تشهد ألمانيا للمرة الأولى منذ توحيدها صراعاً على السلطة بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية عن فوز متواضع للمحافظين بزعامة أنجيلا ميركل، بفارق ثلاثة مقاعد فقط، عن الحزب الاشتراكي برئاسة المستشار غيرهارد شرودر الذي رفض الاعتراف بالهزيمة منكرا فوز ميركل عليه ورافضا أي ائتلاف معها، الأمر الذي قد يصيب الحياة السياسية بالشلل ويدفع إلى إجراء انتخابات جديدة.

وأعلن كل من المتصارعين ميركل وشرودر أنه سيقود الحكومة الألمانية بعد الانتخابات التي لم تسمح لأي منهما بالحصول على غالبية مطلقة في البرلمان.وفي برلين كان الالتباس كاملا. فالاقتراع الذي كان يفترض ان يمهد الطريق «لانطلاقة جديدة» على حد تعبير ميركل أدى إلى نتيجة مختلفة حسب استطلاعات الرأي مع تراجع واضح للحزب المسيحي الديمقراطي الذي سجل مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي أسوأ نتيجة له في مرحلة ما بعد الحرب.

وتشهد ألمانيا بذلك وضعا لا سابق له يلوح في نهايته شبح غياب أي اتفاق نظراً للهوة العميقة والمنافسات الشخصية بين الجانبين.وهذا الوضع يمكن ان يؤدي إلى حل مجلس النواب (البوندستاغ) الجديد الذي انتخب للتو وإجراء انتخابات جديدة مما يعني حالة من الشلل السياسي على الصعيدين الداخلي والدولي على حد سواء في أهم دولة أوروبية توصف أحياناً بأنها «رجل أوروبا المريض».

وللمرة الأولى منذ 1949 تراجع التأييد لأكبر حزبين شعبيين في ألمانيا إلى ما دون السبعين في المئة من أصوات الناخبين. ولم يسجل تقدماً في هذه الانتخابات سوى حزبين صغيرين هما الحزب الليبرالي وحزب اليسار الجديد.ومع ذلك، أكد شرودر الذي تحدث عن «هزيمة ساحقة» لميركل انه يريد البقاء على رأس الحكومة مستبعدا بذلك فكرة فوز المعارضة. وهو يسعى إلى محادثات مع كل الأحزاب السياسية باستثناء الشيوعيين السابقين في حزب اليسار،لتشكيل حكومة.

وبقدر ما يرفض الاجتماعيون الديمقراطيون والخضر إبرام أي اتفاق مع اليسار المتشدد، يبني شرودر آماله على اتفاق مفترض مع الليبراليين أو على الأقل جزء منهم.وكان زعيم هذا الحزب غيدو فيتسفيلي ارتبط منذ فترة طويلة مع ميركل، ونفى إمكان أي تغيير في تحالفاته لمصلحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

أما ميركل فقد رأت ان حكومة تحالف بين الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر أصبحت مستبعدة، مؤكدة أن الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يحتل المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات لديه «تفويض واضح لتشكيل الحكومة» وسيبدأ مفاوضاته مع كل «الأحزاب الديمقراطية باستثناء حزب اليسار».وشكلت النتيجة التي سجلها الحزب الديمقراطي المسيحي وهي دون التوقعات التي جاءت من استطلاعات الرأي (41 أو 42في المئة) المفاجأة الكبرى في هذه الانتخابات.

وهي أسوأ ثالث نتيجة يسجلها الديمقراطيون المسيحيون في مرحلة ما بعد الحرب (31 في المئة في 1949 و35,1 في المئة في 1998).وهذا الأداء السيئ عوض عنه التقدم المذهل لليبراليين الذين استفادوا على ما يبدو من أصوات الناخبين الذين يريدون تجنب حكومة «تحالف كبير» بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين.

وقد تصبح ميركل (51 عاماً) أول امرأة تتولى منصب المستشار في ألمانيا، لكنها تعرضت لضربة كبيرة بتسجيلها نتائج اقل بكثير من المرشح المحافظ في انتخابات 2002 البافاري ادموند شتويبر الذي لم يتقدم عليه منافسه شرودر حينذاك بأكثر من سبعة آلاف صوت.

وبالنسبة لشرودر (61 عاماً) الذي نجح في تعزيز التأييد في البداية، تبدو هذه الانتخابات نهاية سبعة أعوام من التحالف بين الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر، وهي مرحلة بدأت بفوز مدو في أواخر 1998 أنهى 16 عاما من حكم الديمقراطي المسيحي هلموت كول.

ويدفع شرودر الذي يلقب «برفيق أرباب العمل»، بذلك ثمن إصلاحاته المؤلمة للنظام الاجتماعي الألماني التي تركت في أغلب الأحيان انطباعا لدى أكثر طبقات السكان تواضعا وهم الناخبون التقليديون للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنهم الوحيدون الذين يدفعون ثمن العولمة الاقتصادية والسياسية التي نجمت عن الإصلاحات.وقالت صحيفة «سود دويتشه تسايتونغ» إن الأسابيع المقبلة ستكون للمكيافيليين وكبار الاستراتيجيين وحذرت من ان أي حكومة تشكلها ميركل ستضعف قبل ان تبدأ عملها.

(وكالات)