على مقربة من دبابة إسرائيلية تمركزت عند الشريط الحدودي الجديد في المنطقة الفاصلة بين شمال قطاع غزة وفلسطين المحتلة عام 48، وفي المنطقة المحررة التي كانت تعرف بمستوطنة نيسانيت، وقف الطفل أحمد عبدالله حاملاً راية حركة الجهاد الإسلامي الملتصقة بعلم فلسطين، والمكتوب عليها «بالدم كتبنا الانتصار».
وبدأ بالتلويح بها.. لكن هذا المشهد لم يرق للجندي الموجود في الدبابة، حيث بدأ يحرك مدفعية الدبابة أملاً في ابتعاد أحمد، لكن الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر بعد صمم على البقاء، وتفاعل مع كل حركة للدبابة، فازداد تلويحاً بالراية وصمم على زرعها أمام الدبابة.
وبالفعل كان له ما أراد فقد حفر حفرة صغيرة غرس الراية فيها، وعاد إلى تجمع للشباب والأطفال من طلبة المدارس الذين توافدوا على المنطقة ليروا أرضهم المحررة من براثن الاحتلال الغاشم، وبدأ الجميع بالهتاف تمجيداً للمقاومة وتخليداً لذكرى الشهداء الأبطال الذين صنعوا النصر بدمهم الطاهر وكتبوا على العدو اندحاراً، مرددين:
«الموت لإسرائيل... الموت لإسرائيل». قال أحمد أثناء غرسه للراية أمام الدبابة الصهيونية إنه مصمم على غرسها مهما كلفه الأمر من مشاقٍ ومهما كان الخطر على حياته. وأضاف: «اليوم الاحتلال ينسحب من غزة وإن شاء الله ستظل المقاومة مستمرة حتى تدمير إسرائيل، وأتمنى زوال الاحتلال عن الضفة قريبا حتى يتمكن أطفال الضفة من اللعب وممارسة حياتهم الطبيعية».
ووقف ضابط أمن فلسطيني يستجدي الأطفال والشبان للخروج من منطقة التماس والتي من المحتمل في أي لحظة أن تفتح قوات الاحتلال العنان لرشاشاتها لتنال من الأجساد الصغيرة التي أحبت رؤية ثمار الانتفاضة والمقاومة.
وبعد تمكنه من إبعاد الأطفال والشباب من أمام الآلية العسكرية بدأت الأخيرة بإطلاق كثيف لنيران أسلحتها الرشاشة تجاه الأطفال والشباب والمواطنين الذين أتوا من المناطق الشمالية للقطاع للاحتفال بالاندحار ولملامسة الأرض التي حلموا بتحريرها وقدموا من أجل ذلك أرواحهم رخيصة في سبيلها.
وبينما نحن مع الطفل الأسطورة تقدمت منا الحاجة أم صالح (62 عاماً) لتعبر عن فرحتها بالاندحار الصهيوني وتحرير جزءٍ عزيز من أرض فلسطين من دنس الاحتلال وأخذت تلوح بالعلم الفلسطيني أمام آليات الاحتلال التي تجمعت لتساند الدبابة الأولى التي بدأ الأطفال برشقها بالحجارة، ووقفت أم صالح مبتسمة أمام آلية الاحتلال ولسان حالها يقول:
«حترجع كمان وكمان حتى تزول يا طغيان». وعن شعورها بالاندحار الصهيوني قالت أم صالح: «أنا مثل كل مواطن فلسطيني يراقب تراجع الاحتلال، أنا لا استطيع وصف الفرحة، هذا كله بفضل الله وبصمود الشعب وبدماء الشهداء وبأنات الأسرى، وإن شاء الله حتزول إسرائيل من كل فلسطين».
وشاركت في الحديث والفرحة أم جميل (48 عاماً) التي عبرت عن فرحتها الشديدة وقالت إن لزوجها جزءا من هذه الأرض المحررة ستعمل معه وجميع أبنائها على زراعتها وإعادة الحياة إليها. واستطردت قائلة: «يجب أن نعمر أرضنا ونزرعها حتى نستفيد منها بعد ما كان المستوطنون وجيش الاحتلال يستفيدون من خيراتها ومن مياهها التي تعد أنقى مياه في قطاع غزة».
غزة ـ ماهر إبراهيم: