وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط وجه مشرف فعلا للدبلوماسية المصرية،هو عقل مستنير ومثقف. قارئ للتاريخ ويعرف الحكمة المصرية ومطلع اطلاعا واسعا على مصادر وعيون الثقافة العربية، ويبدي حماسا منقطع النظير للعالم الثالث وخاصة افريقيا يتجاوز بكثير مجرد الواجب الدبلوماسي إلى مستوى العقيدة النضالية.

بنى شبكة واسعة من الروابط الشخصية الحميمة مع معظم الشخصيات العالمية المؤثرة من خلال دوره الطويل في إدارة الشؤون الخارجية بفضل مصاحبته الوثيقة لكل من عصمت عبد المجيد وعمرو موسى وزيري الخارجية الأسبقين.

وهذا الرجل ليس مجرد وطني مصري غيور، فأكثر من نصف أحاديثه الخاصة مناجاة لمصر، وعاطفته المتقدة نحو مصر هي مفتاح شخصيته. ذلك أنه لا يزال يحتفظ بصفات المصري كما أحبها الجميع، فأسلوبه في القيام بأعباء وظيفته يكشف عن قدرة فذة على التواصل الإنساني، حتى فيما يتعلق بشؤون السياسة والاستراتيجية التي لا شأن لها بالعواطف.

بعد أن انتهى لقائي به، أسرع خارج مكتبه لاستقبال وزير الخارجية السوداني، وبعد أن احتضنه أسرع يمسك بيده وأشار إليّ قائلاً: انظر، هذا شقيق لي، وهو يسلم عليّ هكذا (يدان ممدودتان في الاتجاه الصحيح للمصافحة)، ولكنه كثيرا ما يسلم على هكذا (وقلب الأيدي لتصبح المصافحة ليا للذراع). خفة الدم والصلة الشخصية كما ترون لهما دور في الدبلوماسية.

رجل هذه قناعاته وصفاته، مضطر لأن يطبق سياسات خارجية لا تعكس هذه القناعات بقدر ما تعكس ظروفا ضاغطة في عصر غير العصر. فكان طبيعيا أن يكون ذلك هو المقدمة الطبيعية للحوار.

* يهمني في هذا الحوار أن أبدأ بل وأن أركز على الأسس الفكرية والثقافية للسياسة الخارجية المصرية بأكثر مما أركز على أحداث بعينها. هناك تناقض بين الشرعية التاريخية لهذه السياسة حتى قبل ثورة 1952 من ناحية وتوجهاتها الراهنة من ناحية أخرى، كانت مصر تلعب دورا قياديا في النضال من أجل نظام عالمي عادل.

وهي الآن ترتكز على العلاقات الخاصة مع الشمال وأميركا بالذات. يعتقد كثير من الناس ان هذا التناقض هو المصدر الأساسي لتوترات السياسة الخارجية المصرية وكثيرا ما يعدوه مظهر للتخبط.. ما رأيكم؟

ـ مصر عربية إسلامية وافريقية ومتوسطية، هذه عناصر أربعة رئيسية في تفكير مصر. وهي تأخذ أيضا في حسبانها علاقات القوة وأوضاع القوة في عالم اليوم والأمس والغد.

هي دولة عربية أي أنها ذات توجهات عربية، وهي ترى نفسها تاريخيا مسؤولة عن الدفاع عن مصالح الإقليم، سواء في القرن الثالث عشر أو العشرين أو الخامس والعشرين، وهو ما ظهر في فلسطين، وحطين وقادش. هذا مفهوم لا يتغير.

ولكن ما يفرض ثقله علينا هو علاقات القوى، هذا معناه عربيا ان كل هذه المنطقة الممتدة من طنجة في الغرب إلى مياه الخليج في الشرق تمثل منطقة اهتمام حيوي مباشر، ولا أري أي تناقض مصري عربي في هذا الصدد مع المصالح الإسلامية. فهناك قوة إسلامية ذات تأثير من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي تحظى باهتمامنا ونأمل ان يتم تعزيز عملها الجماعي.

