لا همّ في الشارع الأميركي هذه الأيام سوى همّ الإعصار والمأساة التي خلفها في ولاية لويزيانا، ولا سيما مدينة نيوأورليانز المحاذية لخليج المكسيك. لقد طغى هدير الإعصار و«الطوفان الكبير» على كل ما عداه محلياً وعالمياً. لقد تراجعت الهموم الأميركية في العراق وإيران وفلسطين وإسرائيل وكوريا الشمالية وغيرها تحت وطأة إعصار «كاترينا» الذي ضرب جنوب الولايات المتحدة قبل نحو شهر، مخلفاً مئات القتلى حتى الآن وآلاف المفقودين ومئات آلاف المشردين والمهجرين.

مما دفع إدارة الرئيس جورج بوش إلى إعلان حالة الطوارئ في الولاية المنكوبة ومباشرة أضخم حملة في تاريخ البلاد، لمواجهة حال الفوضى الناجمة عن الإعصار ومعالجة عواقب الإعصار. وكان لافتاً للغاية القدر العالي الذي أبداه المجتمع الأميركي في التضامن والتكافل لاستدراك آثار الكارثة،

إذ بذلت المجموعات السياسية ـ أكان في الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي ـ والاجتماعية والمدنية والاقتصادية المختلفة جهوداً جبارة في شرق الولايات المتحدة وغربها وجنوبها ووسطها لجمع التبرعات بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى مئات المليارات التي خصصتها الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات لإيواء المشردين والمهجرين وتعويضهم وإطعامهم وإيجاد مساكن لهم وتوفير الوظائف وغيرها من مقومات إعادتهم إلى الحياة الطبيعية.

وتراجعت أيضاً إلى الحدود الدنيا ما سميت «لعبة إلقاء التهم والمسؤولية» التي ظهرت في الأيام المثالية لظهور آثار الكارثة الطبيعية، بعدما شن خصوم الرئيس بوش حملة عنيفة ضد إدارته الجمهورية بتهم التقصير واللامبالاة، لأن الوقت اليوم «وقت عمل» في حالة طارئة تشبه الحالة التي تلت هجمات 11 سبتمبر 2001، مع إدراك الفرق الشاسع بين «إرهاب الطبيعة» و«إرهاب البشر».

وتكافل الأميركيون جميعاً لمواجهة الحالة الطارئة. وقامت المجموعات العرقية والدينية المختلفة بجمع التبرعات وإيواء المشردين، ولم يقتصر الأمر على الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. وتولى الصليب الأحمر الأميركي دوراً رئيسياً في تنسيق حملات الإغاثة التي قام بها الأميركيون. واضطلع الأميركيون المتحدرون من أصل عربي بدور فاعل في هذه الحملات، مما ترك أثراً بالغاً في أوساط المجتمع الأميركي.

وظهر الدور الايجابي للعرب الأميركيين عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة التي أوردت تقارير عن حملات المساعدات والإغاثة التي اضطلع بها هؤلاء من خلال المراكز والجمعيات العربية والإسلامية العربية ومن خلال المساجد الكثيرة القائمة على أراضي الولايات المتحدة. وانعكس الدور العربي والإسلامي إيجاباً على الأوساط الأميركية.

وأبلغ رئيس بلدية مدينة هيوستن في ولاية تكساس بيل وايت «البيان» أن المواطنين الأميركيين ممتنون للغاية للدور الفاعل الذي قامت به الأقلية العربية والإسلامية لمواجهة آثار الكارثة في نيو أورليانز ولمساعدة نحو 200 ألف لاجئ توافدوا إلى مدينة هيوستن، مشيراً إلى «المساعدات الهائلة» التي قدمها المتحدرون من أصول عربية وإسلامية، ومنها مثلاً أن رجل أعمال من أصل عربي قدم 150 شقة لإيواء اللاجئين، فضلاً عن تأمين العرب آلاف الوظائف للاجئين.

* أفعال صريحة

في إشادة لافتة بأعمال المسلمين الأميركيين، نشرت صحيفة «هيوستن كرونيكل» وهي الأكبر في ولاية تكساس، على صدر صفحتها الأولى افتتاحية بعنوان «أفعال، صريحة وواضحة». وأوردت الافتتاحية أن «ألفين من المتطوعين المسلمين أحيوا ذكرى 11 سبتمبر 2001 بمساعدة ضحايا الإعصار». وأضافت أن المسلمين كتبوا أيضاً الشيكات، وجمعوا الألبسة وقدموا المعونات بحماسة جعلت من مدينة هيوستن تتلألأ فرحاً أثناء أشد الأسابيع سواء في البلاد».

وأكدت أن «صورة ألفي مسلم من الأميركيين تطوعوا في مركز جورج آر. براون للمؤتمرات في 11 سبتمبر (الماضي) كان مميزاً للغاية.. أن هذا العمل، بالإضافة إلى جهود المسلمين تجاه مواطنيهم، أبرز أن المجموعة الإسلامية منظمة وحيوية ومتحمسة لإظهار قيمها». وأشارت إلى أن هذه المجموعة تحركت بدعوة من جماعة الغوث الإسلامي في هيوستن لمساعدة ضحايا إعصار «كاترينا».

