يقف العراق اليوم على مفترق طرق في تاريخه السياسي. فهذا البلد الذي عانى عقودا من عدم الاستقرار، وعاش ظروفا مأساوية لأكثر من عقدين من الزمن، يواجه حاليا واقعا مأزوما يتمثل في وجود الاحتلال وانهيار مؤسسات الدولة وتدهور الأوضاع الأمنية واحتدام العنف وانتشار الميليشيات والمجموعات المسلحة، بالإضافة إلى محاولات لتكريس شكل من إشكال الاستقلالية السياسية والاقتصادية لبعض مناطقه وأقاليمه الجغرافية.

ومع بدء العد العكسي لإقرار الدستور العراقي بتسلم الأمم المتحدة الصيغة النهائية المعدلة لمسودة الدستور تمهيدا لعرضها على الاستفتاء في 15 أكتوبر المقبل، يقف العراق اليوم على أبواب لحظة مصيرية قد تحدد مستقبله لأمد غير معلوم، لاسيما في ظل الجدل الدائر حاليا حول هوية العراق والنظام الفيدرالي وتوزيع الثروات وغيرها من الأمور التي لاتزال محل نقاش وخلاف.

وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» عقدت ندوة حول «واقع العراق وآفاقه المستقبلية»، ناقشت أهم العوامل المؤثرة في الواقع السياسي العراقي وما تتعرض له سيادة العراق ووحدته المجتمعية والجغرافية، والتداعيات الإقليمية لما سيؤول إليه الوضع السياسي في العراق، والتحديات الاقتصادية التي تواجهه على صعيد إعادة الإعمار وإلغاء الديون والسيناريو المستقبلي لقطاعه النفطي،

كما ناقشت الأوضاع الاجتماعية لمواطنيه في ظل التدهور الكبير للخدمات والأوضاع المعيشية اليومية واختلال نسيج المجتمع وتزايد المخاوف من تفاقم المشكلة الطائفية والعرقية في العراق. أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع رئيس وحدة الدراسات وبدأها بكلمة قال فيها:

أتوجه بالشكر لتلبيتكم دعوة وحدة الدراسات في «البيان» للمشاركة في هذه الندوة والتي اعتبرها من أهم ندوات وحدة الدراسات، لكونها تتعلق بأوضاع العراق ومستقبله. ومستقبل العراق يعني مستقبل المنطقة ككل. فالأمر قد يبدأ بالعراق ثم يلي ذلك تطبيق ما خطط له بشأن العراق على جميع الأقطار العربية دون استثناء.

والحديث عن مستقبل العراق في ظل المعطيات القائمة يتداخل فيه الكثير من العوامل، لعل أهمها العامل الداخلي. وكما نلاحظ، العامل الداخلي يعيش حاليا في مرحلة غليان سياسي واجتماعي واقتصادي. سنحاول في هذه الندوة من خلال مشاركتكم معنا أن نتنبأ بمستقبل العراق. قد نصيب أو نخطئ،

ولكن ما يهمنا حقيقة هو أن يستقر الإنسان العراقي ويعيش بسلام، بغض النظر عن ديانته أو قوميته أو اتجاهاته. كذلك أن يعود العراق، عراق الخير، عراق الإنسان المطمئن، العراق المعطاء، عراق الحضارة والتقدم العلمي والتقني، العراق الذي تعيش فيه كل القوميات والديانات بسلام مع بعضها البعض. والخشية والخوف لدى الجميع من أن يحدث شيء ما لا نريده لعراقنا الحبيب.

إن أهم البنود الرئيسية المطروحة في الندوة تتناول هذه المخاوف، وقد حاولنا أن نركز على ثلاثة محاور رئيسية. هناك أولا المحور السياسي وعليه حديث كثير، ثم المحور الاقتصادي وأخيرا الاجتماعي، على أن نعطي في النهاية نظرة شمولية للمحاور الثلاثة معا.

نبدأ بالمحور السياسي، وبين أيديكم بعض القضايا التي يمكن مناقشتها، منها مسودة الدستور والسيناريو السياسي لمستقبل العراق، ثم هناك تأثير الأوضاع السياسية على دول الجوار، أي تداعيات ما يحدث في العراق سياسيا على دول المنطقة. مثلا في ما يتعلق بالدستور، ما هي الايجابيات والسلبيات لو تم رفضه وما انعكاسات ذلك؟

وأنا ابحث في الموضوع وجدت أن مجموعة من القانونيين عقدوا ندوة حول الدستور في مركز دراسات الوحدة العربية ووضعوا مقترحا وناقشوه، وفي النهاية خرجوا بمشروع دستور لجمهورية العراق ما بعد التحرير. وهذا تصور وضعته مجموعة من القانونيين. ويقال إن الدستور بحد ذاته خلق مشكلة لعدة اعتبارات. إذ يرى البعض أن ديباجة الدستور فيها خطورة كبيرة، وهذه وجهة نظر. أنتم كمهتمين بالشأن العراقي وكأكاديميين أو سياسيين أو كخريجين من العراق سابقا، ما رأيكم بالموضوع؟

* مخاوف أساسية

* د. علي الشعيبي: أتصور أن القصة لا تتعلق بقضية الدستور بقدر ما تتعلق بمستقبل العراق بشكل عام. هل الموضوع الذي يدور حاليا هو حول قضية الدستور، أم أن تصوراتنا كمهتمين بالشأن العراقي تذهب أبعد من الدستور وهي أكثر أهمية من قضية الدستور نفسه؟ القضية الآن هي مستقبل العراق، ماهية هذا العراق القادم؟

هل هو العراق المقسّم أم الموحّد؟ أيضا ما هي ارتباطات هذا العراق القادم بدول المنطقة؟ وكل دول الجوار معنية بهذا القوس المسمى «القوس الشيعي»، ثم هناك الموضوع السوري والسعودي والكويتي. كل هذه الأمور أكثر إلحاحا من قضية الدستور.