اذا كان الأمر كذلك، ماذا يشغلك في هذه اللحظة فيما يتعلق بهذا الإطار الإسلامي؟

ـ ما يشغلني هو أخطار الانزلاق إلى صراع بين عالم الإسلام والعالم الغربي. من هنا الاهتمام المصري بالإمساك بمنع هذا الانزلاق، فلا يمكن ان ينتصر فيه طرف من الطرفين. وأرى أن مصطلح الحروب الثقافية والدينية يشوه الواقع، فالتناقض بيننا سياسي وليس ثقافيا. الوضع في فلسطين والعراق ومناطق أخرى يضغط بشدة على هذه العلاقة.

ومصر ملتزمة بالنضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني واستقلال العراق بأسرع ما يمكن. أما عن ظاهرة العولمة فيجب تصحيحها وتطهيرها من الظلم، وإجابتنا هي ضرورة تطوير العالم العربي الإسلامي كمفتاح لتفاوض عادل حول شروط هذه العولمة.

الإطار الثالث الفلسفي.. اننا دولة افريقية ماذا يعني دولة افريقية؟ وهي تعتمد وجودا وعدما على النيل، وعلى علاقة حضارية عميقة أيضاً مع الشعوب الافريقية. أنا لا نتحدث فقط عن مياه وإنما أيضا عن الانسان الافريقي. وأخيرا فإن مصر دولة متوسطية. لقد دخلنا تاريخيا في علاقة حميمة مع العالم الغربي..

ولا يستطيع احد ان ينكر ذلك. مصر عاشت 300 سنة كحضارة هلينستية بمعنى أنها تفاعلت مع الثقافة الإغريقية في العصر البطلمي. ولا أحد ينكر ان مصر عاشت 600 سنة كجزء من الإمبراطورية الرومانية. ومع ذلك فليس هناك أي غموض في الولاء النهائي لمصر.

إن قدرها هي أن تدافع عن محيطها الشرقي والعربي. فهي وقفت مع قرطاجنة ضد روما كصراع افرومتوسطي ووقفت مع إيران في معركة «سلاميس» ضد الإغريق. واليوم وبعد أكثر من ألفين وخمسمئة عام نقول لم تعد هذه الصراعات جائزة، ويقوم التعاون في الإطار المتوسطي مقام الحروب.

* أفكار إختزالية

* كان سؤالي عن الأسس الثقافية والفكرية يتعلق بالقيم التي تدافع عنها مصر. ولا أظن أنكم عندما تقولون إن مصر وقفت وتقف مع محيطها الشرقي أنها تدافع عن فكرة الاستبداد الشرقي.

ـ لا أدافع عن فكرة الاستبداد الشرقي. وأعتقد أن هذه المقولة اختزالية اخترعها العقل الغربي المتحيز لنقد حضارة تليدة لا يمكن اختصارها في كلمتين.

نعود إلى ما سميته توترات في السياسة الخارجية. وأنا اسميها الشق العملياتي في التعامل مع تطورات اليوم. اليوم لم يعد هناك شيء اسمه الاتحاد السوفييتي ولا يوجد قطب آخر، فيوجد قطب واحد قادر على التأثير من خلال مجموعة عمل ناتجها المتكامل الاقتصادي يصل إلى 30 أو 35 تريليون دولار في حين انك تكتشف أن هناك عالما عربيا لا يتجاوز ناتجه الكامل 400 إلى 500 مليار دولار أي 1/60، فهذه علاقات قوة تفرض ثقلها على الرؤية المصرية وعلى التحليل المصري وكيف يتفاعل مع حقائق الأمور.

* هذا ما عبرت عنه منذ أسابيع قليلة بالمثل الشعبي «اطبخي يا جارية كلف يا سيدي!» ماذا كنت تقصد بالضبط؟

ـ مثلا الصندوق الافريقي الذي أعمل من خلاله في افريقيا ميزانيته 11 مليون دولار، وعندما يصبح 110 ملايين أستطيع أن أتوسع في العمل المباشر في افريقيا. السياسة الخارجية انعكاس لقدرات الدولة. ومع ذلك، أنا اعتقد ان السياسة الخارجية المصرية نجحت بإمكانيات قليلة وبحكمة كبيرة في أن تحصل على تأثير أكبر بكثير من قدراتها المادية. هناك أمثلة كثيرة.