وأفاد رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية للأعمال الخيرية برويز أحمد أن زعماء المسلمين أظهروا جهود التطوع في 11 سبتمبر كتعبير عن رفضهم للتطرف الذي قاد إلى هجمات 11 سبتمبر 2001. وعلق أول عضو مسلم في بلدية هيوستن، وهو أم.جي.خان المتحدر من أصل باكستاني، أنه مع بدء توافد اللاجئين إلى المدينة البالغة مساحتها 11 ألف كيلومتر مربع (خمسة ملايين نسمة)،

قررت البلدية إيواء اللاجئين في القاعات الضخمة لمبنى «ستاردوم»، ومع تزايد عدد المهجرين، فتحت البلدية مركز المؤتمرات، وقامت المجموعات الدينية بفتح أبواب الكنائس والمساجد (80 مسجداً). وعلى الفور، تطوع نحو 30 ألف شخص بينهم عدد ضخم من المسلمين والعرب «يشكلون نحو أربعة في المئة من عدد سكان المدينة».

* التكامل

وقال إن جميع الأطراف تكافلوا: الحكومة الفيدرالية وحكومة ولاية تكساس وبلدية هيوستن والجمعيات والمراكز الأهلية على المستويات كافة. غير أنه أكد أن العمل الذي قام به الجميع غير كاف حتى الآن، لأنه «بعد معالجة الحالات الطارئة، علينا أن نجد أعمالاً للمهجرين، ونحن مستعدون لاستيعاب 20 ألف وظيفة، أي تأمين معيشة 20 ألف عائلة».

ولفت إلى أن الكثيرين من أهالي نيو أورليانز يريدون العودة إلى مدينتهم حالما تسمح الفرصة بذلك، «آملين بفرص العمل الهائلة في المدينة التي سيعاد تعميرها عن بكرة أبيها. وأشار خان إلى أن الوكالة الفيدرالية لإدارة الحالات الطارئة «فيما» (FEMA) تنظم اجتماعات يومية يشارك فيها ممثلو الحكومة الفيدرالية وحكومة الولاية ورؤساء البلديات وممثلو المنظمات والجمعيات الأهلية وخصوصاً الصليب الأحمر الأميركي،

بالإضافة إلى ممثلي الأقليات وبينهم العرب والمسلمون، وذلك لدرس ما يمكن عمله لهؤلاء اللاجئين، تمهيداً لإعادتهم إلى الحياة الطبيعية. ولكن على رغم هذه الجهود، يصاب المرء بحال من الصدمة عندما يزور مبنى «ستار دوم» حيث لا يزال هناك آلاف اللاجئين الذين روى بعضهم لـ «البيان» لحظات «الطوفان الكبير» مع الإعصار،

وكيف انهارت السدود المائية وتدفقت المياه العاتية من المحيط إلى المدينة الواقعة دون مستوى مياه المحيط، حتى وصل الطوفان إلى مستوى أسطح المنازل، فمات من مات، وهرب من هرب إلى مبنى «ستاردوم» العملاق من الفقراء (غالبيتهم من الأفارقة الأميركيين)، وإلى الولايات الأخرى من الميسورين،

فيما بقي الآلاف عالقين فوق أسطح منازلهم ينتظرون منقذاً يأتيهم من السماء. المشهد في قاعة «ستاردوم» بمدينة هيوستن يدفع المرء للاعتقاد في الوهلة الأولى أن هؤلاء الناس مشردون من دارفور في جنوب السودان، أو نازحين تحت وطأة العدوان الإسرائيلي من جنوب لبنان، أو لاجئين في المخيمات من فلسطين. على رغم التنظيم المحكم والمساعدات الهائلة، يتساءل المرء وهو في قاعة «ستاردوم»أهذه هي أميركا؟

* خوف وهلع

كنا مجموعة صغيرة من الصحافيين العرب طلب منا التطوع لبضع ساعات والذهاب إلى مبنى «ستاردوم»، وبعد تأمين البطاقات الخاصة بعملنا، نقلتنا حافلة صغيرة إلى المبنى الضخم حيث دققت أجهزة الأمن بهوياتنا، ثم جرى فرزنا في مجموعات صغيرة مع متطوعين آخرين، ورافق كل مجموعة دليل أميركي إلى داخل قاعات المهجرين.

في القاعة الأولى الحسنة التنظيم رصفت مئات الأسرة الحديدية وفوقها فرش من الأسفنج وبطانيات وشراشف، ووضع فوق كل واحد منها كيس يحمل علامة الصليب الأحمر الأميركي. وتحت السقف الذي يرتفع عشرات الأمتار (ملعب مغلق للعبة كرة القدم الأميركية) كان هناك نحو 200 مهجر غالبيتهم الساحقة من الأفارقة الأميركيين.

