يترحمون على أيام صدام حسين وعلى النظام السابق باعتباره حقق الأمن وحقق وفرة خدمية واقتصادية ومالية.
نوعاً ما كان المجتمع منضبطاً، أمن حدود ودولة وسيادة وقانون، وهناك شرطة وجيش ونظام. بسبب الانهيار والفوضى، الناس أصبحت لها مواقف خاصة في موضوع النظام السابق. ولهذا السبب أنا أعتقد أن محاكمته ستزيد وتعقد الأمور، خاصة عندما تكون محاكمة غير علنية ولا يحق له الدفاع عن نفسه بطريقة قانونية ونظامية. لو يعرض على المحاكم العراقية، فانه يتمتع بالحصانة القضائية والقانونية كرئيس جمهورية وكانت له الحصانة الكافية عندما أصدر قراراته السابقة.
لا يمكن محاكمة رئيس على عمل خارجي. لا يمكن محاكمة صدام حسين في العراق على الحرب العراقية الإيرانية، لأنها لا تتعلق بالشأن الداخلي بل بالشأن الخارجي. ولا يمكن محاكمته على موضوع الكويت، هذا كلام غير دقيق. لا يمكن أن يتهم رئيس دولة وان يحاكم بتهمة جنائية اسمها الدخول في الكويت أو الحرب العراقية الإيرانية.
هذه أعمال من أعمال السيادة، حرب بين دولتين، وبالتالي هذا موضوع دولي وشأن دولي. العراق تحمل المسؤولية الدولية وقيادته تحملت المسؤولية الدولية، ولا يمكن أن يحاكم عليها جنائياً، بحكم القانون الدولي واتفاقية جنيف وفيينا. لا تجوز محاكمة رئيس دولة بقرار يتخذه يتعلق بشان خارج حدود هذه الدولة. هذا موضوع ليس سهلاً.
ـ د. محمد المطوع: في الوقت نفسه، يمكن أن تحاسبه على الأمور الداخلية.
ـ د. حسيب العبيدي: الأمور الداخلية لها قانون ينظمها. كيف يحاكم رئيس الجمهورية حسب الدستور بالقانون الجنائي العراقي؟ لنطبق عليه القانون الجنائي العراقي، فإما أن تثبت براءته وإما أن تثبت مسؤوليته.
ـ د. محمد المطوع: لو عدنا لتصريحات وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل في ما يتعلق بالتدخل الإيراني بالشأن العراقي. كمتابع للأوضاع الداخلية ومؤسس مؤتمر أهل العراق، هل هذا الكلام صحيح أم أنه مجرد ربما تخوف من هيمنة مجموعة معينة في العراق على الوضع وبالتالي ربما ينعكس هذا على الكل، خاصة موضوع التقسيمات المطروحة؟
ـ د. حسيب العبيدي: أولاً، نحن كقوى وطنية على الساحة العراقية منذ اليوم الأول للاحتلال أصدرنا بيانات عن مخاطر التدخل الإيراني في العراق، وقلنا إن الإيرانيين يتدخلون في الشأن العراقي عن طريق أصدقائهم وعن طريق المتعاونين معهم وعن طريق الأحزاب التي كانت تأخذ من الأرض الإيرانية مقراً لتواجدها.
وبالتالي هناك استحقاقات سياسية وأخلاقية على هؤلاء بسبب مدة تواجدهم في إيران، ومنظمة بدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الله وحزب الدعوة وغيرهم، كلهم كانوا متواجدين على الساحة الإيرانية وبالتأكيد لهم استحقاقات بحكم هذا التواجد. هذه قضية سياسية وأخلاقية.
الموضوع الآخر، هناك وضوح في موضوع التدخل الإيراني بسبب مشاهدتهم في كل مكان ومتابعتهم الكثير من القضايا الموجودة في العراق، بالتوافق مع الآخرين. وقد حذرنا دول الخليج العربي والجامعة العربية وتحدثنا مع أحمد بن حلي (الأمين العام المساعد) في لقاء في بغداد سنة 2003 وقال له أفراد وزعماء وشيوخ من أهالي الناصرية والبصرة والعمارة بحضورنا،
ووفد من كركوك ووفد من القوى الوطنية من بغداد: هناك تدخل إيراني مخابراتي في الناصرية وفي البصرة، واضح وسموها بأسمائها، مثل «قاف اثنين/ فجر» التابع لـ «اطلاعات»، وهذه منظمة في الناصرية وهي تحكم في المجلس المحلي وهي تفرض رأيها في النظام البلدي في البصرة بشكل واضح. فهناك تحذير من أهل الجنوب أنفسهم، كانوا يحذرون من هذا التدخل وكانوا يشتكون لنا من هذا التدخل بشكل سافر وكبير.
وظهرت عناصر وطلائع حرس الثورة الإيراني عندما اشتبكت قوات بدر مع جيش المهدي من جماعة السيد مقتدى الصدر. ظهر على العيان أن هؤلاء ضد هؤلاء. فهناك طروحات كثيرة وهناك تدخل واضح في السياسة الداخلية العراقية بشكل كبير جداً. وبالتأكيد مظاهر هذا التدخل وتأثيراتها ستنتشر إلى دول الخليج والدول العربية المجاورة، وهذا واقع.
ـ د. محمد المطوع: هل عادت إيران إلى تصدير الثورة من جديد؟
ـ د. حسيب العبيدي: ربما أنها قد فشلت في تصديرها عسكرياً سابقاً، لكن في إطار موازين القوى الآن تصدرها تحت النفوذ، نفوذها السياسي والاجتماعي. وأنا أقول لك إن الوجود والنفوذ الإيراني أخطر من الاحتلال الأميركي. الاحتلال لن يغير هوية أو يؤثر علينا بشكل كبير، فهو لا يخلق حدوداً حادة بين أبناء المجتمع بحيث نتقاطع، لكن الوجود الأجنبي الثقافي المجاور لنا، مثلاً التركي والإيراني بشكل خاص،
سيخلق حدوداً فاصلة بيننا وبين بعض أبناء مجتمعنا، بين الطوائف، وهكذا... يخلق مشكلة إثنية دينية طائفية قومية. ولذلك، هو أخطر من الاحتلال. واعتقد انه يجب أن تعي دول الخليج العربي ذلك، وأنا ضمنته في رسالة لي إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز حين كان ولياً للعهد، في شهر أكتوبر 2003 وأرسلتها بالبريد المضمون،
وأرسلت عن طريق السفارة في 2004، في رمضان الماضي، رسالة محتواها تقريراً عن الوضع العراقي بشكل كبير ودقيق، وأشرت إلى هذه المخاوف التي أدركتها السعودية الآن، ولم يردنا جواب. الآن أدركت السعودية بشكل متأخر.
ـ د. محمد المطوع: لدي سؤال آخر، في الآونة الأخيرة يقال إن بعض التنظيمات السياسية التي طلعت إلى السطح تسعى إلى أن ترجع underground تعمل تحت الأرض، تحديداً الحزب الشيوعي الذي بدأت تحصل هناك تصفيات واضحة لعناصره؟
ـ د. حسيب العبيدي: أولاً، تواجد الحزب الشيوعي في أغلب المدن الجنوبية أكبر، وبدأ يلاقي صعوبة مع التيار الديني، وفي بغداد وفي ديالى وهذه مناطق تواجده على الأكثر.
ـ د. محمد المطوع: ولم تحصل تصفيات في ما بينهم؟
ـ د. حسيب العبيدي: نعم، الكثير من كوادر الحزب الشيوعي اغتيلوا في المحافظات الجنوبية، وفي الناصرية وفي مناطق أخرى لم يستطيعوا أن يفتحوا مقراتهم بسبب المتعصبين من التيار الديني، كالمجلس الأعلى وحزب الدعوة وغيرهم. وبالتأكيد سيراجع استراتيجيته وهو مسؤول عن هذا الموضوع، هم تعرضوا لكثير من المضايقات والاغتيالات في بغداد، فجر احد مقراتهم الرئيسية في ساحة الأندلس في بغداد، مركز بغداد، ومناطق أخرى.
ـ د. محمد المطوع: الآن لو نظرنا نظرة مستقبلية، هل تتوقعون أن الدستور بصيغته الحالية سيتم التصويت لصالحه أم لا؟
ـ د. حسيب العبيدي: هناك رفض كبير وواسع له، لكني أتوقع أن يمر هذا الدستور بالاستفتاء، لسبب رئيسي واضح جداً وهو انه مع تحضيرنا لأن ندخل ونسجل في الاستفتاء في قوائم المستفتين ولنفتح مقرات المراكز الاقتراعية، بدأت حملة عسكرية شعواء على مناطقنا من تلعفر إلى القائم إلى المحمودية إلى ديالى إلى الكوت إلى بابل إلى صلاح الدين وسامراء وبيجي إلى مناطق في كركوك.
كأن الوضع كان مهيئاً لكي يزداد العنف ويزداد القصف الجوي للمناطق. قبل يوم واحد كان القصف مكثفاً بطائرات أف 15 على مدينة صغيرة جداً اسمها الضلوعية تابعة لقضاء بلد. هذا التصعيد سوف لا يسمح لنا أن نهيئ كل المواطنين المسجلين لكي يذهبوا إلى الاقتراع. هم أصلاً مشردون بالخيام في الأنبار وفي الموصل وسامراء وبيجي ومناطق أخرى.
الناس مشردون في الخيام، ولا أدري كيف يذهبون إلى الاستفتاء. إذاً هناك عملية منظمة ومقصودة لإقصائنا وإقصاء الرافضين لفكرة مرور الدستور وكأنه قد هيئ لها. لذلك سنواجه صعوبة كبيرة، واعتقد أن المشهد سيزداد عنفاً إذا مر هذا الدستور عن طريق التغييب المتعمد لكثير من قطاعات الشعب.
وقد يواجه أيضاً ردة فعل من أبناء الجنوب من القوميين العرب، فالعروبيون كلهم في الجنوب ولا يمكن إغفال هذه الكتلة السكانية. ربما ينحازون إلى عروبتهم قبل أن ينحازوا إلى أي طائفة أو أي شكل من أشكال التقسيم السياسي.
