الدكتورة هدى جمال عبدالناصر، وُصفت إعلامياً بأنها «بنت أبوها»، فقد كانت الأقرب إليه، عملت معه وحملت بعد رحيله مسؤولية توثيق تاريخ ثورة 23 يوليو 1952، في لحظة انتابها الإحساس بخيبة الأمل.

وأن كل ما أنجزه عبدالناصر ضاع هدراً فحملة الهجوم عليه وعلى الثورة كانت شرسة، وعندما رأت الانتفاضة تندلع في فلسطين في يوم 28 سبتمبر عام 2000، ورأت الفلسطينيين يحملون صوره أيقنت أن ما أنجزه عبدالناصر لم يضع هدراً، وأن الحملة المنظمة التي أنفقت عليها مبالغ كبيرة لم تنل منه.

وأتت بنتائج عكسية، فقالت لنفسها: والدي لم يمنحه الله فرصة الرد على الهجوم، وسأجعل صوته مسموعاً، وكلمته مسموعة وتاريخ ثورته موثقاً، وبدأت رحلة التوثيق، وأنشأت موقعاً على شبكة المعلومات الدولية ليستطيع الشباب الذين لم يروه ولم يسمعوا صوته أن يصلوا إليه.

وبعد سنوات الهزائم والانكسارات التي تعيشها مصر وأمتنا العربية الآن تقول هدى: يسألني كثيرون لو كان جمال عبدالناصر موجوداً ماذا كان سيفعل؟

وعندما ذهبت إليها في ذكرى مرور 35 عاماً على الرحيل سألتها أيضاً السؤال نفسه.. لمناسبة الذكرى هذه التي صادفت أمس، فأجابت: «لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال، لأن لو كان عبدالناصر موجوداً لم يكن ما حدث قد حدث، ولا غزو العراق قد حدث، ولا المقاومة في العراق بلا سند، حتى لو عبدالناصر غير موجود ووجد تياراً قومياً قوياً ما كان ما حدث قد حدث».

ـ كل شيء عادة يا دكتورة إلى ما كان قبل الثورة، الأرض عادت للإقطاعيين وورثتهم، والتعليم المجاني لم يعد، والمصانع يتم بيعها، ربما عدنا الآن إلى أيام قبل الثورة.

ـ موضوع الأرض التي سلبت فيه مشكلات، وتوجد سبل قانونية لاسترجاع الأرض والناس لن تسكت، والمصانع التي تباع والعمال الذين عانوا البطالة بعد أن أسكتوهم بالفلوس، وأدركوا أن الفلوس غير كافية، وأن مكتسباتهم تُسلب وأن الاستمرار في السلب مستحيل.

حملة انتخابات الرئاسة كانت قائمة على موضوع البطالةوهذا يدل على أن الناس وعت وتريد تحقيق مطالبها، معروف الآن أن مبارك رجع للرئاسة بشروط معينة، ووعود معينة وأن الناس لن تسكت إذا لم تتحقق هذه الشروط .

وهذه الوعود، الناس تخرج الآن إلى الشوارع، وفي الجامعات فلاحظي معي أن الانتخابات والحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية كلها تمت في وقت الإجازات، ولا يحدث في أي دولة في العالم أن تدار حملة انتخابية وتجرى انتخابات والناس في إجازات الصيف وقبل دخول الجامعات.

ـ ما رأيك في ما يراه البعض من أن الرئيس مبارك لن يستمر (6) سنوات وأنه يجهز ابنه للتوريث في ضوء التعديل الذي تم على أساسه الانتخابي.

ـ لا لا، مبدأ التوريث مرفوض، مرفوض من المصريين كلهم، مبدأ التوريث مرفوض منذ أن انتهت عائلة محمد علي، وإلا معنى هذا أن البلد محتاجة إلى ثورة جديدة.

ـ حتى إذا تم التوريث في شكل انتخاب ألا يعني أنه توريث مقنع بالانتخاب؟

ـ حالة الرفض ستجعل هذا غير ممكن، والناس لن تقبل هذا.

ـ دكتورة هدى بالمناسبة أولاد عبد الناصر أين هم وماذا حدث لهم؟

ـ من حقنا ألا يكون لنا شأن بالسياسة من حقنا أن نبعد ونعيش حياتنا في هدوء، لأننا لم نر في السياسة إلا المشكلات.

ـ أي مشكلات وماذا فعلت فيكم ؟

ـ كيف تقولين أي مشكلات ونحن منذ 35 عاماً يتعرض والدنا كل يوم للهجوم، لا تتخيلي تأثير كل مقال يكتب ضده فينا وكل هذا أبعدنا عن السياسة.

