باستكمال انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، دخل القطاع عهداً جديداً، وإن اختلفت الرؤى والمواقف في توصيف الوضع القانوني والسياسي لهذا العهد. وتتباين تفسيرات الوضع الذي بدأ في الظهور في القطاع بين كيان سياسي جديد أو دولة حدود مؤقتة أو منطقة حكم ذاتي أو منطقة وصاية أو حتى منطقة خاضعة للاحتلال.

وتفضل إسرائيل أن ترى في قطاع غزة الدولة الفلسطينية المستقلة التي يطالب بها العالم للشعب الفلسطيني لأن بعض قادتها يعتقدون أنهم يستطيعون بذلك الالتفاف على المطالب الفلسطينية ببقية الأراضي المحتلة في الضفة بما فيها القدس. أما السلطة الفلسطينية فترى في غزة منطقة محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على كل الأراضي المحتلة العام 67. وما يعزز توجه السلطة هذا هو بقاء السيطرة الإسرائيلية بشكل أو بآخر على أجزاء من، أو على كامل الحدود البرية والبحرية والجوية للقطاع.

وأياً كانت الرغبات والمصالح الكامنة وراء هذه التوصيات فإن قطاع غزة سيكون، بدءاً من اليوم، في وضع جديد مختلف عن الوضع السابق.ويقول الدكتور خليل الشقاقي مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية:«منذ يوم الاثنين ـ يوم التحرير ظهر فراغ في قطاع غزة، بعد أن غادرته قوات الاحتلال الإسرائيلية، وستملأ السلطة هذا الفراغ كأمر واقع وليس بالاتفاق».

ويرى الشقاقي أن :«الوضع القانوني للقطاع في المرحلة المقبلة سيكون غير واضح، حيث ستظل السلطة تعتبره منطقة محتلة، لكن على أرض الواقع ستتصرف السلطة في القطاع كما لو كانت دولة مستقلة، وإن بحدود مؤقتة». وأضاف : «إن دولة بحدود مؤقتة ستظهر في القطاع فور استكمال الانسحاب الإسرائيلي منه. هذا سينشأ بحكم الأمر الواقع وليس بالاتفاق».

وسلمت إسرائيل معبر رفح، الذي أغلقته، للفلسطينيين. لكن مسؤولين في السلطة يقولون بأنها لن تتمكن من تشغيل المعبر من دون اتفاق مع الجانبين المصري والإسرائيلي.ويتيح خلو قطاع غزة من القوة المحتلة بعد 38 عاماً من الاحتلال، للسلطة أن تعلن عن دولة مستقلة في هذا الجزء الصغير من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67،

وأن تطالب تبعاً لذلك بعضوية في منظمة الأمم المتحدة، لكن أحداً لا ينصح بذلك خشية أن تؤثر خطوة من هذا النوع على المطالب الفلسطينية بانسحاب قوات الاحتلال من الجزء الأكبر المتبقي من هذه الأراضي تحت الاحتلال وهي الضفة الغربية التي تشكل 94 في المئة من مساحتها الكلية.

يقول الشقاقي :«الإعلان عن دولة مستقلة في قطاع غزة يضعف التفاوض على الضفة لذا فإن السلطة لن تقدم عليه».ويرى المختصون في القانون الدولي أن بقاء السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من حدود القطاع ينتقص من عنصر السيادة فيه، وبالتالي يؤثر على المكانة القانونية له.وقال الدكتور ياسر العموري أستاذ القانون الدولي في جامعة بير زيت:»عناصر السيادة أربعة هي الإقليم والشعب والسلطة والسيادة، وبقاء السيطرة الإسرائيلية على حدود غزة البحرية أو البرية أو الجوية أو أجزاء منها ينتقص من هذه السيادة».

ويرى أن أقرب وصف لقطاع غزة، والحال هذه، هو الحكم الذاتي. وأضاف:«وفي مستويات أخرى من السيطرة الإسرائيلية سيكون قطاع غزة أقرب إلى مكانة الوصاية أو الانتداب».وتدور الكثير من الأسئلة في الشارع الفلسطيني اليوم بشأن الكثير من الإجراءات التي كانت مرتبطة بالاحتلال مثل سجلات المواليد وشهادات النفوس وبطاقات الهوية وجوازات السفر وغيرها.

ويقول وكيل وزارة الداخلية أمين مقبول إن جميع أشكال هذا التنسيق والتعاون ستتوقف. وأضاف:«سنوقف تغذية الحاسوب الإسرائيلي بالمعلومات الخاصة بأهلنا في القطاع، وهذا أمر تم الاتفاق عليه بين الجانبين».ولم تتضح بعد الجوانب والأبعاد القانونية لوجود سجلين منفصلين للسكان، واحد لسكان غزة وآخر لسكان الضفة. وقال أمين مقبول بأن الوزارة تجري دراسة لهذه الأبعاد والجوانب.

لكن السلطة تبدي حرصها على بقاء الغلاف الجمركي لقطاع غزة والضفة موحدا وذلك بهدف ضمان استمرارية الوحدة الجغرافية بينهما. ويسود اعتقاد واسع أن غزة ستشكل اختباراً لقدرة السلطة الفلسطينية على العمل وبالتالي على جدارتها في مطالبة المجتمع الدولي بضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة. وقال الشقاقي:«المهمة الأولى للسلطة اليوم هي فرض القانون والنظام في غزة، وإذا ما فشلت في ذلك فإن العالم سيتخلى عنها».