ـ د. محمد المطوع: ماذا عن السرقات ونهب ثروة الشعب العراقي وآخرها طبعاً قضية وزير الدفاع السابق حازم الشعلان؟ طبعاً، السرقات بدأت بنهب المتحف العراقي وسكت عن الموضوع وتم نهب العراق وسكت عن الموضوع؟
ـ د. حسيب العبيدي: العراق كله نهب. من أول يوم هناك نهب منظم للعراق، سواء في ثرواته أو في نفطه أو آثاره وفي تدمير بنيته التحتية. هناك خصوم لديهم ثأر مع العراق، وثأروا بهذه الطريقة السيئة. كل من له ثأر مع العراق بدأ في تفكيك البنية التحتية للعراق وفي تهديمها.
وهناك وثائق كثيرة تدين أشخاصاً بالأسماء من دول مجاورة في حرق مراكز علمية وثقافية، منها مركز الفنون والمتحف ومنها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية واللجنة الأولمبية العراقية، وهذه ليست ملك صدام حسين ولا عدي، هذه ملك الشعب العراقي وهي مؤسسات تربوية رياضية فنية. وهناك نهب مستمر لهذا البلد.
ـ د. محمد المطوع: لكن المشكلة انه يوجد عراقيون أيضاً يفعلون ذلك.
ـ د. حسيب العبيدي: بالتأكيد هناك عراقيون ساهموا في هذا الموضوع. والآن الحاكمون والسلطات الحكومية، سواء حكومة علاوي أو حكومة الجعفري، عليها فساد إداري واسع، ولا يمكن أن ينسب هذا الموضوع لعدم الدقة في التدقيق وفي الرقابة، لأن هناك عملية قصر لموضوع الرقابة واستبعاد الرقابة المالية وديوان الرقابة المالية وتعطيله،
وبالتالي لا يستطيع أن يتابع الوزارات لأنه حتى الوزارات ليست فيها كفاءات إدارية ومالية حقيقية، فقد استبعدت منها كل العناصر التي لها قدرة وحصل تطهير، دعونا نسمه تطهيراً إدارياً وفنياً وتكنوقراطياً وعرقياً. وبالتالي أصبحت هناك فوضى، عقود وهمية، إيرادات مالية من الدول المانحة، أكل ملايين الدولارات،
ووزارة المالية الآن لا تستطيع أن تدعم أي مشروع عراقي لأنها لم تعد تملك الوفرة المالية الكافية للمشاريع وتقدمها للمقاولين، لا تستطيع أن تنفذ العقود الملتزمة بها لأنها ليست لديها قدرة مالية. هي تنتظر الدول المانحة، والدول المانحة أوقفت المنح.
ـ د. محمد المطوع: وإيرادات النفط أين تذهب؟
ـ د. حسيب العبيدي: النفط أحياناً لا يشتغل بأكثر من 10% من قدرته الإنتاجية. عملية سرقة ونهب شاملة، وستكشف الأيام أنهم سيختلفون على الغنيمة إن شاء الله.
أما د. صالح المطلق فقد تناول الوضع العام في العراق موضحاً موقف «مجلس الحوار الوطني»، وذلك بعد أن بدأه د. محمد المطوع بالسؤال التالي:
ـ د. محمد المطوع: بداية، أرجو أن تعطيني صورة مختصرة عن مجلس الحوار الوطني، ما هو مجلس الحوار الوطني؟
ـ د. صالح المطلق: مجلس الحوار الوطني هو عبارة عن تجمع يضم مجموعة من الأحزاب والهيئات الدينية المهمة في العراق. بالنسبة للهيئات الدينية تمثل فيه الحركة الصوفية في العراق والحركة السلفية في العراق. وبالنسبة للأحزاب السياسية هناك مجموعة من الأحزاب، مثلاً حزب الوسط الديمقراطي وحركة الوحدة الوطنية وتجمع العشائر أو الجبهة الوطنية لعشائر العراق،
ويضم أيضاً النخب العسكرية في العراق، بمعنى القيادات العسكرية في قيادات الجيش السابق. أيضاً هناك الشخصيات القريبة للبعثيين أو البعثيين الذين تركوا الحزب قبل فترة أو الذين هم قريبون من حزب البعث. حوالي 31 حركة وتجمعاً موجودة في هذا المجلس.
المجلس هو عبارة عن قيادة سياسية لهذه الأحزاب. كل هذه الأحزاب لها خصوصياتها لكنها منطوية تحت مجلس الحوار الوطني. مجلس الحوار الوطني ليس مشروعاً طائفياً بل مشروعاً وطنياً. صحيح أن هناك هيئات دينية فيه، لكن هناك أيضاً شخصيات قومية منطوية تحته.
للمجلس قيم معينة وآثرنا أن نثبت هذه القيم في الدستور، وهي موضوع الابتعاد عن المكاسب الشخصية لهذه الأحزاب أو الأفراد في الوقت الحاضر، ونحاول أن ندفع قدر الإمكان بالشخصيات الموجودة خارج المجلس، والتي هي قريبة منه وليست من أعضائه، للمناصب المعينة.
فعندما عرضت المناصب الوزارية مثل منصب نائب رئيس الوزراء أو منصب وزير الدفاع لم نرشح أعضاء المجلس لهذه الوزارات بل تم ترشيح آخرين. ونفس الحال بالنسبة للانتخابات المقبلة، ندفع بشخصيات قريبة من المجلس قدر الإمكان، إلا في حالة الضرورة القصوى حيث نرشح احد أعضائه.
لماذا هذا الموقف؟ لأننا نمر بمرحلة، للأسف، بدأ يطغي فيها الجانب الذاتي على الموضوع السياسي إلى الحد الذي أصبح أن البلد بدأ ينتهي ويتجزأ ويتبدد على أبواب حرب أهلية، بسبب أن القيادات السياسية متنازعة في ما بينها على المصالح الذاتية ولم تجعل مصلحة البلاد هي المصلحة العليا.
بهذه المبادئ وبجرأة طرح الأمور التي تخص المجتمع العراقي مهما كانت النتائج المترتبة على هذا الطرح، استطاع مجلس الحوار الوطني حقيقة في فترة قصيرة جداً أن يكسب نسبة كبيرة من قلوب العراقيين، وبشكل لم أكن شخصياً أتوقع أن يتم بهذه السرعة.
مجتمع عرب الوسط أو العرب السنة إذا أردت، على سبيل المثال، فيهم مشكلة، الكل قيادات. مثل مزرعة البصل. ولذلك عندما استطاع المجلس أن يلم هذه المنطقة وان يكسب ثقتها به كان هذا عملاً استثنائياً كبيراً جداً. وأنا كنت أتصور أن يأخذ سنين لكي يحدث، فإذا به يصير في خلال أشهر قليلة جداً.
على المستوى الشخصي، لم أكن أحلم فعلاً أن أستطيع كسب قلوب عراقيين بالسرعة التي حدثت، واعتقد أن السبب هو المثل التي تبنيناها في هذه المرحلة والتي من خلالها عرف العراقيون أننا أناس جاؤوا يضحون وليس لمطلب شخصي، ولذلك التفوا حوالينا.
واستطاع مجلس الحوار الوطني وبدون مبالغة أن يكسب على الأقل 70% من الوسط الذي يسمى السنة، العرب السنة، باستثناء الأكراد طبعاً فالنسبة أقل، لكن في الوسط السني العربي نسبة 70% تذهب إلى مجلس الحوار الوطني، و30% تذهب إلى الحركات الإسلامية والقومية الأخرى.
ـ د. محمد المطوع: هناك قصة يجري الحديث عنها الآن، هل العراق مقبل على حرب أهلية؟ هناك بعض المؤشرات للأسف، تبدأ ربما بحوادث بسيطة لكن بعد ذلك تتوسع..
ـ د. صالح المطلق: ماذا تقصد بالحرب الأهلية؟ إذا كنت تعني بالحرب الأهلية أن يقوم عراقي بقتل عراقي، فهذه الحالة قائمة.
ـ د. محمد المطوع: لا، هي ليست مسألة عراقي يقتل عراقياً، لكنها قد تنتقل إلى جانب طائفي. التصفيات التي تجري حالياً للسنة أو للشيعة وما شابه ذلك تغذي هذا التوجه.
ـ د. صالح المطلق: إذا كنت تقصد سنة أمام شيعة، بمعنى سني يقتل شيعياً على الهوية أو شيعي يقتل سنياً على الهوية. هذا الموضوع أنا استبعد أن يصير، إلى مرحلة من المراحل سوف يبقى العراق محفوظاً في هذا الجانب.
التداخل الموجود بين الطائفتين، المصاهرة، عشائر مشتركة في المذهب، تلقى عشيرة شمر فيها شيعة وسنة، عشيرة زبيد وربيعة أيضاً، على سبيل المثال. لذلك من الصعب أن تحدث حرب أهلية على أساس هذا الموضوع. لكن الآن الحرب الأهلية قائمة بطريقة أو أخرى بين الأحزاب السياسية التي تنتمي إلى المذهب الشيعي لكن جذورها غير عربية، وبين الأحزاب أو الأشخاص من المذهب الآخر والذين عادة ما يكونون إما إسلاميين أو قوميين.
هناك تصفية ضد البعثيين من قبل الأحزاب الشيعية وهناك تصفية ضد الإسلاميين. لكن هذا الموضوع هو في إطاره السياسي وليس مؤدلجاً بحيث يتم القتل على الهوية بين مواطن عادي ومواطن عادي آخر.
ـ د. محمد المطوع: هل تعرض احد من جماعتكم للاغتيال؟
ـ د. صالح المطلق: فقدنا ثلاثة من أفضل شبابنا في المرحلة القليلة الماضية. اثنين من أعضاء لجنة الدستور الذين لديهم وزن اجتماعي وعلمي كبير جداً. قبل شهرين تقريباً. والاغتيالات يمكن أن تقول إنه يومياً هناك ما بين عشرة إلى عشرين شخصاً. ضرب بسيارات مفخخة، هوجم خمس مرات خلال أسبوع واحد من قبل أناس يرتدون العلامة الخضراء،
ومعنى ذلك أنهم ينتمون إلى هذه الحركات السياسية التي تكلمنا عنها. في أسبوع واحد خمس مرات. بالإضافة إلى الاغتيال المستمر للناس القريبين منا والذين هم جزء من قواعدنا. لكن على مستوى القيادات فقدنا أربعة خلال شهرين. لكن في تصوري أنه من الصعب أن تصل الأمور إلى أن يقتل سني من قبل شيعي أو شيعي من قبل سني، بسبب التزاوج والاندماج.
إذا حدثت حرب أهلية سوف تنتقل إلى داخل البيوت. داخل البيوت هناك من هو شيعي ومن هو سني. لذا في تصوري من الصعب حدوث ذلك. متى تحدث الحرب الأهلية؟ إذا ما طبق هذا الدستور هناك احتمال لقيام حرب أهلية.