مثلا بالنسبة لإصلاح الأمم المتحدة، رئيس الجمعية العامة يصطدم بوضع غير قادر على صياغة خلاصات القمة ولا يعرف كيف يحل المشاكل بين الدول، فيقرر أن ينشئ مجموعة عمل من دول ترأس التجمعات الإقليمية، ولكنه يكتشف ان دولا رئيسية ليست موجودة في هذه الرئاسات، فيقرر أن يضيف ثلاث أو أربع دول ومن بينهم مصر. وهذا معناه ان مصر دولة قادرة على التأثير رغم قلة الموارد.

* ولكن ألم نواجه أزمة في افريقيا بالنسبة لمقعد مجلس الأمن؟

ـ هناك تقدير افريقي لدور مصر ولقدرتها على شحذ فكر القارة في الاتجاه السليم. الدليل على ذلك ما حدث في 4 أغسطس الماضي في القمة الافريقية في أديس ابابا عندما استطاعت مصر ومعها مجموعة دول لها ثقل مثل الجزائر، ليبيا، تنزانيا، زامبيا ونامبيا ان تصحح الموقف الذي أشاعته نيجيريا فيما يتعلق بمقعد مجلس الأمن.

*ولكن ضعف قاعدة الموارد وعدم رغبتنا في إتاحة موارد كافية للسياسة الخارجية يجعلنا نقف عاجزين أمام قضايا محددة وبالغة الأهمية لنا. مثلا العراق..

لم نفعل شيئا للعراق، لو كنا خصصنا مجرد 100 مليون دولار للعراق لمجرد دعم الإغاثة الإنسانية وبناء وتشغيل مستشفيات، أو مدارس أو دور أيتام لكنا الآن نتمتع بمكانة أخرى في العراق. وهذا الإهمال من جانبنا ومن جانب الدول العربية الأخرى أدى إلى اتخاذ العراق موقفا معادياً للعرب. فماذا أنتم فاعلون؟

- الوضع العراقي وضع غير مستقر وأي موارد ستوضع في العراق بشكل غير مدروس لن تحقق الهدف المراد.

هل هذا معناه ألا نقدم شيئا لهذا الشعب في وقت الشدة؟

ـ لا.. بل نقدم عندما تحركت مصر في 23 نوفمبر 2004 بالدعوة لمؤتمر دولي حول العراق كان الهدف هو التوصل إلى تحقيق التوافق الدولي لأول مرة بشأن شكل ومنهج التسوية. فمصر استضافت هذا الجهد وتعرضت لانتقاد كثير من اليساريين العرب.. الحقيقة به قدر من الظلم.

وفي إطار العمل السياسي ذهبت لاجتماع حضره 80 وزير خارجية في بروكسل يوم 22 يونيو 2005، فات الكثيرون ان هناك 5 أعلام فقط في الاجتماع.. في البهو الخارجي هي أعلام الأمم المتحدة باعتبارها المنظمة المعنية بالشأن العراقي والولايات المتحدة باعتبارها القوة الكبرى على الأرض، والاتحاد الأوروبي باعتباره القوة القادرة على المساهمة مالياً في مساعدة العراق واليابان باعتبارها احد الأطراف المانحة، ومصر.

* رفع علم مصر بأية صفة: أشير هنا إلى مسألة الاستثمار في العراق.. هل لدينا أوراق حقيقية في الشأن العراقي ؟

ـ مصر عضو لجنة التسيير بكل الجهد السياسي الخاص بالعراق والتي استضافت وزراء مؤتمر شرم الشيخ.. وجاءت روسيا لتشكو من عدم مشاركتها، وبسعي جاد من مصر والاتحاد الأوروبي أضيفت روسيا في اللحظات الأخيرة إلى المجموعة وأصبحت 6 أطراف.

اللجنة السياسية لهذا الاجتماع رأسها وزير خارجية مصر وهو الذي أدار لمدة ساعتين مؤتمر بروكسيل في قلب الاتحاد الأوروبي، اقصد ان العمل المصري بشأن العراق موجود.