* د. محمد المطوع: اسمح لي، الدستور سوف يكون الوثيقة أو العقد الاجتماعي الذي يحدد مستقبل العراق، بمقدوره أن يفتت العراق أو أن يوحده. في ما بعد إذا أقرّ الدستور ستكون المرجعية الرئيسية له.

* د. علي الشعيبي: هذا في ما يتعلق بعراق الداخل. أنا مخاوفي الأساسية هي كيف ينظر إلى العراق من الخارج، خاصة من قبل دول الجوار؟ الآن تسمعون التصريحات الأخيرة في ما يتعلق بالتدخل السوري وبالخوف السعودي وبالشأن الإيراني. وهذه مواضيع ملحة جدا وأكثر أهمية في اعتقادي، وهي تتعلق بعراق الخارج. الدستور قد يكون مهما جدا مثلما تفضلت فيما يتعلق بعراق الداخل.

* د. أحمد الكبيسي: لكي نتحدث عن الدستور، ينبغي عندما يقر الدستور أن يكون قابلا للبقاء من حيث أنه دستور انتخبته العامة وارتضاه الشعب. وليس سرا ولا خافيا أن الذين وضعوا «قانون إدارة الدولة» الذي هو أساس هذا الدستور هم الأميركيون، وهذا أمر معروف. ثم مما لا شك فيه أن هذا الدستور في ظل الاحتلال لا يمكن احترامه ولا يمكن أن يكون باقيا.

كذلك، إن اقل مدة في تاريخ الدساتير في العالم استغرقتها صياغة الدستور هي خمس سنوات، وهذا كان في جنوب إفريقيا في وضع مستقل ومستقر، والأمة هي التي وضعته. خمس سنوات على الأقل. وبالتالي، ما حدث في العراق ليس قانونيا. وكما حدث في فيتنام،

أجرت أميركا انتخابات وبعد الاحتلال وضعت دستورا، إلا أن هذا الدستور القي في مزبلة التاريخ بعد خروج الأميركيين. إذا ما هو هذا الدستور؟ هذا دستور ساقط لا محالة حتى لو تم إقراره أو تمريره. لا يمكن لبلد أن يستقيم على دستور وضع في ظل الاحتلال.

ثانيا، أنا من خلال قراءاتي عن أميركا ومتابعتي لما تكتبه الصحف الأميركية، أجد أن معظم هذه الصحف تصف الدستور بأنه عمل فاشل ولا يمكن أن يستمر أو يبقى. إذاً هذا الدستور فيما لو اقرّ ربما في مرحلة لاحقة بعد خروج الاحتلال يمكن التحدث عنه. ثم هو دستور ليس لأحد الآن سلطة على وضعه إلا سلطة الاحتلال. اتفقوا على مواد ثم عندما كتبت المسودة ورفعت كما هو متفق عليه، وضعوا عليها مواد أخرى. إذاً، في وضع كهذا، ماذا يقال في هذا الدستور؟

وأنا أرى الوضع العراقي العام، أتساءل ما هذا الذي خرج به علينا الشعب العراقي في هذا الوجه القبيح وما كان احد منا يظن أن العراقيين سيخرجون في ظل المحتل منقسمين ومتخاصمين إلى هذا الحد؟! ولدينا تجربة سابقة مع المحتل الانجليزي كيف كان الشعب موحدا. ونحن نعلم أن حضانة الأخلاق أربعون عاما. إذا كانت حضانة الأطفال سبع سنين، فالأخلاق تتغير كل أربعين عاما وفقا لما تريده سلطة التغيير.

لقد عشنا خمسين سنة في ظل هذه الجمهورية، بدأت بالشيوعيين ثم القوميين ثم البعثيين ومن ثم الاحتلال الآن، ولا اعتقد أن أيا من هذه العهود يعبر عن واقع الشعب العراقي ونفسيته وتاريخه ومستقبله. خمسون عاما مرت وما كنت أظن أن الشعب العراقي تغير إلى هذا الحد. لكن يبدو أن الأوضاع التي مررنا بها خلال الخمسين سنة الماضية تدفع إلى ما نحن عليه.

لذلك، هذا قطعا وضع مؤقت بدليل أن الأكثرية الساحقة من العراقيين أصحاب الرأي، سواء كانوا من شيوخ العشائر أو من العقلاء الذين ينتمون إلى العراق أولا، هؤلاء لم يدخلوا الميدان حتى الساعة. الوجوه التي تتصدر الآن لها اعتبارات وتوجهات خاصة، وهي منفعلة بالماضي والظلم الذي عانيناه في العراق، وهذا شيء طبيعي. الشعب الذي يمر بمثل ما مررنا به لخمسين عاما لا بد أن يتحسس بعضه بعضا.

لكننا في هذه الأوضاع المتأرجحة التي لا يملك فيها أي عراقي أمره في العراق، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا عضو الجمعية الوطنية، وأنتم تعلمون ماذا حدث عندما كان بريمر يحكم العراق، اعتقد أننا نبحث في دستور ميت لا محالة حتى لو أقرّ.

تخيلوا ما سيحدث إن خرج الاحتلال! هل يبقى هذا الدستور حتى لو أقرّ اليوم؟ لا أعتقد. هذا الدستور لا يمثل العراق قطعا إنما يمثل مرحلة نفسية قد يكون لأهلها بعض الحق إلى الأجل القريب. لكن بعد عشرين عاما لن يكون العراق على هذا الوجه الذي هو عليه اليوم.

