يرى الخبراء أن قطاع غزة مهدد باختناق سكاني تنتج عنه أعباء اقتصادية ومعيشية ضخمة إذا لم يتحقق التواصل الجغرافي بين هذه المنطقة التي تعتبر من الأكثر كثافة في العالم وبين الضفة الغربية.ويقول خليل نجم مدير «التخطيط المكاني» في وزارة التخطيط الفلسطينية إن «غزة تعاني أصلا من كثافة سكانية وضيق المساحة، ومن دون التواصل مع الضفة لا يمكنها حتى استيعاب شخص واحد إضافي، إن صح التعبير».
وتبلغ الكثافة السكانية حاليا في قطاع غزة 3457 شخصاً في الكيلومتر المربع الواحد وهي تنافس بذلك سنغافورة وهونغ كونغ. وفي الوقت ذاته تفيد أرقام المركز الفلسطيني للإحصاء أن عدد سكان القطاع سيتضاعف تقريبا خلال عشر سنوات ليصل إلى 2,2 مليون نسمة، مقابل 4,1 مليون حاليا، في حين يتوقع أن يصل العدد إلى ثلاثة ملايين في 2025. وتعود هذه الزيادة السريعة في السكان إلى ارتفاع نسبة الخصوبة، التي تبلغ 8,6 أطفال، مقارنة مع 4,4 في الشرق الأوسط و6,1 في الدول الصناعية.
وتبلغ نسبة النساء في القطاع ممن هن في في سن الإنجاب(من 15 الى 44 سنة) 84 في المئة، مقارنة مع 80 في المئة في الشرق الأوسط، و60 في المئة في الدول المتقدمة. ويتوقع ان يرتفع عدد النساء القادرات على الإنجاب بنسبة 60 في المئة حتى عام 2010. ويعتبر معدل نمو السكان في الأراضي الفلسطينية من بين الأعلى في العالم حيث يبلغ 52,4 في المئة حاليًا.
ويقول نجم إن «الزيادة السكانية تفرض بلا شك تحديات جسيمة على مستوى الموارد المائية والبنى التحتية والتعليم والصحة في فلسطين عموما وغزة بوجه خاص». ويضيف: «محادثاتنا مع الإسرائيليين تتركز على فتح المعابر، لأنه إذا لم تفتح الحدود سنظل نعتمد على التمويل الخارجي والإغاثة ولن نتمكن من تنفيذ مشاريع تنموية مستديمة صناعية وزراعية، ولا من تصدير إنتاجنا الزراعي، وهذا سيزيد البطالة والفقر».
ويؤكد أن «مشكلات قطاع غزة عموما، والمشكلة السكانية خصوصا، لن تحل إلا في إطار دولة فلسطينية مستقلة، وإلا فان كل ما سيتغير بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية هو تحسين الحركة داخل القطاع فقط».ولكن المحلل الاقتصادي صلاح عبد الشافي يبدو أكثر تشاؤما فهو يؤكد انه «حتى في أفضل الأحوال، وان حصلنا على حرية المرور، ومع قيام دولة فلسطينية، ستبقى التحديات كبيرة».
ويقول إن «المسألة الأساسية المطروحة هي مدى قدرة الدولة الفلسطينية بمواردها المائية وأراضيها وبنيتها التحتية، على استيعاب سكانها».ويشير عبد الشافي إلى دراسة أعدتها مؤسسة راند كوربوريشن الدولية (2005) حول «بناء دولة فلسطينية ناجحة» التي تؤكد انه حتى في حال قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967 فإن هذه الدولة ستكون الثانية عربيا من حيث كثافة السكان بعد البحرين.
وتفيد هذه الدراسة ان كثافة السكان في الدولة الفلسطينية ستصل إلى 567 شخصا في الكيلومتر المربع. ولكنها سترتفع مرتين أو ثلاثا إلى ما بين 985 و1457 شخصا في الكيلومتر المربع خلال 25 سنة.ونظرا لقلة الموارد المائية وضعف قدرتها على التجدد، فان تلك الدولة ستواجه مشكلات حقيقية منذ البداية. ويبلغ متوسط الاستهلاك الحالي للمياه في الأراضي الفلسطينية نصف الحد الأدنى من الاحتياجات وفق معايير الأمم المتحدة.
ويقول عبد الشافي «يعيش اليوم 6 ـ 4 أشخاص في الوحدة السكنية، وهو «رقم مرتفع وفق المعايير الدولية، ويمكن أن نتخيل صعوبة المحافظة على هذا المعدل مع استيعاب الزيادة المتوقعة»، حيث يتوقع مركز الإحصاء الفلسطيني زيادة عدد السكان بما بين 2,2 و5 ملايين شخص بحلول 2025.
ويقول عبد الشافي إن «المشكلة تكمن في ضيق المساحة، أين سيتم بناء تلك الوحدات السكنية، وكيف سيتم توفير البنى التحتية من طرق ومجار وشبكات مياه، عدا الخدمات الصحية والتعليم؟». وتؤكد دراسة «راند» أن النمو السكاني يشكل تحديا كبيرا لقطاع التعليم الذي يضم حاليا أكثر من مليون تلميذ و90 ألف طالب جامعي، وهو عدد يتوقع أن يرتفع بنسبة 50 في المئة خلال عشر سنوات ويتطلب توظيف 18 ألف مدرس إضافي.
(اف ب)