ولكن مصر أصيبت بضربة هي قتل السفير المصري وحدث هذا في إطار محاولات لطرد الوجود الأجنبي والعربي من بغداد. وفي هذا الإطار قتل جزائريان وأطلقت النيران على سفير البحرين وعلى السفيرين الباكستاني والروسي. ولايجب ان ننسى ان مصر هي التي ساهمت على مدى شهور عام 2004 في صياغة الموقف العربي تجاه العراق.

* أوراق معنوية

* كيف ونحن لا نملك أوراقا مصرية في العراق؟

ـ ليست لنا أوراق مادية كبيرة أو مماثلة لأوراق الدول الكبرى هناك، لان التواجد المصري حوصر بمجرد وقوع الاحتلال. ولكن لدينا أوراقا دبلوماسية ومعنوية. أفلم تستضف مصر في شرم الشيخ (22 نوفمبر 2004) المؤتمر الدولي حول العراق، بمشاركة دول جوار ومجموعة الدول الثماني والصين.

ثم جاء مؤتمر بروكسل الدولي حول العراق الذي شاركت فيه 88 دولة، حيث قامت مصر برئاسة اللجنة السياسية للمؤتمر. هذا في الوقت الذي تحرص فيه مصر على استمرار اتصالاتها بكافة الطوائف العراقية، دفعاً لجهود التوصل إلى التوافق الداخلي في العراق.

ويهمني ان أوضح انه في ظل تلك الأوضاع الحساسة، لا يجب ان يكون الجهد السياسي أو الاتصالات الدبلوماسية محلاً للأضواء الإعلامية، لذا، فإن اتصالاتنا وتحركاتنا تتم بوتيرة هادئة، سواء مع المسؤولين العراقيين أو مع مختلف الطوائف العراقية.

أما على المستوى الثنائي، فإن مؤسسات الدولة المصرية كافة تمد يد العون للعراق وأبنائه، فمسارات التعاون الفني ممتدة ومتعددة بين بغداد والقاهرة، على سبيل المثال مع وزارات الكهرباء والموارد المائية والري، فضلاً عن الإسكان والمرافق، وذلك بالإضافة إلى اهتمام وزارة الخارجية المصرية بتدريب شباب الدبلوماسيين العراقيين بمعهد الدراسات الدبلوماسية التابع للوزارة.

* ما هي الأوراق المصرية في المشرق عموماً... أعتقد ان مصر فعلاً حاولت إنقاذ سوريا بمناسبة القرار 1559، ولكن سوريا معرضة لضغوط شديدة ومطروح عليها قضية تغيير النظام وكذلك عقوبات الأمم المتحدة اذا ما أوصى تقرير ميليس بذلك.. ما هي الأوراق التي سنعمل بها في هذه الحالة؟

ـ الأوراق المصرية هي أوراق خاصة بقدرة مصر على التحاور والتشاور مع كل الإطراف المهمة والمناقشة والتشاور معها لمنع الصدام ولوقف اي تدهور في العلاقات الدولية السورية، ومن خلال الاتصالات المصرية السورية يتحقق التواصل على منهج ما، وهذا التوافق يتم من خلال لقاءات القمة أو لقاءات الوزراء ويتم على فترات قريبة نسبياً.

*هل لدينا موقف مشترك حالياً مع السوريين؟

ـ القمة المقبلة أو الاستثنائية كانت تستهدف الكثير من النقاشات في الشأن العربي لم تحدث وأمل ان..

*وهل كانت لدينا أفكار محددة نضعها أمام القمة المجهضة؟

ـ لا أريد ان أتحدث في هذا الموضوع.. ان مصر دائما تسعى لتفويت أي وضع يؤثر بالسلب على أي دولة عربية.. مصر تسعى إلى صياغة المواقف بالشكل الذي يمنع الصدام بين طرف عربي وطرف خارجي.

* إذن ليس لدينا أوراق مادية فيما يتعلق بالعراق أو حتى سوريا.. هل تفكرون في العودة وبناء التأثير في العراق؟

ـ التأثير موجود، ولكن طالما استمر هذا الوضع غير المستقر في العراق لا أتصور انه من المناسب العودة بقوة.