ـ هل هذا ما أبعدكم أم أنكم أصلاً غير مسيّسين؟

ـ ليست حكاية تسييس أو غير تسييس فأنا، أحب أن أشارك من خلال مهنتي كأستاذ في الجامعة، لي حق الاختيار، مثلي مثل غيري، وأتساءل لماذا مصر أسيرة الأسر منذ الفراعنة، لماذا لا يكون لنا حق الاختيار مثلنا مثل غيرنا.

ـ كيف يشعر أبناء رئيس الجمهورية بالناس..؟ وما هي تجربتكم في ذلك؟

ـ أولاد رئيس الجمهورية عادة ما يكونون معزولين ولا يختلطون بالناس، فكيف سيشعرون بالناس كنا كذلك، رغم أن والدي عمل المستحيل، كنا لا نركب طائرات ونحن ننتقل من مكان إلى مكان، وكنا في مدارس مجانية، ودخلنا جامعة القاهرة، وعندما التحقنا بالعمل كان والدي توفي ورغم هذا كله كنا محميين.

ورغم أننا كان لنا أصدقاء عاديين وأصدقاء فقراء، إلا أنني أعترف بأن النشأة كانت مرفهة، فبيت رئيس الجمهورية ليس كبيوت الآخرين والسيارات التي نركبها ليست مثل الآخرين طبعاً يمكن أن يختار الإنسان طريقه فكرياً ونحن اخترنا فكرياً ومؤمنين بطريق والدي واختلطنا في الإطار الذي أتيح لنا.

ـ وكيف عرفت زوجك والأمن يحيط بك؟

ـ «غصب» عنهم.

ـ إذن كيف عرف والدك أنك وزوجك تريدان الارتباط؟

ـ أنا قلت لوالدي ووافق.

ـ هل كان لوالدك شروط في الارتباط بالنسبة لك ولأخواتك كما قيل أنه اشترط ألا يكون الطرف الآخر ابن أو ابنة إقطاعي أو ممن أممتهم الثورة مثلا؟

ـ والدي لم يضع شروطاً ولكن هؤلاء كان أولادهم معنا في الجامعة، ولم تكن لنا علاقة بشخص لأنه ابن فلان وكانوا موجودين مثلهم مثل غيرهم، ولم أشعر تجاههم لا بعداء ولا بوُدّ.

ـ التقيت بالزعيمين الإفريقي نيلسون مانديلا والجزائري أحمد بن بيلا في إطار رحلة الوثائق عن دور جمال عبدالناصر في مناصرة حركات التحرر الوطني، فهل هناك جديد في ذلك؟

ـ لم يكن للقاءات علاقة بالوثائق ولكن مانديلا حكى لي كيف تأثر بوالدي وكيف منحه تأميم القناة أملاً كبيراً وكل ما توصلت إليه في رحلة الوثائق التي جمعتها الهيئات البريطانية والأميركية موجودة على الموقع على الانترنت.

ـ ما أكثر ما أثار دهشتك في رحلة الوثائق؟

ـ اندهشت للغاية من الخطابات المتبادلة بين والدي وجدي أثناء حرب فلسطين، كانت مدهشة بالنسبة لي، العلاقة بينهما كانت جميلة، يقول والدي لجدي: «أقبل أياديك الكريمة»، وسوف أنشر على الموقع قريباً سجلات الزيارات الخاصة بوالدي، أنا قرأت كل كلمة قالها، راجعت كل كلمة قالها وأنا أترجمها الآن وسوف أنشرها مترجمة بالإنجليزية، وهي 8900 صفحة وهذا إنجاز مهم.

ـ حدثيني عن علاقتكم بوالدتك خاصة قبل رحيلها؟

ـ كانت والدتي تذهب إلى سيدنا الحسين عندما يضيق بها الحال من شدة الهجوم على والدي، وكان الناس يعرفونها وكان هذا يرفع من روحها المعنوية، كنا كلنا نزورها كل يوم، وفي فترات كثيرة كان أخوتي معها، هي عاشت 20 عاماً بعد والدي، كنا معها كل يوم.

ـ ألم تندمي على تسليم بيت عبدالناصر؟

ـ لا لأننا عملنا ما كان يجب عمله، يوجد قانون بتحويل البيت لمتحف، اختصرنا الوقت بعد وفاة والدتي حتى يتحول لمتحف وسلمناه على هذا الأساس واستلمه مني رئيس الديوان بخطاب وأخذنا معظم الأشياء وموجودة الآن عندي وعند أخوتي.

وليس موجوداً فيه إلا ما هو ملك الرئاسة، ولم يتحول لمتحف حتى الآن وحاولنا ووجدنا إعراضاً عن الموضوع وعندما يتحول لمتحف سنرد كل الأشياء الموجودة لدينا.

القاهرة ـ نورالهدى زكي: