بعد أن روى صحافيون وجنرالات ومؤرخون تجربتهم في العراق جاء الدور على الجنود الأميركيين ليدلوا بشهاداتهم عن مشاهد الرعب والغضب الممزوجة بخيوط دعابة، وسط بحار من دماء الضحايا العراقيين.
والأمر ليس جديداً بل هو أقرب ما يكون إلى تقليد شائع. فمنذ عصر الامبراطور الروماني يوليوس قيصر إلى فترة الحرب العالمية الأولى كان الجنود يخطون الكتب والمذكرات والشعر ويرسلونها إلى أوطانهم.
ولكن مجموعة الكتب الأخيرة التي تحمل عناوين مثل «آخر قصة حقيقية أرويها» و«أحب بندقيتي أكثر منك.. شابة وامرأة في الجيش الأميركي» تقدم رؤى جديدة عن حياة الجنود خلال وقت الحرب.
ولجأ جنديان إلى الإنترنت في البداية للكتابة عن الأحداث التي يمران بها وقت حدوثها. ولكن بسبب الطبيعة الفورية لهذه المذكرات كان ينقصها المنظور الشامل وهي المشكلة التي حاول الجنديان علاجها في كتابين لهما سيصدران في أكتوبر المقبل.
وقال جيسون كريستوفر هارتلي مؤلف كتاب «مجرد جندي آخر» انه لو كان لي أن أؤلف هذا الكتاب اليوم من الصفر فربما سيكون كتابا مختلفاً تماماً.
وكان هارتلي يملك صفحة على الإنترنت لكتابة مذكراته تحمل عنوان الكتاب ذاته.وأضاف هارتلي أن فكرة الموقع لم تعجب الجيش فصدرت أوامر له بأن يلغيه ثم جرى وضعه في قاعدة مع الحرس الوطني حتى نهاية فترة مهمته في العراق.
ويصف هارتلي تجارب مقززة مثل حرق البراز للتخلص منه وتحرش بعض الجنود بزميلاتهم من المجندات وهوس البعض الآخر بممارسة العادة السرية راسماً بذلك صورة عن الجيش ربما لا يحبذ قادته كثيرا أن توثق في كتاب.ولكنه يتعرض في كتابه أيضاً لبعض الإشكاليات الأخلاقية مثل أعداد المدنيين الكبيرة التي راحت ضحايا هذه الحرب.
ويصف هارتلي تأنيب الضمير الذي عانى منه على مدى أسابيع بعد حادثة فتحت خلالها القوات الأميركية النار على شاحنة تقل عائلة عراقية بطريق الخطأ مما أسفر عن مقتل رجل وامرأتين وطفلة في الثالثة من عمرها.
وقال هارتلي إن الناشرين كانوا قلقين من أن القراء قد لا يفهمون «حس الدعابة الممزوج بالمرارة واليأس» والذي يلجأ إليه الجنود للتأقلم مع المأساة.
ومثال ذلك أن يقول أحد الجنود «قتلنا عائلة بأكملها اليوم.. أليس هذا مدهشاً.. كانت هناك طفلة في الثالثة من عمرها... كان مدهشاً لأنه كان مروعاً».
ويصف هارتلي نفسه قائلاً «لست داعية سلام ولا معارضاً حي الضمير ولكنني أعتقد أنه لابد أن تكون هناك طريقة ما لتكون جندياَ وتظل مع ذلك محتفظا بإحساسك بالتعاطف مع الآخرين».
ويضيف «بذلت كل ما في وسعي لأكون صادقاً مع نفسي بشأن ما يبدو أنه رغبتي الفطرية في القتال وارتكاب الأعمال العنيفة ولكني أيضا لا أخشى من التعبير عن رغبتي الفطرية في توفير الراحة لمن هم حولي».
أما كولبي بازل فيتذكر في كتابه «حربي.. زمن القتل في العراق» كيف منحه أحد المجندين معلومات عن كيفية التحايل على اختبار تعاطي المخدرات لدخول الجيش. ومثل هارتلي يتحدث بازل بصراحة عن ردود فعل الجنود إزاء الحرب ويقول «أصبحت أتمتع بهذا الحس المزعج والمريض من الدعابة عن كل شيء خلال وقت الحرب».
ويروي بازل في موقع مذكرات على الإنترنت في أغسطس 2004 كيف أثارت صورة مروعة لعراقي ميت الضحك.ويربط كتابه أيضاً بين روايته المشوشة عن اشتباك حامي الوطيس مع مسلحين في مدينة الموصل وبين تقرير من شبكة «سي.ان.ان» وبيان للجيش عن الواقعة ذاتها وصفه بأنه جاف ولا يشير بأي حال إلى مدى القتال وقسوته.
ويكتب قائلاً «جعلني هذا أتساءل عما إذا كانت هناك أحداث أخرى في العراق لا تصل أخبارها إلى الناس في أميركا».ويخلص بازل إلى أن الذهاب إلى العراق هو أفضل شيء حدث له.