* مسألة الدستور

* د. محمد جواد: في البدء أشكر صحيفة «البيان» على هذه الدعوة. ما استطيع أن أقوله في هذه المسألة، على الرغم من أنني امتنع عن الحديث عن العراق منذ مدة وعلى وجه الخصوص في المسألة السياسية الداخلية باعتبار أن التفرقة الطائفية والقومية الآن بدأت تتعمق داخل المجتمع العراقي. لهذا السبب استعين اليوم بالمقولة التالية «إذا تحدثت فلا تخف وإذا خفت فلا تتحدث». أنا اليوم قد أكون مصانا ومحميا في جريدة «البيان» فسأتحدث بدون خوف عن هذه المسألة.

مسألة الدستور في العراق. هذا الدستور خلق ميتا والذين وضعوه يعرفون هذه المسألة الأساسية، وهي أن هذا الدستور لن يطبّق في العراق لأنه أساسا بني على أساس طائفي قومي عرقي وليس على أساس وطني، لبلد اسمه العراق. هذه مسألة مهمة جدا.

إضافة إلى ذلك، هناك ثغرات كبيرة جدا في هذا الدستور. وهي ليست نقاطا بسيطة كهوية العراق أو مسألة حزب البعث أو مستقبل العلاقة مع حزب البعث، بل نقاط أبعد وهي محاولة ليست لفدرالية العراق وإنما لكنفدرالية العراق، أي تأسيس جمهوريات داخل العراق تجمعها كنفدرالية وليس فدرالية. أبسط مثال على ذلك، مسألة انتقال العمالة بين إقليم وإقليم إذا ما تشكلت هذه الفدرالية. هذه المسألة لا تنظم إلا من خلال العلاقات بين الأقاليم.

أيضا مسألة مستقبل الثروات الطبيعية مثل المياه. مياه دجلة والفرات تحت السيطرة المركزية وما دونها تحت سيطرة الأقاليم، معنى ذلك انه في يوم من الأيام، إذا ما أراد إقليم كردستان أو الإقليم الجنوبي أن يقيم سدا أو مشروعا مائيا لا يأخذ موافقة المركز. هناك أيضا نقطة مهمة جدا هي التمثيل داخل السفارات، فكل إقليم من الأقاليم يحق له أن يقيم دائرة داخل السفارة. إذا أقمنا 4 أو 5 أقاليم يعني 4 أو 5 سفارات داخل السفارة الواحدة، ماذا سيكون دور السفير حينها؟

هناك أيضا بالنسبة للثروات الطبيعية، النفط المستخرج الآن تستعمله الحكومة المركزية ويكون بالاتفاق مع الفدرالية الموجودة داخل الإقليم، إلا أنه مستقبلا سيكون من حصة الإقليم المقام مئة بالمئة. كيف سيكون عندها توزيع هذه الثروات؟ وهناك الكثير من النقاط، على سبيل المثال، النقطة الثالثة من الدستور المطروح تقول «العراق بلد متعدد القوميات والأديان». وهذه مسألة مهمة جدا، بمعنى أن العراق بلد غير محدد الهوية. ما هي هويته؟ هل هي عربية، كردية، أوروبية أم فارسية؟ غير محددة.

وفي الجزء الثاني، يشير الدستور إلى أن «العراق جزء من العالم الإسلامي»، وهذا أمر مفهوم. لكن كيف وضعت هذه النقطة في الدستور؟ لقد وضعت بطرح أساسي ومهم باعتبار أن الأغلبية في العراق هي إسلامية، وهناك أقليات في العراق، أقليات مسيحية ويزيدية لم تذكر. ثم يقول الدستور إن «الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية»! يعني ذلك أن الشعب العراقي، أي الشعب العربي الذي يمثل الأغلبية في العراق هو جزء من كل الوطن العربي.

لاحظوا التناقض والازدواجية في المعايير. في الأول استعملنا المعيار الأكبر الذي هو الإسلام. في الثاني المعيار الأكبر حذفناه ثم استخدمنا المعيار الأصغر. إذا هناك ازدواجية، لماذا لم نعتمد المعيار الأكبر في النقطة الثانية باعتبار أن العرب يشكلون بحدود 82-84% من الشعب العراقي؟ أنا أفضل أن أقول إن هذا الدستور هو دستور العرب والكرد، وليس دستور العراق.

لاحظوا المسألة الطائفية «الاحتفال في كل الأعياد مع المناسبات الحسينية»، لماذا؟ الم تكن المناسبات الحسينية احتفالات دينية؟ لما لا نكتفي بذكر الاحتفالات الدينية؟ لماذا التأكيد على المسألة الطائفية؟ لماذا نستعمل العربية والكردية كلغتين أساسيتين رسميتين للبلد؟ اللغة الرسمية المطلوب أن تكون العربية لأن الأغلبية هي عربية. لاحظوا التناقضات.

إذا هذا الدستور لن يكتب له النور. والدستور ليس مجرد كتابة حبر على ورق. كيف يمكن نقل هذا الدستور إلى حيز التطبيق؟ هل سيطبق؟ لا اعتقد. وإذا وضع من قبل مجموعة من الخبراء الأميركيين أو ممن يحملون الجنسية الأميركية، وفرض على اللجان الدستورية التي جلست في لجنة صياغة الدستور، لا اعتقد انه سيكتب له التطبيق. الأمر ليس الموافقة على الدستور يوم 15/10/2005، فالموافقة ستمر وأنا واثق من هذه المسألة، إن كان ذلك بالتزوير أو بالمنع كما يحدث الآن في تسجيل الأسماء.

لكن هل العراق سيستقر بعد إقرار هذا الدستور؟ وهل سيطبق هذا الدستور؟ وهنا المسألة الأساسية التي نبحث عنها. وأنا اعتقد أن الدستور لن يكتب له النور داخل العراق، كما اعتقد أن تقسيم العراق على هذا المنوال، على أساس هلال شيعي وسني وكردي، ليس صحيحا.

إن أكثر من 40% أو 50% من أبناء الجنوب هم من السنة، إن كان في البصرة أو في الناصرية وحتى في النجف وكربلاء، وهم عوائل متزاوجة ومتداخلة سنية وشيعية. وحتى في بغداد هناك حوالي نصف مليون كردي، كيف سيتم التعامل معهم؟ هل سيرحلون إلى إقليم كردستان؟ العراق شعب متداخل متزاوج اجتماعيا وسياسيا والكل متوافق.

وهذه مسألة أساسية جدا. حتى أنا شخصيا، عائلتي متزاوجة إن كان من السنة أو الشيعة أو الأكراد. داخل عائلتي نفسها تجد السني والشيعي والكردي، فكيف التمييز في هذه الحالة؟ فإذاً هذه المسألة لن يكتب لها النور أبدا داخل المجتمع العراقي، وسوف لن يكتب لهذا الدستور النجاح إذا ما بقي على هذا المنوال.

* مخطط تفكيكي

* د. محمد عاكف جمال: شكرا لجريدة «البيان» على إتاحة هذه الفرصة لنا. بالإضافة إلى ما تفضل به السادة أحب أن أضع الأمر في إطاره الأكبر. العراق الآن بلد محتل، والدستور سيكتب بطريقة تحقق أهداف المحتل. المحتل يدرس إقامة منطقة شرق أوسطية كبيرة، وهي ليست منطقة الشرق الأوسط الجغرافية التي تقع على مسافة معينة من خط أو مدينة غرينتش، وإنما الشرق الأوسط الكبير الذي كان يضم 18 دولة، وأصبح اليوم منطقة من 26 دولة بعد أن تم ضم أفغانستان وباكستان وطبعا إسرائيل.

هذا الدستور الغرض منه خلق دولة مفككة ضعيفة. ربما هذا ما يريده الاحتلال من مشروع الشرق الأوسط. كثير من مواد هذا الدستور، خاصة فيما يتعلق بصلاحيات الأقاليم والمحافظات، يضيع سلطة الحكومة الاتحادية. ما هي صلاحيات الحكومة الاتحادية؟ حتى القضايا الأمنية ليست من اختصاص الحكومة الاتحادية. الحكومة الاتحادية من اختصاصها فقط قضايا الدفاع عن الوطن، أما القضايا الداخلية الأمنية فهي من اختصاص المحافظات.

ما يساعد على الأسلوب التفكيكي الذي ورد في الدستور هو الطبيعة غير المدنية في الدستور في وضع مثل وضع العراق، حيث أن هناك طوائف كثيرة تساعد على زيادة الاحتقان الطائفي. إذا رجعنا إلى الدساتير القديمة مثل دستور الدولة العراقية الأولى عام 1925 فقد كانت هناك إشارة بسيطة فقط إلى أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، حتى لم يذكر أن الإسلام مصدر من مصادر التشريع.

الآن من باب المبادئ الأساسية، توجد في المادة 2 أربع فقرات كلها متناقضة مع بعضها البعض. الشيء الذي يؤاخذ عليه في كتابة الدستور، أن العراق في كل تاريخه كان تحت دستور، سواء كان دستورا مؤقتا أو دائما، وفرق المؤقت عن الدائم انه لا توجد جهة منتخبة شرعيا تصادق عليه. الدستور كتب بطريقة في ظل ظروف سياسية أفرزت جمعية وطنية لا تعبر عن واقع الشعب العراقي. هذه الجمعية الوطنية في تقدير الكثيرين ليست مؤهلة لكتابة الدستور.

لأذكر لكم حادثا بسيطا: يوم 7 سبتمبر 2005، قبل أيام قليلة، نشرت جريدة الصباح العراقية تصريحا للدكتور حسين شهرستاني، نائب رئيس الجمعية، قال فيه: «أريد من العالم أن يطلع على وضع الجمعية الوطنية العراقية التي نؤمن بها، حدث ذلك أثناء تعليق الجلسة الثالثة والستين لان عدد الحضور كان قليلا جدا وعدد الغائبين 205 من مجموع 275». فنائب رئيس الجمعية الوطنية وضع هو بنفسه علامة استفهام على جدارة هذه الجمعية الوطنية في تقرير مستقبل العراق.

الدستور مر بمراحل. في المرحلة الأولى، ما خرجت به الجمعية الوطنية كان مكونا من حوالي 12 صفحة تتسم بالطبيعة الطائفية البحتة، وهناك ذكر للقومية الفارسية ولأمور كثيرة. وهذا يعبر عن مستوى الجمعية الوطنية. عندما أحيل هذا الدستور إلى قادة الكتل السياسية، خرج بصيغة اكبر، لكن رغما عن ذلك حذف منه الكثير من النواقص الموجودة في الصيغة الأولى.

الصيغة الثانية جاءت بشكل أفضل أرضى بعض فصائل الشعب العراقي، إلا أنها لم تصل إلى حد التوافق. التعامل مع هذا الدستور بأسلوب سلبي ورفضه نهائيا لا اعتقد انه يخدم العراق في الوقت الحاضر، تماما مثلما كانت مقاطعة الانتخابات خطأ، لأن مقاطعة الانتخابات هي التي أتت بهذا الدستور. فأنا أرجو من أستاذنا الكبير الشيخ أحمد الكبيسي أن لا يرفضه كلية، وإنما أن يناقشه بروح ايجابية.

* قراءة للتاريخ

* فوّاز الصديد: تعقيبا على كلام الأستاذ عاكف، ذكر أولا أن الجمعية لا تمثل الشعب العراقي وثانيا أنها غير مؤهلة. بالنسبة لكونها لا تمثل الشعب العراقي، أنا اعتقد أن الجمعية الوطنية جاءت بالانتخابات وأن الحكومة الموجودة، حسب الأرقام وحسب الأحداث التي مرت في العراق، منتخبة من 8 ملايين ونصف عراقي. فالجمعية الوطنية الموجودة تمثل جزءا كبيرا من الشعب العراقي.