وعلى مقربة من المدخل جلست عائلة من أب وأم وصبي عمره نحو خمس سنوات تبدو على وجهه علامات الهلع، عيون فارغة تنظر إلى المكان وتستغرب كل شيء، ودموع جرت على خديه، وكأنما حفرت مساراً للدمع. سألته عن اسمه، فتراجع إلى حضن أمه وخبأ وجهه. أمه قالت: «لا تتكلم مع الصبي. إنه خائف»!، وعلق أبوه: «ابني الآخر فقدناه هناك، لا نعرف عنه شيئاً. لا، لا، لا نريد أن نتكلم» وبكوا جميعاً.

ومضينا إلى لاجئين آخرين: سيدة في الثلاثين من عمرها ومعها أبناؤها الثلاثة الذين كانوا يلهون بلعب قدمها إليهم أحد المتبرعين. وافقت على الكلام مع الصحافيين. وأبلغتهم أنها كانت في منزلها مع الأولاد عندما بدأت المياه تغمر المنزل، فلجأت إلى مبنى «ستاردوم» القريب مع أقاربها، ثم بدأت الأسرة تتشتت بعد تفشي أعمال العنف والنهب والاغتصاب في المبنى، وكانت هي من أوائل الذين لجأوا إلى هيوستن. ورداً على سؤال عمن يتحمل مسؤولية ما حصل، أجابت: لا أحد. هذه كارثة طبيعية.

* تركونا نغرق

لكن على مسافة ثلاثة أسرة جلس شاب يرتدي بدلة عسكرية وبجانبه رجل كهل في الستينات من عمره. اقتربت منهما وسألتهما عما إذا كانا يرغبان في الحديث، فأجابا بأنهما لا يمانعان. وتبين أنهما والد وابنه رجل الأمن في الحرس الوطني الأميركي. وقال الوالد أولاً انه مرتاح ويأمل في العودة قريباً إلى الحياة الطبيعية، مضيفاً ان السلطات توفر له كل حاجاته عبر الصليب الأحمر.

غير ان ابنه الذي كان يرتدي نظارة شمسية تخفي عينيه، قال ساخراً: أبي مرتاح، هو حر بأن يقول ما يشاء. الحقيقة لا، وهي خلاف ذلك تماماً. لا أحد مرتاح هنا. لقد تخلى عنا الجميع، الرئيس (جورج بوش) والحكومة الفيدرالية والحكومة في الولاية. تركونا نغرق في المياه الآسنة. وروى الجندي في الحرس الوطني معاناة الناس مع الإعصار، قائلاً انه فوجيء مع والده بالمياه الجارفة ترتفع حتى سطح المنزل، مما دفعه إلى تحطيم قرميد السطح والبقاء فوقه مدة ثلاث ليال منتظراً الإنقاذ،

وكان يشرب مع والده من قناني مياه ومشروبات غازية طافية، حتى وصول طائرة حملته مع والده إلى مكان بعيد على اليابسة، ثم انتقلا بواسطة طائرة هليكوبتر أخرى إلى إطراف ولاية لويزيانا، ومن هناك نقلا مع آخرين بحافلة إلى مدينة هيوستن، مشيراً إلى انه فقد في مدينة نيو اورليانز أقاربه الذين لا يعرف عنهم شيئاً، «وقد يكون بعضهم مات غرقاً. أو تشرد إلى ولايات وأماكن أخرى. لا اعرف شيئاً». وتحدث الجندي عن «مؤامرة» شارك فيها كثيرون لتهجير أهالي نيواورليانز عن أشد المدن الأميركية فقراً.

وأعرب عن اعتقاده أن السلطات المحلية والفيدرالية «تآمرت» وتركت السدود المائية تنهار قصداً لتحصل المأساة المخيفة، ولتهجير الفقراء وتشتيتهم في انحاء مختلفة من الولايات المتحدة موضحاً ان المنطقة معتادة على الأعاصير، «وحتى الشوارع لم تكن تغرق بالمياه من قبل».

وأكد انه غير مرتاح إلى النأمينات التي توفرها السلطات في مبنى «ستاردوم» لان البعض يحصل على المعونات، بينما هناك آخرون لم يحصلوا مثلاً على مبلغ الألفي دولار التي خصصتها السلطات الفيدرالية لكل لاجئ عازيا الأسباب إلى سوء التنظيم، والى التدقيق في سجلات اللاجئين الذين تركوا وراءهم كل شيء طالبين النجاة فحسب، وختم الجندي بأن أمله الوحيد هو في العودة إلى مدينة نيو أوليانز، مؤكداً انه لن يعود إلى الحياة الطبيعية أبداً.

هناك آخرون لا يؤمنون بـ «نظرية المؤامرة» هذه، لافتين الى ان إعصار «كاترينا» جاء هذه المرة بقوة عاتية لم تكن متوقعة حتى بلغ الدرجة الخامسة للمرة الاولى على الإطلاق. هؤلاء يدركون الحاجة الى عمل جبار يعيد بناء ليس فقط مدينة نيو اورليانز وغيرها من المناطق التي دمرها الإعصار، بل أيضاً الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها الإعصار «كاترينا» وما سبقه وما تلاه في نفوس أميركيين كثيرين.

هيوستن ـ علي بردى