يعاني سكان البلدة القديمة في مدينة الخليل من عملية تهجير مبرمجة على يد ثلة من المستوطنين الذين يتلقون دعم الحكومة لتهويد المدينة من دون ضجة، فبعدما كانت تعيش في البلدة 500 عائلة لم تبق هناك سوى عشر. وأثار هذا الوضع الكاتب في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية جدعون ليفي الذي كتب أن إسرائيل لا يمكن أن تعتبر دولة قانون أو ديمقراطية طالما تواصلت عمليات التنكيل الجماعية، فالدول تُحاكَم أيضا بناء على ما يحدث في باحتها الخلفية.
ويعتبر حالة «مدينة الآباء والأجداد» باحة مظلمة بصورة غير اعتيادية. لا يتعلق الأمر بقضية سياسية داخلية أو خارجية بحسب ليفي بل بوجود أو عدم وجود مستوطنة بعينها وإنما ترتبط بطابع النظام في إسرائيل، إذ يتوجب اقتلاع هذا الشر فوراً ومن دون شرط قبل أن يستشري.
ويقول إن «ما يحدث في الخليل يختلف عن كل ما يحدث في مناطق الاحتلال، هناك أعمال شنيعة هي من أخطر ما ولده رحم المشروع الاستيطاني. ففي الوقت الذي يشكو فيه المستوطنون من «اقتلاعهم» من غوش قطيف ويُنظّر البعض عندنا داعين لمصالحتهم والتضامن مع مصيرهم، تتواصل أعمال طرد الفلسطينيين من الخليل بأعداد مرعبة».
ويضيف أن «من يدعو إلى إبداء الشفقة تجاه المستوطنين المُرحلين من غزة ويصمت عما يفعله المستوطنون في الخليل يكشف عورته الأخلاقية المتكلفة وغير الحقيقية. ولكن تصرف المستوطنين الوحشي ليس المسألة المركزية التي يتوجب أن تثير العاصفة وإنما سلوك الدولة التي لا تمنعهم من ذلك، لا بل وتقدم لهم العون والمساعدة.
بدل الحديث عن الفوضى في غزة عليهم بالخليل، فهناك تسود الفوضى في ظل دولة ذات أجهزة متطورة لفرض القانون وتحت سمعها وبصرها (المغمض) من خلال الموافقة الصامتة».ويتهكم ليفي على من ينشغلون الآن في مأساة اقتلاع الناس من منازلهم في غوش قطيف، ولكن عملية الاقتلاع والطرد الجارية في الخليل أكثر قسوة ووحشية بدرجة لا تقارن. فعدد المطرودين أكبر بكثير وهم يصبحون محرومين من كل شيء ومعدمين. وليس هناك من يهتم لمصيرهم.
وفي ضوء عملية التنكيل المبرمجة يرى ليفي أن «من لم يزر المدينة في السنوات الأخيرة لن يُصدق ما تراه عيناه. في المنطقة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل سيجد أمام ناظريه مدينة أشباح، مئات البيوت مهجورة وعشرات الحوانيت مدمرة أو محترقة لأن المستوطنين قاموا بصهر أبوابها، وصمت القبور مطبق في كل مكان، وحسب التقديرات غير الرسمية لم يتبق في المكان أكثر من عشرة آلاف مواطن، أما الباقون فرحلوا تاركين منازلهم وأملاكهم بعدما لم يتمكنوا من تحمل المزيد من اعتداءات المستوطنين.
«هذا أكبر اقتلاع يحدث للسكان في السنوات الأخيرة، وهو الإبعاد والطرد الحقيقي» هكذا يصف الكاتب الإسرائيلي ما يراه في المدينة. فكلما سار طفل فلسطيني لمدرسته تكون هذه طريق الآلام والرعب بالنسبة له، وكلما خرجت ربة بيت للشراء تحول خروجها إلى جملة من الإهانات، فأبناء المستوطنين يركلون العجائز حاملات السلال، والمستوطنون يتركون كلابهم تنقض على الشيوخ، أما القمامة والقاذورات والبراز فتُلقى من شرفات منازل المستوطنين إلى باحات بيوت الفلسطينيين.
القدس المحتلة ـ «البيان»