موضوع مقاطعة الانتخابات، أنا من الذين دعوا إلى تأجيل الانتخابات وليس إلى مقاطعة الانتخابات، لأنني كنت اعتقد أنها جاءت في وقت يفترض فيه أن لا تؤجل، من أجل خلق حالة من التوافق بين الشعب العراقي. للمحتل مخطط، وهذا المخطط يمشي بخطوات. والخطوات القادمة طبعا يمكن استقراؤها لكن الكثير منها ما زال مبهما بالنسبة لنا.

بعد أن جرت الانتخابات ورفض تأجيل الحوار، عرفنا أن المخطط هو الدستور. الدستور نجح نجاحا كاملا في دفع العراقيين إلى مناقشته وكأن المشكلة في العراق هي هذه الورقة أي الدستور، هناك من يمثلها بالعقد الاجتماعي ومن يمثلها بالتوافق. ورقة لا يمكن أن تجمع العراقيين إذا لم يكونوا متوافقين بينهم أساسا.

الدعوة إلى عدم رفض الدستور كاملا أنا لا أوافق عليها، وبالذات إذا كنا نريد أن نتكلم بأن الشعب العراقي هو شعب موحد، وهذا ما نتمناه. الشعب العراقي هو شعب موحد لكن هناك تأثيرا للنخب السياسية وللأميركيين، وهؤلاء نجحوا كثيرا في تفرقة الشعب العراقي.

الحديث الآن بكل صراحة بين أي اثنين في العراق إما عن الشيعة أو عن السنة أو عن الأكراد أو عن هذه التقسيمات. ويسأل العراقي الآخر أولا إذا لم يكن يعرفه إن كان شيعيا أو سنيا حتى يعلم بما يتحدث في أي موضوع أو يدخل في أي جانب.

التعصب هو ما أوصلته إلينا النخب السياسية التي جلبها المحتل إلى العراق. لقد أوصلوا العراقيين إلى مرحلة أنا اعتقد، بقراءة بسيطة، أنها عودة إلى التاريخ وكأننا الآن في عام 1919. إذا رجعنا إلى تاريخ عام 1919 قد نجد شيئا مقاربا لهذا الموجود حاليا. ولكن نحن نثق أن عام 1920 سيعاد في سنة.

* غياب الشرعية

* هشام الكتاب: ملاحظات سريعة جدا. إذا كنا نتكلم عن الدستور، أولا، تعليقا على الأخ فواز أقول إن أي إجراءات سواء كانت انتخابات أو دساتير لا يمكن أن تكون شرعية في ظل الاحتلال. وفي العالم كله، دلني على دولة وضعت قوانين أو دساتير في ظل الاحتلال.

ثانيا، حدد قانون إدارة الدولة أو «قانون بريمر» فترة محددة لصياغة الدستور وتحويله إلى المجلس الوطني أو ما يسمى بالمجلس الوطني. وكان آخر موعد للانتهاء من صياغته يوم 15 /8/2005، لكن أعضاء لجنة الدستور لم ينتهوا من صياغته في ذلك التاريخ. حوّل بعدها إلى المجلس الوطني الذي اتخذ قرارا بتمديد الفترة 3 أيام.

وكما تفضل د. أحمد (الكبيسي) حين قال إن الدستور ميت، فهو في الواقع دستور باطل لأسباب أساسية أهمها، انه لمّا تم عرض مسودة الدستور هذه على المجلس الوطني كان يجب أن تكون هناك شرعية لانعقاد المجلس. وعندما تم التمديد في المجلس لم تكن هناك شرعية لهذا المجلس لأنهم حسبوا الأعضاء الحاضرين ومن ضمنهم الوزراء ومعهم خليل زاده (السفير الأميركي) وقالوا إن الجلسة شرعية. وفي حقيقة الأمر الجلسة لم تكن شرعية لأنها كانت اقل من النصاب القانوني المفترض.

إذا، هذا التأجيل لـ 3 أيام لم يكن شرعيا أصلاً وبالتالي الدستور ساقط. بالإضافة إلى ذلك، لو افترضنا أن الجلسة شرعية وقانونية، فقد كان هناك آليات وإجراءات محددة يفترض على رئيس المجلس أن يسير عليها قبل إعلان التأجيل 3 أيام. وهذا لم يتم أيضا. فقط قرر أن الجلسة قانونية وان المجلس وافق على مدها لمدة 3 أيام. إذاً هذا باطل أصلاً، وما بني على باطل فهو باطل.

* فوّاز الصديد: الاجتماع باطل أم أن الاحتلال باطل! لتختار بين اثنين. إما أن تقول إن هذا بلد محتل، وكل شيء جلبه المحتل باطل، وبذلك تغني نفسك عن الحديث عن عدد أعضاء الجمعية، أو توافق على العملية السياسية الموجودة وتبدأ بالدخول في قضايا قانونية وتفصيلية.

* هشام الكتّاب: أرجو أن أعيد ما سبق أن ذكرته وأرجو أن لا يكون قد فاتك. أنا قلت إن كل ما يبنى في ظل الاحتلال هو باطل. أليس هذا ما قلته! لكن يجب أيضا أن نوضح للناس الآخرين أنه بالإضافة إلى كون الدستور باطلا هناك أيضا إجراءات باطلة.

* د. محمد جواد: حينما أحيلت مسودة الدستور إلى المجلس أو البرلمان العراقي للموافقة عليها، كان يفترض أن تكون آليات الموافقة بمناقشة هذه المسودة والاتفاق عليها برفع الأيادي أو بالاقتراع السري. هذا لم يحصل ولم تحصل المناقشة لأنهم لم يروا المسودة. المسودة كانت مع لجنة صياغة الدستور. مسودة الدستور كانت في يد رئيس البرلمان، رفعها بيديه والكل صاح موافقا. على أي أساس تمت الموافقة على مسودة دستور لم يقرأها أحد ولم يناقشها أحد؟!

لنفترض انه تمت مناقشتها، بعد التمديد 3 أيام كان على المجلس أن يحل لان التمديد بحسب قانون بريمر كان لمدة ثلاثة أيام، في حين أخذت المسألة بحدود 5 أيام. إذا هناك تمديد ليومين غير شرعيين. لنفترض هذه الفرضية، إذا هو أساسا كدستور مع وجود الاحتلال ومع موافقة الاحتلال آلياته غير شرعية. فإقرار مثل هذا الدستور هو غير شرعي.

بالإضافة إلى ذلك، عندما تريد أن تصوت على الدستور، لماذا تصوت عليه بالكامل؟ هناك فقرات لا بد أن يبدي الشعب رأيه فيها. لتوضع للدستور أبواب ولا يتم التصويت على كل الدستور. توجد 53 مادة كلها مواد متشابكة، وتوجد آليات عمل حيث سلطات الأقاليم متشابكة مع السلطة المركزية، وحيث لا وجود لأي دور للسلطة المركزية فيها. إذا كدستور أنا اعتبره ساقطا إذا أقرّ أو لم يقر من قبل الشعب.

* د. علي قاسم الشعيبي: أتصور أن الدكتور أحمد الكبيسي حسم الموضوع تماما على أساس أن هذا الدستور ولد ميتا. الآن سؤالي، وأنا أريد أن اخرج الآن من قضية البحث في الدستور وآلياته، الشارع العراقي مستقبلا ماذا يقرأ في هذه الوريقات وماذا يريد منها؟

وهذا هو السؤال الأكثر أهمية الآن، بدل أن ننصب أنفسنا حكاما على مناقشة الدستور وآلياته. أنا في تصوري أن الدكتور احمد قد حسم الموضوع حين قال إن هذا الدستور لا يمثل طموحات الشعب العراقي، وأصلا لا يمثل حتى الوضع السياسي الحالي. ترى ماذا يحمل المستقبل؟ وهذا هو السؤال الأكثر أهمية.

* إشكاليات قانونية

* د. محمد المطوع: حقيقة هناك احتمالات أن يطبق مشروع الدستور هذا، وهذه إشكالية الآن. موقفنا من الاحتلال موضوع آخر. لكن لو افترضنا انه في 15/10/2005 وافقت مجموعة كبيرة من الشعب العراقي على هذا الدستور وأصبح وثيقة معتمدة يتم من خلالها تسيير أمور الشأن العراقي، ماذا سيحدث؟ بمعنى آخر هذه المسودة ستكون الدستور الذي يحكم في العراق، ولا يوجد دستور في العالم يرضى عنه كل الناس،

وإلا أصبحنا في جمهورية مثالية. حتى لو أدخلت عليه تعديلات من المؤكد، وهنا الإشكالية الرئيسية فعلا، أن هذا الدستور سيطبق شئتم أم أبيتم، تحت الاستعمار تحت الاحتلال تحت حكومة...الخ. ويبقى الهدف من مناقشة المسودة هو على اقل تقدير إزالة القنابل الموقوتة الموجودة فيها، لأنه إذا اقرّ بشكله الحالي سيكون كارثة حقيقية على العراق.

* فوًاز الصديد: إذا اقر الدستور بالشكل الحالي معناه أن الشعب العراقي وافق عليه باستفتاء. ماذا لو مشى 10 ملايين شخص وقالوا «نعم» للاستفتاء بمظاهرات! كنا نعترض سابقا على الحكومة ومجلس الحكم بشدة، ولكن بعد أن جرت الانتخابات قالت الناس إنها تؤيد هذه الحكومة وبقوة، وما زالت تؤيدها شريحة واسعة من الشعب العراقي اليوم.

لنسم الأشياء بمسمياتها، الأكثرية من الشيعة وتقريبا ما بين 9095% من الأكراد مؤيدة لها، صوتت ودخلت الانتخابات وانتخبت هذه الحكومة. طيب على أي أساس؟ وأنا قناعتي مثل قناعة الشيخ الكبيسي ما بني على باطل فهو باطل، وأساسا مسوغات الحرب هي باطلة قانونيا من الأمم المتحدة. ولكن هذا هو واقع الحال الموجود! وهنا الإشكالية.

* د. محمد عاكف جمال: بالنسبة لآليات الموافقة على المسودة هذه محددة في قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الذي وضعه بريمر، وتشير إلى انه إذا كان هناك تأجيل يجب أن يقدم الطلب قبل الأول من شهر أغسطس 2005، وهذا لم يحصل. التأجيل حصل قبل ربع ساعة فقط من نهاية يوم 15 أغسطس 2005.

الأمر الثاني الذي ينص عليه قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، أن التأجيل يجري بعد قراءتين للدستور تفصل بينهما 48 ساعة في الجمعية الوطنية، وهذا لم يحدث أيضا. وطالما الأمور أصلا انتهكت بهذه الطريقة، فالدستور أيضا سيصوت عليه بالموافقة. لذلك أرى أن لا نتعامل مع المسودة بروح رفض تامة وإنما بنوع من الايجابية.

* د. أحمد الكبيسي: يا سيدي إذا كان المحتل باقيا، فليحكم من يحكم وليكتب من يكتب. إذا كانت دساتير العرب، وأعني الدول العربية المستقلة، لا تطبق فهل سيطبق دستور جلبه بريمر؟! وبالتالي، الكلام قبل الاحتلال شيء وبعد الاحتلال شيء آخر، وأنا أرى أن لا نضيع في هذا دقيقة واحدة.

هذا الدستور حتى لو كانت فيه مادة واحدة خيّرة لن يسمح الاحتلال بتطبيقها. انتم لو تعرفون كيف يحكم العراق! أنا رأيت أحدهم في المجلس الانتقالي ووزير لاحقا، قال: والله لم نكن نستطيع أن نتكلم حتى مع الفرّاش، ومرة اعترض أحدهم، قيل له «أنت تعترض، أرجو منك أن تطلع خارج المنطقة الخضراء». هذا هو المحتل، وبالتالي، أي دستور هذا! وتعلمون ما قال الرصافي. ولهذا، يا سيدي، الكلام ماذا بعد الاحتلال أولا؟ ثم ما هي أدوات توحيد الشعب العراقي في عصر الاحتلال؟

* د. محمد جواد: مسألة أساسية لا بد ألا ننساها، بالنسبة لمسألة إقرار الدستور، فالشعب العراقي الآن يمر بأزمة كبيرة هي أزمة أمنية، أزمة بطالة، أزمة اجتماعية عدم استقرار مادي واجتماعي. ومن المحتمل أن نكون نحن أكثر اطلاعا على الدستور ومناقشة له. الآن لو تسأل يمكن أن هناك 90% من الشعب العراقي يريدون فقط أن يخرجوا من الأزمة التي هم فيها،

إن كان بهذا الدستور أو غيره، المهم كيف يخلص الإنسان نفسه وعائلته. فمسألة إقرار الدستور أو عدم إقراره ليست ذات أهمية.أنا أعتقد مستقبلا، و5 أو 10 سنوات ليست شيئا من عمر الدولة، أن هذا الدستور ساقط، لكن المسألة الآن هل سيمر؟ أنا اعتقد انه سيمر إيجابا أم سلبا، بالقوة أو بموافقة الشعب سيمر هذا الدستور.

* د. أحمد الكبيسي: بالنسبة للانتخابات التي تتحدثون عنها، بحسب شهود عيان فان المراكز التي جاء الناس لينتخبوا فيها معدودة، والاحتلال حينئذ كان قد قسم المقاعد، لهذا أعطى 50 مقعدا وللثاني 40 وللثالث 20، ولا احد منهم يستطيع أن يحصلها. ثانيا، فلنفترض أنها منتخبة، بلا نقاش ولا جدل، الجنوب تحكمه إيران مباشرة والشمال تحكمه إسرائيل مباشرة، والوسط أو ما يسمى المثلث السني يحكمه المسلحون الذين لا نعرف نصفهم من أين جاءوا. فأي دستور هذا!

*نظرة مستقبلية

* د. علي قاسم الشعيبي: الأمور واضحة تماما. دعونا نبحث الآن عن رؤية للمستقبل، بعيدا عن مناقشة دستور يكاد يكون ساقطا كما يقال، ونصوص قانونية أتصور، على الأقل بالنسبة لي فأنا لست ضليعا في مناقشتها، هناك من هو أقدر منا على مناقشتها. دعونا نفكر بشكل آخر في ما يتعلق بهذا المستقبل الذي نتمناه لهذا العراق الذي قسمه الأستاذ الكبيسي بطريقة صعبة جدا. ولكن هذا هو الواقع السياسي حقيقة.

هناك مخطط أكبر للمنطقة والخوف ليس على العراق. في بداية حديثي قلت ان هذه سلسلة، هذه حلقة واحدة من سلسلة طويلة جدا. الحلقة الأولى انكسرت وحلقات أخرى سوف تكسر إن طبّق الدستور أو لم يطبّق. هناك مشروع وهو ليس افتراضا بل حقيقة، هو مشروع كبير وطويل جدا، مشروع يتعلق بهذه الثروة. وقد صدر تقرير منذ فترة لا ادري إن كنتم اطلعتم عليه، يقول إن العراق يعوم على محيط من النفط وليس بحيرة من النفط. وهذا النفط لا يشكل بالنسبة لأميركا موردا للطاقة بقدر ما يشكل مورداً للقوة.

والتفسيران مختلفان، موردا للطاقة يعني أن أميركا تحتاج هذا البترول لقضية الاستهلاك، أما مورد للقوة فيعني أنها تحتاجه لخنق الاقتصاديات القادمة من الشرق: الصين والهند، وهما طبعا كتلتان اقتصاديتان كبيرتان جدا، وأميركا تحتاج إلى هذا النفط بالإضافة إلى النفوط الأخرى المرسومة في الخارطة، نفط السعودية والمنطقة وما إلى ذلك،

كلها عبارة عن موارد للقوة وللضغط على هذه الاقتصاديات الناشئة التي طبعا تتطور بمعدلات قياسية غريبة جدا. لهذا فالخوف هو على المنطقة أكثر مما على العراق. العراق كما قلت هو حلقة من سلسلة، ويجب أن ننتبه إلى هذا الأمر. وكما قلت في سياق حديثي في البداية، يجب ألا نشغل بالنا كثيرا بشأن مناقشة الدستور، نحن الآن مشغولون بهمّ أكبر.

* فوّاز الصديد: إن الهم الأكبر هو المنطقة. طيب ما هو دور المنطقة في مساعدة العراق؟ هذا هو السؤال. الدول المجاورة للعراق، الدول الكبرى تلك لديها مصالح ومصالحها متقاطعة في العراق وكل منها يسعى إلى مصالحه. الموضوع متشابك.

ولكن قراءة سريعة لواقع الشعب العراقي الآن تشير إلى أن العراق محكوم من قوتين، محكوم من قوة الاحتلال وبمواجهة النخب السياسية التي استطاعت ونجحت في استمالة جزء كبير من الشعب العراقي، وهذا شيء طبيعي، إذا قرأت تاريخ الشعوب وثوراتها. فقد دخلت هذه النخب الانتخابات وصوت جزء كبير من العراقيين لها.

القوة الثانية الموجودة هي قوة المقاومة داخل العراق التي ستنجح في يوم من الأيام في كسر المحتل وكسر النخب السياسية الموجودة. وبالنتيجة أنا قلت لكم كأننا في عام 1919. حينها كثير من المعممين ورجال الدين طرحوا في استفتاء في مؤتمر كبير في النجف، هل تريدون العراق تحت حكم بريطاني مباشر؟

هل تريدون العراق تحت حكم قاجاري؟ هل تريدون حاكما عربيا يحكم العراق؟ كان الاختيار في البداية، حاكم قاجاري من إيران، والاختيار الثاني حاكم مباشر من بريطانيا، وبقيت الأمور وجزء من الشعب مؤيد لهذا الوضع بدفع من المراجع الدينية ورجال الدين الذين يتدخلون كثيرا في السياسة. ولم تمض سنة حتى حصلت ثورة 1920، انتفض الشعب الذي كان مؤيدا وقاد ثورة ونسي الناس الذي جرى عام 1919 وعاد للعراق وجهه العربي ووجهه الوطني وبني العراق موحدا.

* د. محمد جواد: بالنسبة لكتابة الدستور. تعني فكرة كتابة الدستور أن يكون هناك مؤتمر وفاق وطني بين أبناء الشعب العراقي وبين كافة فئاته، تتوحد هذه في قائمة واحدة وبطرح واحد ومن ثم يكتب الدستور. نحن لا نجلس لكتابة دستور ونحن مختلفون. هذه مسألة مهمة جدا. المشكلة الأساسية التي وقع فيها الشعب العراقي انه مباشرة ذهب إلى القمة أي لكتابة الدستور، في الوقت الذي ليس بينه مؤتمر وفاقي بل خلافات.

هناك نقطة مهمة جدا، 90% من الذين يحكمون الآن ومن المجلس الوطني هم عراقيون أجانب وليسوا عراقيين. أكثر أعضاء المجلس الوطني أو البرلمان الآن هوياتهم وجنسياتهم أجنبية، لهم حق التصويت على رئيس وزراء بريطانيا أو في أميركا أو في مكان آخر.

نصفهم تجد عوائلهم هنا الآن في دبي يروحون ويجيئون بين دبي وانجلترا أو بين سوريا والأردن وانجلترا. أي انتماء لديهم للعراق.. أي انتماء؟ فمؤتمر الوفاق الوطني هذا انهوه. المؤتمر الآن هو مجموعة من العراقيين الأجانب الذين ليس لديهم أي انتماء أو شعور وطني لخدمة العراق.

* د. محمد عاكف جمال: في مسودة الدستور فقرة تشير إلى انه من يحمل أكثر من جنسية لا يتبوأ منصبا قياديا في الدولة.

* فوّاز الصديد: أستاذي، لمعلوماتك رئيس الوزراء أصر خلال الانتخابات في بريطانيا أن يحضر إلى السفارة البريطانية في بغداد ويدلي بصوته. لديك رئيس جمهورية يحمل الجواز التركي ونواب رئيس احدهم فرنسي والآخر سعودي، ورئيس وزراء بريطاني، والباقي على الخريطة أمم متحدة.

أحب أن اسأل سؤالا: إذا رجعنا إلى أي قانون من شرق الأرض إلى غربها، التعامل مع دولة أجنبية ضد دولتنا، ماذا يكون؟ هل هو خيانة؟ وماذا إذا طبقنا هذه الفقرة على الموجودين وكلهم يعترفون اعترافا صريحا وعلنيا بهذا الواقع؟!

* د. أحمد الكبيسي: أرجو أن نبحث في معنى الخيانة. سابقاً كان الذي يتعاون مع المحتل خائنا، الآن الذي يحارب المحتل خائنا! لنتفق على صيغة لنعرف ما سنتكلم عنه.

* فوّاز الصديد: ونطبق هذه الفقرة. الذي تنطبق عليه يفترض أن يكون على جنب، لا نقول أن يحاسب ولكن لا يتدخل في الشأن العام وهو يملك تلك المواصفات.

* د. محمد المطوع: المشكلة أن العراق حاليا محطة لتصفية الحسابات.

* فوّاز الصديد: خصوصا بعد تخلي العرب عن العراق.

* د. أحمد الكبيسي: لنكن واقعيين العرب لا يملكون شيئا حتى في بلادهم.

* د. محمد جواد: الولايات المتحدة استطاعت أن تغير جملة من الثوابت في العالم باحتلالها العراق. سمت الاحتلال حرية. أصبح كل احتلال هو حرية، وكل هيمنة هي دفاع، وكل قتل للأبرياء هو صدمة وترويع، وكل هدم وبناء هو عبودية وتحرير. فإذاً الثوابت كلها تبدلت والولايات المتحدة هي التي أقرت ذلك.

تدخل: وكل مقاومة هي إرهاب.

* د. محمد المطوع: المشكلة حين نتكلم عن العنف، يا ليت هذا العنف موجه ضد الأميركيين. الضحايا من الشعب العراقي وليس الأميركيين. نلاحظ أن الأغلب، للأسف الشديد، من الشعب العراقي.

* د. أحمد الكبيسي: هذه مبالغة. هل تختلف معي أن الإعلام العالمي كله مسيطر عليه؟ ما من حديث سيعلو كلمة الحق. ثانيا، هناك شهود عيان، ما هذا «النشيد الوطني»؟ جرح واحد وقتل واحد، ألم تملوا منه؟! يصاب 300 شخص فيقولون واحد. قبل شهر احترقت 16 دبابة فقالوا جرح واحد وقتل واحد! هذه الإبادة التي تجري الآن لا تدل على انه جرح واحد وقتل واحد. ولذلك يجب أن يحتاط العراقيون من الإعلام الذي يصرح: «قتل أميركيان و46 عراقيا». والهدف منه أن يقول الناس ما هذه المقاومة؟

* د. محمد المطوع: دعونا لا نركز على نقاش هذا الموضوع. يبدو أن هناك اختلافا في وجهات النظر.