؟ طالما عندك فجوة موارد، فهناك مشكلة.. هل لدينا اذن تصور عن تحالفات عالمية مقتدرة تخفف من احتكار أميركا للقرار في الساحة العربية؟

ـ لا تستطيع دولة مثل مصر ان تشكل تحالفا ولكن مصر عليها ان تراقب وبدقة شديدة علاقات القوى وأن العالم سيشهد نحو عام 2030 بروز الصين كقوة عالمية أولى أو ثانية، وعندما نلاحظ ان هناك اتحادا أوروبياً قادراً وفعالاً اقتصادياً يرغب في الاتفاق على سياسة موحدة وعلى أمن موحد وعلى قدرات عسكرية موحدة عندها يجب ان يوضع هذا تحت المنظار.

*علاقات مع المحاور

* إذن عندك مناورات عسكرية صينية روسية وبداية تشكل تحالف جديد.. والفكر العربي يقول إن علينا التوجه لآسيا؟ ماذا فعلنا في هذا الموضوع؟

ـ فعلاً التوجهات الصينية الروسية توضع تحت المنظار.. وتتابع بدقة.. مصر تسعي للحفاظ على علاقات طيبة مع محاور رئيسية على المسرح الآسيوي، المحور المصري الياباني شيء هام، المحور المصري الصيني والهندي ثم العلاقة بصفة عامة تجاه آسيا وهناك اهتمام مصري يؤكده قيام مساعد وزير الخارجية بست زيارات لآسيا، خلال اثني عشر شهرا قام خلالها بالتفاوض مع 30 دولة آسيوية.

* ولكن الرئيس مبارك لم يذهب إلى الهند وهو مدعو إلى نيودلهي منذ عشر سنوات للحصول على جائزة جواهر لال نهرو. والهنود غاضبون ويعتقدون أن هذه رسالة عدم اكتراث بالقوة الهندية الصاعدة؟

ـ يمكن أن أتصور أن هذه الزيارة ستتم في الوقت المناسب.

* هل فكرتم في القيام بمبادرة تاريخية نحو الصين والهند؟ ما هو الجديد الذي يمكن أن يحدث تحولات؟

ـ المنتدى الصيني العربي هذا شيء مهم جداً والمنتدى الآسيوي هذا شيء مهم جداً والياباني العربي كذلك.

* وما هي اهميته؟

ـ مهم لأنه يقيم علاقات استراتيجية عربية مع هذه الدول الآسيوية وينفتح على العالم اقتصاديا بشكل غير مسبوق. وبالمناسبة مجموعة الـ «15» ما زالت نشطة.

* نعود إلى الأوضاع الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وهي المجال الحيوي لمصالحنا القومية كمصريين وعرب، هل لدينا رؤية جديدة؟ هناك اقتراحات شتى. هل درستموها؟ وهل وجدتم طريقة لتغيير توازنات القوى في المنطقة؟

يبدو الأمر وكأن إسرائيل قد انتصرت. فماذا انتم فاعلون في هذه القضية؟ ماذا نفعل كمصر وكعرب لمواجهة الرؤية الشارونية للحل وتمكين الشعب الفلسطيني من الحصول على حقوقه التاريخية والسياسية؟ هل لدينا استراتيجية؟

ـ سؤالك هذا يتضمن عدة أسئلة في نفس الوقت. ويهمني أن أجيب على كل منها بشكل منفصل. فالمسائل التي تثيرها في غاية الأهمية وأعتقد أن أقصى درجات الوضوح مطلوبة في هذا الشأن. أولاً بالنسبة لرؤية مصر الاستراتيجية للمنطقة، نحن رؤيتنا ثابتة لهذه المنطقة منذ ما يقارب النصف قرن.

وهي رؤية تقوم على دعامات محددة: مصلحة مصر الاستراتيجية تكمن في بناء منطقة مستقرة، يسودها السلام وتشعر فيها كل دول المنطقة بالأمن، وتحتل فيها قضية التنمية مركز الصدارة. وهذه هي الخطوط العريضة التي تندرج فيها مساعي مصر منذ قبول الرئيس عبد الناصر لمبادرة روجرز وحتى هذه اللحظة.

هذا هو الإطار الاستراتيجي الذي يدور فيه سعينا مثلا للتوصل إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وتحقيق سلام شامل عادل دائم يقوم على استرداد الحقوق الفلسطينية. إذن الرؤية الاستراتيجية نفسها لم تختلف حيث اقتصر الاختلاف على الأدوات الخاصة بتحقيقها.

أما سؤالك الثاني الذي تستخدم فيه تعبير انتصار إسرائيل، فإنني في الحقيقة لا ادري ماذا تعني بذلك بالضبط؟ هل اعتراف إسرائيل بالشعب الفلسطيني وحقوقه يشكل انتصاراً لها؟ هل إقامة سلطة فلسطينية وتشكيل حكومة فلسطينية وإخلاء مستوطناتها من غزة وشمال الضفة وقبولها لخريطة طريق تقضي بإقامة الدولة الفلسطينية وفقاً للقرار 242 والمبادرة العربية للسلام، هل كل ذلك يعتبر انتصاراً لها؟

هل اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بالحاجة لتأييد إقامة دولة فلسطينية يمثل انتصاراً لها؟ أنا أرى ان ذلك كله يمكن وصفه بأنه انتصار لإرادة السلام والتعايش، انظر إلى المبادرات والتصورات التي يضطرم بها المجتمع الإسرائيلي اليوم وكيف تحول الحديث إلى مفردات جديدة: الدولة الفلسطينية، حدود 67، الانسحاب، إخلاء المستوطنات، الحكومة الفلسطينية.. وغيرها.

انظر أيضاً إلى الانسحاب الإسرائيلي من غزة وكيف يشكل اعترافاً من اليمين الإسرائيلي بأن فكرة التوسع قد فشلت، وبأن الاحتلال واستيطان أرض الغير لا مستقبل له. إن إسرائيل في رأيي لم تنتصر ولكنها تتغير، وهذا عامل مهم جداً ويجب متابعته بدون أحكام مسبقة.

أما السؤالان الثالث والرابع فهما وجهان لعملة واحدة. وبصراحة، أنا أريد ان أسألك ماذا تعني بالرؤية الشارونية بالضبط؟ نحن نبني استراتيجيتنا في شكل فعل وليس كرد فعل. إن مصر بمعنى آخر تبني استراتيجية لاستعادة الحقوق الفلسطينية. فهناك حقوق فلسطينية ثابتة لا يمكن التفريط فيها أو التنازل بشأنها، تضعها المساعي المصرية في عملية السلام نصب أعينها.

جاء شارون بخطة ـ مثل الانسحاب من غزة ـ وكانت تحقق المصلحة الفلسطينية، وهو الواقع هنا، تبذل مصر قصارى الجهد للمساعدة على تنفيذها بالشكل الذي يخدم المصلحة الفلسطينية والمصرية. إذن المعيار ليس نظريات حول رؤى رئيس الوزراء شارون أو غيره، فالمحك الحقيقي للتحرك المصري يتمثل فيما يمكن ان يحقق مصلحة مصر وفلسطين.

* ماذا عن الموقف من الملف النووي الإيراني. لماذا لم تعلنوا موقفا محددا حتى الآن؟

ـ قبل الرد على سؤالك، يهمني ان أؤكد ان مصر لا يمكن ان تغفل ثقل إيران الإقليمي ومدى ارتباطه بأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، ومن جانب آخر يهمني ان أبرز أيضا مدى اهتمام مصر بدعم نظام منع انتشار أسلحة الدمار الشامل .

