رغم أهوال «الطوفان الكبير» الذي أتى به إعصار «كاترينا» المدمر على ولاية نيو أورليانز المحاذية لخليج المكسيك، لا يزال الأميركيون العاديون يحاولون التغلب على أحزان هجمات 11 سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك. في مواجهة «المصادفة السوداء» بين «غضب الطبيعة» الذي ضرب نيو أورليانز في الذكرى الرابعة لـ «غضب الإرهاب» الذي ضرب نيويورك وواشنطن.
يحاول الأميركيون تعلم الدروس من المآسي التي تعصف ببلاد «العم سام». ويعربون عن خشيتهم من ارتفاع عدد ضحايا إعصار «كاترينا» في ولاية نيو أورليانز إلى أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وهو عدد الضحايا الذين سقطوا في الهجمات على نيويورك وواشنطن قبل أربع سنوات.
وفي خضم العيش بين هواجس المأساتين، تتواصل جهود السلطات الحكومية والمدنية في الولايات المتحدة لتجفيف ولاية نيو أورليانز التي غرق أكثر من 70 في المئة منها بالمياه، ولإخراج نحو عشرة آلاف مواطن لا يزالون في الولاية التي رحل عنها سكانها البالغ عددهم نحو نصف مليون باتوا بلا مأوى في الولايات المجاورة، ولإحصاء عدد الضحايا الذين تحللت جثثهم في المناطق المنكوبة.
غير أن اللافت في خضم هذه المأساة، أن قادة الرأي الأميركيين أوقفوا «لعبة» إلقاء التهم بالتقصير ضد رئيسهم جورج بوش بعد أيام من احتدامها، وانصرف الجميع إلى جمع التبرعات لإيواء المشردين وتعويض المتضررين. وبقي على ألسنة الجميع تساؤل يكاد يكون وحيداً: ماذا لو تعرضت أميركا لهجوم إرهابي جديد على غرار هجمات 11 سبتمبر 2001 في خضم هذا المآزق.
في ذكرى تلك الهجمات، يسترجع الأميركيون ذكريات مؤلمة، يوم تعرضت فيه أقوى دولة في العالم لهجوم في عقر دارها، وكان أشد وطأة من هجوم القوات اليابانية على بيرل هاربور الذي يبعد مئات الأميال عن شواطئ الولايات قبل أكثر من 60 عاماً، والذي أدى إلى دخول الولايات المتحدة طرفاً في الحرب العالمية الثانية.
كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن بمثابة إعلان حرب على أميركا، بالنسبة لإدارة بوش. وابتداء من ذلك التاريخ تغيرت أميركا، وتغير العالم. تلك حقيقة لم يكن من السهل تجاهلها، على الأقل بين الأميركيين أنفسهم، صحيح أن الربط بين هجمات نيويورك وواشنطن وفيضانات نيو أورليانز غير منطقي،
لكن المقارنة بين هذه وتلك تكاد تكون دائمة في وسائل الإعلام الأميركية غير أن إعصار «كاترينا» بدا كاختبار جدي أول لأنظمة السلامة التي اعتمدتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر. ذلك أن آثار الإعصار تشبه في نظر الأميركيين وكأنها هجوم بأسلحة الدمار الشامل وهذا هو الكابوس الأسوأ الذي يؤرق الأميركيين.
وقد أثبتت الأحداث أن السلطات المحلية والفيدرالية أخفقت في التعامل مع هذا الاختبار على مستويات عدة: لا استعدادات جدية على الأرض لمواجهة احتمال التعرض لهجوم ارهابي، لا وضوح على الأرض لكيفية التعامل مع هجوم كهذا على رغم انفاق قرابة 20 مليار دولار لمواجهة نتائج التعرض لهجوم بيولوجي، ولا إنفاق كافياً للحيلولة دون تعرض الولايات المتحدة لهجوم إرهابي جديد.
في خضم كل تلك التساؤلات، تكتسب الرحلة إلى الولايات المتحدة أهمية خاصة بالنسبة إلى صحافي عربي لم تطأ قدمه من قبل أرض العالم الجديد، بغض النظر عما تختزنه ذاكرته من الأحداث والمواقف المتعلقة بأعتى قوة عسكرية واقتصادية في العالم. يمكن للصحافي العربي الذي يزور الولايات المتحدة في هذه الأيام أن يلاحظ تشدد السلطات الأميركية مع المواطنين العرب الراغبين في زيارة الولايات المتحدة، بدءاً من التوجه إلى القنصليات للحصول على تأشيرة الدخول.
والسبب المعلن هو الخشية من «تسرب» الإرهابيين إلى الأراضي الأميركية. بيد أن اتضاح هدف زيارة الولايات المتحدة يبدد الخشية المذكورة، إذ تتواصل الإجراءات المشددة خلال الرحلة، وبعد دخول الأراضي الأميركية. لكن التشدد ليس محصوراً بالذين تبدو عليهم ملامح شرق أوسطية أو عرب، وتبدو هذه الإجراءات أكثر وضوحاً في المطارات الداخلية، حيث تختبر أجهزة الأمن الأميركية تجهيزات جديدة للكشف عن الممنوعات وللتدقيق في هويات المسافرين.
ولا تعفي التأشيرة الأميركية حاملها من التعرض لإجراءات قاسية من السلطات الأوروبية، فلقد اختبرت شخصياً عندما كنت متوجهاً إلى الولايات المتحدة، إن الرحلة عبر أوروبا ليست «مزروعة بالأزهار، إذ أبلغتني موظفة الحقائب لدى الخطوط الجوية الألمانية «لوفتهانزا» في مطار دبي الدولي أنه لا يمكنني الصعود إلى طائرة الشركة المتجهة إلى مطار فرانكفورت والانتقال منها إلى الطائرة المتوجهة إلى واشنطن لأنني لا أحمل تأشيرة دخول إلى ألمانيا.
وعندما أبلغتها أن وجهتي هي الولايات المتحدة ولديّ التأشيرة الأميركية، أسفت وأوضحت أن جواز سفري لبناني يتطلب تأشيرة ألمانية لاستخدام مطار فرانكفورت واسطة انتقال إلى واشنطن. هكذا اضطررت إلى إرجاء السفر يوماً واحداً، وإلى شراء بطاقة سفر أخرى على الخطوط الملكية الهولندية «كيه.ال.ام» والنزول في أمستردام والانتقال منها في الرحلة الطويلة إلى واشنطن.
وفور الوصول إلى الولايات المتحدة، وقف حراس الأمن الأميركيون يدققون في جوازات السفر وتأشيرات الدخول، بينما كان آخرون يراقبون الحقائب ويطلبون من المسافرين خلع أحذيتهم وتمريرها مع كل الأشياء المعدنية وعلب السجائر عبر أجهزة الأشعة، قبل الدخول عبر باب الأشعة، وفي الطائرة يذيع القبطان التعليمات بأنه على المسافرين التزام المقاعد لطالما كان المسافر غير مضطر لقضاء حاجته. ولا تمييز ظاهراً بين عربي وغير عربي.
بالوصول إلى مطار دالاس الدولي في العاصمة الأميركية، سألني ضابط شرطة الدخول عن سبب الزيارة، وعما إذا كنت أزور الولايات المتحدة للمرة الأولى، ثم طلب مني تعبئة استمارة تتضمن معلومات شخصية، بالإضافة إلى معلومات تفصيلية عن الأب والأم.
ووضع جواز السفر وأوراقاً أخرى في مغلف أصفر، وطلب مني التوجه إلى مكتب الهجرة على أمتار منه. وبعد انتظار لنحو ساعة مع كثيرين آخرين من جنسيات وأعراق مختلفة، دخل بعضهم يحمل مغلفات إما صفراء أو زرقاء، طلب مني أحد الضباط معلومات إضافية قبل أن يسجل بصماتي وصورتي الشخصية، ويسمح لي عندئذ بدخول الأراضي الأميركية.
يمثل الشعب الأميركي خليط أجناس وأعراق وألوان مختلفة من الذين هاجروا، أما هم أو آباؤهم أو أجدادهم، من كل جهات الأرض.ويرى المرء في واشنطن مثلاً كل السحنات: البيض المتحدرين من أصول بريطانية وايرلندية واسبانية وجرمانية وسلافية، والسود من الأصل الأفريقي الذين كان المستعمرون الأوروبيون يرسلونهم عبيداً إلى القارتين الأوروبية والأميركية، والصينيون والهنود والكاريبيون فضلاً عن ملايين المهاجرين العرب الذين ساهموا بفاعلية في صناعة ما يسمى «الحلم الأميركي».
بالنسبة إلى الأميركيين العاديين، تعتبر هجمات 11 سبتمبر 2001 التي نفذها 19 عربياً يعتقد أنهم ينتمون إلى تنظيم «القاعدة»، محاولة لتبديد «الحلم الأميركي» الجميل وتحويله الى كابوس قاتل. هؤلاء الأميركيون لا يعرفون شيئاً عن سياسات بلادهم، بل هم لا يأبهون لها في كثير من الأحيان، بغير المواطنين العرب الذين يعانون يومياً من ازدواجية المعايير في السياسة الأميركية،
بدءاً من الانحياز الدائم إلى إسرائيل ضد الفلسطينيين خصوصاً، وبقية العرب عموماً، وصولاً إلى احتلال العراق وفرض النموذج الأميركي لـ «الديمقراطية» في العالم العربي بأسره.العلامة الفارقة في حديث الأميركيين هي انهم لا يعرفون إلاّ القليل القليل عن العرب والعالم العربي، وعندما تواجههم بهذه الحقيقة، يسألون: وماذا يعرف العرب عن أميركا.
سياتل ـ علي بردى