ـ د. محمد المطوع: هل تتوقع أن يطبق الدستور بصيغته الحالية؟
ـ د. صالح المطلق: بحد أدنى من الحكمة، لا. سواء لدى من يقومون بوضعه أو لدى الأميركيين. من يريد أن يطبقه يريد أن يثير حرباً أهلية. إذا ثمة جهة لها مصلحة في حرب أهلية تصر على هذا الدستور، لأن الصراع حينئذ سيكون صراعاً قومياً وصراعاً طائفياً وفكرياً على أساس صراع مصالح.
فالثروات الطبيعية في العراق ليست مقسمة بطريقة متساوية، وموضوع المياه التي تنبع من مكان وتصب في مكان آخر. البلد غير مهيأ لأن يقسم بطريقة فيدرالية. حقيقة تقسيم البلد ليس سهلاً، عدا الموضوع الكردي الذي أخذ من العراق أرواحاً كثيرة وسفك دماء وحل عن طريق موضوع الحكم الذاتي، إلى أن جاء الأميركيون وقسموه مرة ثانية وخطوا خطوط الطول والعرض وأعطوا خصوصية للأكراد.
لمدة 12 سنة، الأكراد يعيشون في حالة خاصة بوضع خاص ولهم كيان خاص، واعتقدوا أن هذا الكيان الخاص أصبح واقع حال وأخذ طابعه القانوني. وهذا الاعتقاد خطأ. أخذ واقعاً خاصاً مؤقتاً ولكنه لم يأخذ شكله القانوني بالهيكلية الجديدة التي يطالبون بها.
اعتقدوا أن هذا الوضع الخاص القبول به أو التنازل عنه بعض الشيء هو فضل من عندهم على الدولة العراقية، وبات هذا الاعتقاد يسيطر على عقليتهم. والغلو الكردي بدأ يزداد يوماً بعد يوم إلى درجة أن هناك تجاوزات على العرب مستمرة في المناطق الكردية، من الميليشيات الكردية وليس من الأكراد. وبالمناسبة، الأكراد والعرب حقيقة لم يحصل قتال بينهم على مستوى أهلي، بل كان الاقتتال سياسيا.
لكن الآن الذي حصل أن الأكراد بعد أن شكّلوا هذه الميليشيات حاولوا أن يمدوا سلطتهم على مناطق أخرى، وأية نسبة من الكرد موجودة حاولوا أن يأخذوها. سيطروا على شرق الموصل إلى حد كبير جداً. سيطروا على كركوك، واقصد بذلك سيطروا إدارياً. لكنهم غير قادرين على أن يصمدوا في هذه المناطق لولا وجود المحتل. لولا الاحتلال الأميركي في العراق فإن 370 ألف عائلة جلبوها من جديد لا تبقى أسبوعاً واحداً في كركوك. لماذا لا تبقى؟
ليس لأن الأكراد ضعفاء والعرب أقوياء. كلا، بل لأن من يعلم أنه أخذ حقاً ليس له لن يكون لديه استعداد لأن يقاتل من أجله. 570 ألف نسمة ازدادت نفوس كركوك منذ سقوطها إلى حد الآن، وكركوك في الأساس مدينة صغيرة لا تتجاوز المليون ومئتي ألف نسمة. في هذه الفترة 570 ألف كردي دخلوا إليها، وهجر منها عرب. ما كان يلام به النظام السابق انه بدأ التعريب هناك، وما عمله الإخوان الآن هو عشرات أضعاف ما عمله النظام في 35 سنة.
الموضوع الثاني والذي هو مرعب حقيقة، أنا أعتقد أنه إذا ما طبق النظام الفيدرالي فسوف تكون هناك فيدرالية في الوسط تحكمها جهات إسلامية سنية متطرفة، وفيدرالية في الجنوب تحكم من قبل أطراف شيعية متطرفة مرتبطة بإيران، وسيكون الاقتتال آنذاك بين الأطراف السنية المتطرفة والأطراف الشيعية المتطرفة، وربما اقتتال قومي بين العرب والأكراد على موضوع كركوك والموصل والمناطق المحيطة.
هنا سيبدأ العراق حقيقة في حرب دموية كبيرة جداً، إذا حدثت، لا سمح الله، فسوف تكون هناك انهر من الدماء، ولذلك وقفتنا. قسم من الإخوان يقول إننا تطرفنا في هذا الموضوع، نعم نحن تطرفنا لخوفنا على مستقبل العراق لتنبئنا بأن هذا يمكن أن يحصل في العراق إذا ما طبق النظام الفيدرالي. هناك نفط في الجنوب وهناك ماء في الشمال.
ـ د. محمد المطوع: بعض الدراسات تقول إن بغداد أيضاً تعوم على بحيرة من النفط.
ـ د. صالح المطلق: هذا ما كنت أريد قوله. عندما نقول إن النفط الآن من الجنوب، فهذا هو النفط المكتشف، لكن هناك ثروات غير مكتشفة. في الأنبار وفي بغداد وفي سامراء، هذه المنطقة عائمة على نفط، صحيح انه من النوع الثقيل وارخص من المصادر الأخرى لكن يبدو أن النفط الثقيل مع الثورة الصناعية الحديثة بدأ يأخذ قيمة اكبر مما كان يتصور البعض بحكم إمكانية حصولنا على المشتقات النفطية من هذا النفط.