وفي مقدمتها السلاح النووي. نخلص من هذا إلى أن موقفنا من المسالة الإيرانية يستند إلى اربعة أسس رئيسية: الأول: رفض مصر امتلاك دولة من دول الشرق الأوسط لبرنامج نووي عسكري تحسباً للإخلال بالأمن الإقليمي في المنطقة، لا سيما وأنها تعاني بالفعل من خلل في هذا المضمار. الثاني :

أهمية استمرار التعامل مع الملف النووي الإيراني في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية حفاظاً على مصداقيتها. الثالث: أن المسألة الإيرانية تعد نموذجاً جيداً لتجسيد ضرورة تحقيق عالمية معاهدة منع الانتشار، الأمر الذي يفرض ضرورة انضمام إسرائيل إليها باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم تنضم للمعاهدة بعد.

وأخيراً: عدم تقييد حق الدول في الانتفاع من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية باعتباره حقا أصيلا بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي للدول الأطراف (المادة 4).

*مبالغة

* لقد انقلب الحال وبدلاً من ان يمسك الجنوب بزمام المبادرة التاريخية لإصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي الدولي، من أجل العدالة والتنمية نجد ان الشمال هو الذي يمسك الآن بالمبادرة ويضغط لإصلاحات جوهرية في العالم الثالث.

وخاصة فيما يتعلق بالديمقراطية والفساد وغيرها من مظاهر المرض المنتشر في الجسم الاجتماعي هنا ألم نكن نستطيع ان نقرأ الصورة وأن نتقدم برؤية ايجابية للإصلاحات الضرورية في عالمنا الثالث والعربي فنصلح أنفسنا قبل أن يضغطوا علينا ؟! ولماذا نكتفي برؤية دفاعية محافظة بالرغم من أننا نعرف أنه ليس لديها فرصة في النجاح؟

ـ هذا كلام يشوبه قدر كبير من المبالغة.. فعلى المستوى العربي، لا أعتقد أن من يقول به قد تابع بشكل دقيق القمتين العربيتين الأخيرتين في تونس والجزائر حيث اتفق على أهمية الوثيقة التي أصدرها القادة العرب في تونس العام الماضي .

وكان لمصر دور كبير في إقرارها. هذه الوثيقة يتعهد فيها القادة بالمضي قدما في عمليات تحديث وتطوير سياسي واقتصادي وأيضا ثقافي/ اجتماعي بالشكل الذي يمكننا من مواجهة الواقع العالمي المعقد وتطوره سريع الوتيرة الذي نعيشه اليوم.

أما على المستوى الوطني فأعتقد ان النموذج الذي تقدمه مصر لتحديث وتطوير مسيرتها السياسية والاقتصادية هو نموذج جاد بمعنى الكلمة لاسيما وأنه ينبع من الذاتية المصرية ويعكس خصوصية نسيجها الثقافي والاجتماعي ويسعى للاستجابة إلى تطلعات الشعب المصري والتحديات التي يواجهها.

. وأود في هذا السياق ان أسلط الضوء على ما ذكرته بالنسبة للانتخابات الرئاسية التي شهدنا فيها طفرة في كل ما يتعلق بقيم المشاركة وحرية الممارسة السياسية والديمقراطية وحرية التعبير والتصويت المباشر بالنسبة لأكثر من مرشح لمنصب رئيس الجمهورية.

* هل تتوقع توجهات جديدة بالنسبة للسياسة الخارجية المصرية بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مصر اذن؟ وما هي ؟

ـ أثق أنك لمست بنفسك الاهتمام العالمي بعملية الانتخابات الرئاسية في مصر،وأثق أيضاً أنه استرعى انتباهك ان الأصداء الإعلامية، مهما تفاوتت في نبرتها بين النقد والإشادة أو بين الموضوعية والانحياز.

فقد جمع بينها قاسم مشترك يؤكد أن يوم 7 سبتمبر يمثل تحولاً تاريخياً بالغ الأهمية بالنسبة لمسار التطور الديمقراطي، وانه سرعان ما سيلقي بتداعياته على المنطقة بأسرها كعهد مصر دائما كرائدة لتجارب التغيير والتطوير في المنطقة، فالتاريخ المعاصر يزخر بمثل تلك الأمثلة.

لذا فسوف تضطلع الدبلوماسية المصرية بدور نشط في المرحلة المقبلة لشرح هذا النموذج للعالم الخارجي بكل خلفياته وتطوراته ودلالاته.

القاهرة ـ د. محمد السيد سعيد: