بعد عشرة أيام من إعلان واشنطن أنها تدرس استراتيجية «الضربات النووية الاستباقية»، التي بموجبها تعطي لنفسها الحق في استخدام السلاح النووي، كرد وقائي، ضد دول أو جماعات إرهابية. تراجعت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وأعلنت أنها تقوم بإعادة النظر ومراجعة شاملة لها، مشيرة إلى شكوك كثيرة تحوم حول هذه الاستراتيجية. لتراجع أو إعادة النظر سببه انتقادات شديدة للإدارة واستراتيجيتها الجديدة، عبر عنها أعضاء في «الكونغرس».
وخبراء عسكريون، قالوا: إن الاستراتيجية أمر يبعث على القلق، ويعيد الولايات المتحدة والعالم إلى سنوات وأجواء الحرب الباردة، ويعيد أجواء سباق التسلح النووي، ليس بين الدول الكبرى كما كان في السابق، بل دول كثيرة، في الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة، الجهود لمنع انتشار الأسلحة النووية، والتخلص منها.
وقامت (البنتاغون) بسحب مسودة وثيقة الاستراتيجية من موقعها على شبكة الانترنت، بعد الحملة ضدها ورغم أن مسؤولين أميركيين أشاروا إلى أن الأسلحة النووية التي قد تستخدم بناء على الاستراتيجية الاستباقية، ستكون صغيرة ومحدودة ومحددة لضرب أهداف معينة،
مثل ضرب ترسانات أو مخابيء للأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا تقدر الأسلحة التقليدية على تدميرها، قال المنتقدون: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تقنع العالم وتكسب ثقته وتجعله يصدق أنها مهددة بسلاح نووي من جماعة إرهابية، أو بلد «ينوي» استخدامهه.
وقال البعض: إن هذه الاستراتيجية، إضافة إلى أنها تبعث على القلق وتفتح باب السباق للتسلح النووي، غير واقعية، ولن تصبح واقعية، مهما حاولت الإدارة الأميركية من جهود لتسويقها، وأضافوا: كيف يمكن استخدامها ضد جماعات إرهابية؟ هل يمكن استخدامها في العراق حالياً، ضد الزرقاوي وجماعته الإرهابية
وهل يمكن استخدامها ضد الكهوف التي يقال ان زعيم شبكة القاعدة وكبار أعوانه يختبئون فيها، وهم فعلاً يعلنون ويؤكدون أنهم لن يترددوا في استخدام أي سلاح ضد الولايات المتحدة. وهل يمكن استخدامها ضد إيران مثلاً، أو ضد كوريا الشمالية؟وأكد الكثيرون أن هذه الاستراتيجية تخلق العديد من المشاكل للولايات المتحدة والعالم.
خصوصاً كما يقول خبراء عسكريون أميركيون، أنه ثبت عدم صدق الادعاءات الأميركية، بأن لدى العراق أسلحة دمار شامل تهدد الأمن القومي الأميركي والعالم، فكيف يمكن للعالم أن يصدق بعد اليوم أن شبكة أسامة بن لادن أو جماعة الزرقاوي أو غيرهما من منظمات إرهابية تهدد الولايات المتحدة وأنها ستستخدم السلاح النووي.
ورغم هذه الانتشارات للاستراتيجية الجديدة، وهي انتقادات أميركية قبل غيرها من الانتقادات الخارجية، لا يتوقع أن يتراجع الصقور العسكريون في (البنتاغون) ولا المحافظون الجدد في الإدارة وخارجها عن هذه الاستراتيجية نهائياً، لأن استخدام الأسلحة النووية كضربة استباقية وقائية ضد عدو محتمل،
ليس إلا جانباً من سياسة واستراتيجية شاملة ينفذونها منذ بدأوا يمسكون بالنفوذ وبزمام اتخاذ القرار في عهد إدارة الرئيس جورج بوش، وهي سياسة تذكر الكثير من أوساط واشنطن، بتلك التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في عقد الثمانينات من القرن الماضي.
واشنطن ـ محمد صادق