فإذاً، هناك ثروة مكتشفة الآن في منطقة معينة وهناك ثروة ستكتشف أكبر من هذه الثروة في مناطق أخرى. فاليوم هناك نزاع على ثروة هذا المكان وقد يصبح النزاع مستقبلاً على ثروة في مكان آخر. يعني يبدو أن العراق خلق كي يكون فسيفساء جميلة، والآخرون يحاولون أن يجعلوا من هذه الفسيفساء شيئاً آخر، ماذا أسميه؟ ذئاب!
ـ د. محمد المطوع: الخوف من أن تتحول الأمور إلى ما يشبه الحرب الأهلية في لبنان.
ـ د. صالح المطلق: الوضع في العراق مختلف ويحتاج إلى جهد كبير ليصل إلى هذا الحد.
ـ د. محمد المطوع: الآن النهب الذي يحصل بشكل منظم لثروات العراق وتاريخ العراق، ابتداء من المتحف مروراً بالأموال الهائلة التي أخذت بالكراتين، وأخيراً الاتهامات ضد الشعلان، أين الأحزاب السياسية والحكومة العراقية من هذه «البلاوي»؟ في نهاية المطاف، هذه من أموال الشعب العراقي وهي بالمليارات!
ـ د. صالح المطلق: العراق فيه من الثروات بحيث إن هذه الأمور تبقى شيئاً قليلاً ليس له الأثر الكبير على مستقبل العراق وعلى الطريقة التي يعيش بها العراقيون. لكن هذا الموضوع كشفهم. الشعب الآن اكتشف أن هذه الحكومات التي جاءت تستلم السلطة منذ سقوط النظام السابق هي حكومات ساقطة ولم تستطع أن تقدم لهم شيئاً في أي قطاع. ساعات انقطاع الكهرباء الآن أربعة أضعاف ما كان في الماضي، والمياه الصالحة للشرب كانت أفضل من الآن. التعليم تدهور بشكل مريع.
الزراعة هناك مشاريع عطلت بالكامل. الفلاح العادي أيضاً مشاريعه توقفت لأن سعر المستلزمات الزراعية تضاعف مرات عديدة، والفلاح كل إيراده المتوقع إما حرق أو نهب أو انقطعت عنه المياه أو لم يصر له مجال ليحصده، ومع هذا تضاعفت تكلفة المستلزمات. على مستوى الخدمات كلها لم يبق حقل من حقول التنمية إلا وتدهور. المصانع في العراق التي كانت مصانع عملاقة، متوقفة أو شبه متوقفة.
ـ د. محمد المطوع: لو تحوّلنا إلى موضوع آخر، ما مدى صحة أن السوريين يتدخلون في الشأن العراقي؟
ـ د. صالح المطلق: بل على العكس. في بداية الأمر، بعد سقوط النظام، وكنا نتوقع دعماً من سوريا، فسوريا بلد عربي وبلد مجاور، وذهبت إليهم (في سوريا) قيادات حزبية وشيوخ عشائر، وان علم بمعظم هذه التحركات.. شيوخ العشائر في العراق تقريباً معظمهم ذهبوا إلى سوريا والحركات السياسية في العراق معظمها ذهب إلى سوريا. لكن لم تقدم سوريا أي دعم، حتى وان طلب منها، خوفاً مما يحصل الآن في رأيي، وليس بخلاً، بل حتى لا يقال إن سوريا تدخلت في العراق.
ووصل الأمر إلى أننا طلبنا منهم أن يشتروا كمية من أعداد الصحف ذات الطابع الوطني لكي يساعد ذلك في إصدارها لأنها تخسر يومياً والقائمون عليها ليست لديهم الإمكانيات الكافية لتحمل هذه الخسائر، فطلبنا منهم شراء 500 أو ألف نسخة منها يومياً أو أسبوعياً، حسب وتيرة الصدور، لمساعدة الحركات الوطنية على إيصال أفكارها ومواقفها إلى الناس، ووالله حتى هذا لم يحدث!
ـ د. محمد المطوع: ربما لعجز مادي، لا يملكون المال الكافي مثلا..
ـ د. صالح المطلق: ربما، وقد يكونون خائفين، لأن سوريا مستهدفة حقيقة ولا تريد أن تعطي مبرراً يعرضها لضربة عسكرية.
لماذا هذه الهجمة على سوريا؟ والحقيقة أنها ليست ضد سوريا وحدها، وإنما كل الدول العربية المجاورة للعراق. الأردن مستهدف بطريقة غير طبيعية، وخرجت مظاهرات في العراق مطلقة شعارات من نوع: أخرجوا العرب من العراق، لا نريد العرب في العراق... الخ، وهي مظاهرات نظمها «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«حزب الدعوة». مع العلم أن الأردن، على سبيل المثال، مستهدفة مما يسمونه «الإرهاب» بقدر استهداف العراق،
فالزرقاوي يريد القيام بعمليات في الأردن مثلما يقوم بها في العراق، لأن هدفه المعلن هو إسقاط الأنظمة التي تتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، وإسقاط الولايات المتحدة. إذاً، الهدف واحد، وهو إنهاء الحس القومي العربي في العراق، فهذا جزء من المخطط الموجود الذي يسعى لإنهاء أي حس قومي عربي، لأن الحس القومي العربي يخلق نوعاً من الأمل في أن تتوحد هذه الأمة، وبما أن المخطط في الأساس لا يخلو من وجود الأيدي الصهيونية،
وهدفها هو تقسيم هذا العالم العربي كله لكي يكون أي بلد عربي مساحته اقل من مساحة إسرائيل. حتى في المساحة تريد أن تتفوق! ولذلك لو نظرت إلى الخريطة التي يراد بها تقسيم العراق ستجد أنها مقسمة بهذه الطريقة. وهذا المخطط لا يتحقق مع وجود حس عربي وحس وطني قوي، ولذلك الحس الوطني مستهدف والحس العربي مستهدف بشكل خاص، بحيث إن هناك هجمة على كل ما هو عربي أو عروبي.
وللأسف عدم تدخل الدول العربية في هذا الشأن ساعد على ذلك. العراق اليوم يتساءل: ما الذي قدمه له العرب في هذه الأزمة الكبيرة؟ وسيظل البعض يعزف على هذا الوتر من اجل خلق شرخ بين العروبي العراقي وبين العرب المجاورين.
ـ د. محمد المطوع: لكن، في هذا الإطار، هناك إشكالية. هناك خلط بين المقاومة والإرهاب، فهل هناك حركة مقاومة حقيقية في العراق؟
ـ د. صالح المطلق: هناك مقاومة عراقية حقيقية في العراق من اشرف حركات المقاومة التي وجدت في العالم.
ـ د. محمد المطوع: ما هو برنامج هذه المقاومة؟
ـ د. صالح المطلق: برنامج المقاومة هو إخراج المحتل من العراق. هذا هو برنامجها. يتساءل البعض أين البرنامج السياسي للمقاومة، ويقول آخرون إن المقاومة ليس لديها برنامج سياسي، ولكن هذا الكلام لا معنى له. هؤلاء كل ما يريدونه هو أن تكشف المقاومة نفسها عن طريق طرح برنامج سياسي وما إلى ذلك.
لكن من أذكى الأمور التي قامت بها المقاومة العراقية أنها لم تطرح برنامجاً سياسياً محدداً، وبقيت تعمل من خلال فصائل لا يعرف أي منها الآخر، وليست لها قيادات موحدة. كل مجموعة لها خطها الخاص ولها قائدها المحلي في كل منطقة من المناطق، وهناك أكثر من توجه. هدف هذه المقاومة هو إخراج المحتل.
ما حدث أن المحتل استطاع أن يجلب معه مجموعة من العملاء والجواسيس وبعض الذين يقبلون بأن يكونوا حربة في يد الأميركي ضد العراقي، وبالتالي عندما يتقدم الجندي الأميركي والدبابات الأميركية لمهاجمة منطقة من المناطق، فكيف يمكنك أن تفصل الجندي الأميركي عن هذا العراقي المتعاون مع المحتل؟
لكن للأسف توسع هذا الموضوع، من استهداف الأميركيين فقط إلى استهداف المتعاونين مع الأميركيين. ونقول للأسف، لأنه حصل خلط أحياناً وحصلت اجتهادات بدأت تطال أحياناً أناساً أبرياء، بعضها عن قصد والبعض الآخر دون قصد.
لكن المقاومة بشكل عام من النادر أن تجد مثلها في العالم كله، مقاومة بإمكانيات محدودة جداً تتحدى أميركا بكل عنفوانها وإمكانياتها، ودون أي دعم لهذه المقاومة. لكن العراق بنى خبرات تكنولوجية كبيرة، آلاف المهندسين كانوا قد أرسلوا إلى الخارج ليتعلّموا وعادوا إلى العراق، وهم يشكلون ثروة بشرية كبيرة جدا، وهذه الثروة استخدمت من قبل المقاومة، وساعدها على ذلك التعسف الشديد الذي تعرض له هؤلاء الكوادر من الأميركيين ومن الدولة الجديدة وحرمانهم حتى من لقمة العيش..
ـ د. محمد المطوع: هل هؤلاء هم من بقايا البعثيين؟
ـ د. صالح المطلق: من هم البعثيون؟ حقيقة، ثلاثة أرباع العراق بعثيون. على مستوى الكوادر والمهندسين والجيش، كلهم كانوا بعثيين..
ـ د. محمد المطوع: كانوا بعثيين بالإجبار، وليس باختيارهم.
ـ د. صالح المطلق: هناك انتهازيون، ولكن لم يكن الجميع يجبرون على ذلك.
ـ د. محمد المطوع: طيب، بنظرة مستقبلية، ماذا تتوقع للعراق؟
ـ د. صالح المطلق: أنا ما زلت متفائلاً بشأن العراق، رغم كل ما حدث ما زلت متفائلاً. نحن الآن أمامنا الأشهر الأربعة المقبلة، إذا استطاع العراقيون وإذا سنحت لهم الفرصة الحقيقية لاختيار ممثليهم ممن عاشوا في العراق وولاؤهم للعراق، وليسوا من الذين جاءوا من المعارضة التي كانت في الأساس خارج العراق،
فتأكد أن العراق سيعيد بناء نفسه بسرعة، وأن الأمور ستأخذ منحى آخر مختلفاً تماماً. لكن إذا استمر الأميركيون في ضرب المدن كما يفعلون الآن فحجبوها عن المشاركة، وإذا تركوا الميليشيات في الشمال والجنوب تتصرف كما تشاء، وأعادوا هذه المجموعة نفسها لحكم البلد، فأنا أعتقد أن العراق، في هذه الحالة، يتجه نحو الهاوية.
ـ د. محمد المطوع: في الآونة الأخيرة لوحظ أن موضوع المرأة ومشاركتها اختفى، بعد أن كان في فترة من الفترات هو العنوان الأبرز، فهل تعتقد أن الأميركيين تراجعوا عن الاهتمام بموضوع حقوق المرأة؟
ـ د. صالح المطلق: هذه عناوين استعملها الأميركيون، وهي بالنسبة لهم عناوين رنانة لمناغاة شعبهم في الداخل، على أساس أن المرأة مضطهدة وأنهم جاءوا لدعم المضطهدين. لكن الحقيقة أن المرأة لم تنصف في العالم العربي كله مثلما أنصفت في العراق في زمن النظام السابق. ففي زمن النظام السابق كانت نسبة مشاركة المرأة في الوظيفة وفي الدولة أكثر من أي بلد عربي آخر.
كانت هناك بعثيات عضوات قيادة في حزب البعث، والمرأة استلمت وزارات وأخذت دورها في الوظيفة بشكل ممتاز، ولا توجد أية مضايقة للمرأة من هذا الجانب في العراق، ولا توجد امرأة عراقية تشعر أنها مظلومة في العراق بسبب التحيز ضد المرأة، قد يكون هناك ظلم من نوع آخر. أما التحيز ضد المرأة فغير موجود في العراق، والمرأة محترمة في العراق وفي العالم العربي والإسلامي، ربما أكثر من أي مكان آخر في العالم، من حيث التعامل معها كانسان.
ـ د. محمد المطوع: الحقيقة، أنا لست مقتنعاً بهذا الكلام. بالنسبة للوظيفة كلامك صحيح، ولكن هذا ربما فقط بسبب الحاجة الاقتصادية البحتة. على أي حال هذا موضوع يطول، لكن ماذا عن التصفيات التي تحث الآن؟ أنت ذكرت أنكم في «مجلس الحوار الوطني العراقي» تعرض بعض كوادركم للتصفية، وكذلك بعض القوى السياسية الأخرى، كالحزب الشيوعي والبعثيين والقوميين ..الخ، ألا يمثل هذا عودة إلى نفي الآخر؟ قصة هذه التصفيات مؤشر خطير جدا.
ـ د. صالح المطلق: طبعاً خطير، لأننا منذ يوم استلام الإخوان الحاليين للسلطة نصحناهم بأنهم إذا بدأوا بالثأر فسيجدون من يثأر منهم، ولن ينتهي هذا المسلسل. نحن نحتاج إلى من يتناسى أحقاد الماضي بقدر الإمكان ويبدؤون حياة جديدة ويفتحون قلوبهم للجميع ويحتوون الجميع. ونحن، كحزب، اجتمعنا مع جلال الطالباني فقال لنا «يجب أن نجتث البعث من جذوره». فسألته لماذا؟ دعنا نطرح هذا الموضوع من منظور مصلحتك أنت كحزب سياسي. لنقل،
مثلاً، إن هناك مليوني حزبي من أعضاء البعث، فهؤلاء مع أسرهم وعائلاتهم يشكلون أكثر من عشرة ملايين شخص في العراق، فما هي المصلحة في أن تخلق لك عشرة ملايين عدو في مواجهتك؟ هؤلاء يمكنك أن تستوعبهم جميعاً، والبعث حصلت فيه ردة كبيرة على ما حصل، ردة فكرية حول هذا الحزب وأين أوصلنا؟ وقيادته إلى أين وصلت بنا؟ فأنت بهذه الطريقة تدفعهم لإعادة تنظيم أنفسهم من جديد، لأنهم مضطرون للدفاع عن حياتهم، وعن مستقبلهم وكرامتهم.
لكنهم ظلوا يحاصرون البعثيين ويلاحقونهم بالاغتيالات، وخاصة الكوادر العلمية الكبيرة واحداً بعد الآخر، إلى أن وجد البعثيون أنهم يتعرضون للتصفية والإقصاء، فبدأوا يعيدون تنظيم صفوفهم للقيام بهجمة مضادة. وهكذا بدأوا يقتلون من الآخرين، ومعظمهم على صلة بالأجهزة الأمنية ويعرفون أكثر مما يعرف أولئك القادمون من الخارج. وإذا استمر هذا المسلسل وكل طرف يحاول تصفية الآخر فسينتهي البلد.
لذلك نحن طالبنا أكثر من مرة بالمصالحة الوطنية ودعونا إلى جلسة مصالحة بين الطرفين، وهناك قسم مثل «حزب الدعوة» يقبل المصالحة الوطنية ويريدها، لكن بالنسبة إلى «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» فإنهم يقولون: مع من أتصالح؟ مع من قتلني، مع من ذبحني، مع الجلاد ...الخ. ومثل هذه المصطلحات والعبارات الفجة لن توصلنا إلى حل. بوجود هذه العقليات لا يمكن بناء وطن.