ساعد الرئيس المصري حسني مبارك الذي فاز بفترة ولاية خامسة مدتها ست سنوات في إشاعة الاستقرار في مصر طوال نحو 24 عاما وشجع على تطبيق إصلاحات اقتصادية حذرة في بلاده كما عمل بنشاط في جهود إحلال السلام في الشرق الأوسط. وبعد وصوله إلى منصب رئيس الدولة بعد اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981 بأيدي نشطين إسلاميين أثبت القائد السابق للقوات الجوية أنه زعيم يستطيع الاستمرار لمدة أطول كثيرا مما كان يتصور الجميع.

وكسب مبارك «77 عاما» الاحترام على نطاق واسع بأسلوبه الذي يشيع الهدوء في الشرق الأوسط الملتهب واستطاع أن يعيد مصر إلى قلب الأحداث الإقليمية بعد أن أدت معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 إلى إبعاد مصر عن العالم العربي كما تمكن من القضاء على حملة مسلحة شنها ناشطون إسلاميون للإطاحة بنظامه في التسعينات.

كما عزز تحالف مصر مع الولايات المتحدة جهود مبارك لوقف العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين لكنه كان معارضا قويا للحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق.أما في الداخل فقد اعتمد سياسات صححت المالية العامة ومهدت الطريق لتطبيق إصلاحات تعزز السوق الحرة لكن التنفيذ تعطل كثيرا وهو ما ألقى محللون اللوم فيه على مخاوف من حدوث اضطرابات اجتماعية ضد حكومة لم يكن لديها أوراق اعتماد ديمقراطية قوية.

وبعد أن بقي في السلطة 24 عاما لم يعد كثير من الشبان في مصر يتذكرون أي زعيم آخر غيره.وظهرت عليه علامات الإعياء في الآونة الأخيرة كما حدث حين اضطر إلى قطع كلمته أمام البرلمان في نوفمبر عام 2003.وخلال أغلب فترات رئاسته بدد مبارك الآمال في أنه سيسمح لرياح الديمقراطية بأن تهب على النظام السياسي المتحجر في أكثر الدول العربية سكانا وأطلق العنان لوسائل الإعلام الحكومية لتمجيده باعتباره زعيم الشرق الأوسط كما ضمن الهيمنة لحزبه في الانتخابات.

لكن مبارك فاجأ الشعب المصري في فبراير الماضي بإعلان أنه طرح على مجلسي الشعب والشورى اقتراحا لتعديل المادة 76 من الدستور بما يسمح بإجراء انتخابات رئاسية للمرة الأولى في تاريخ مصر الطويل. وكان باديا أن الاقتراح أحدث انقلابا إصلاحيا لكن معارضين سرعان ما حذروا من أن معاوني مبارك المحافظين قد يفرغون التعديل من مضمونه.

وفي مايو الماضي أقر مجلس الشعب تعديل المادة الذي جاء مخيبا لآمال معارضين ومحللين قالوا إن التعديل خالف الدستور وأبقى على صيغة الاستفتاء على المنصب لكن في صورة جديدة. فقد اشترط التعديل حصول المستقل الراغب في الترشيح على تأييد 250 من أعضاء مجالس الشعب والشورى والمحافظات التي يهيمن عليها الحزب الوطن الديمقراطي.

وفي أي انتخابات رئاسية مقبلة ربما لن يتيسر لأي حزب منافسة الحزب الوطني لان التعديل الدستوري اشترط حصول أي حزب على نسبة خمسة في المئة من مقاعد المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى ليتاح له تقديم مرشح في الانتخابات الرئاسية التي تتلو انتخابات الأربعاء الماضي.ويقول محللون إن من الصعب حصول أي حزب على النسبة المطلوبة خاصة في مجلس الشورى الذي تقول الأحزاب إن دوائره الانتخابية بالغة الاتساع ويتطلب خوض الانتخابات فيها إمكانيات غير متاحة لها.

وفشل عشرات من الطامحين للترشيح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الحصول على تأييد أي عضو في المجالس المنتخبة ونافس مبارك فيها رؤساء تسعة أحزاب حصل أبرزهم أيمن نور الذي يرأس حزب الغد على 6,7 في المئة من الأصوات.وكسب مبارك بعض المعجبين بسبب محاولاته لتحديث الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بعد الأداء السيئ للحزب في انتخابات عام 2000.

ولا يزال الحزب يسيطر على 85 في المئة على الأقل من مقاعد مجلس الشعب بعد أن انضم إليه من فازوا في الانتخابات البرلمانية كمستقلين.لكن الغموض لا يزال مخيما على الوضع في مصر نتيجة لعدم وضوح عملية انتقال السلطة بعد غياب مبارك. فهو لم يعين نائبا له رغم أنه هو نفسه والسادات من قبله توليا السلطة بعد تعيينهما في هذا المنصب.

ويقلل المسؤولون من شأن تكهنات بأن مبارك ربما يعد ابنه جمال القيادي البارز في الحزب الوطني الديمقراطي لتولي السلطة قائلين إن دوره ينصب على توجيه النصح في المجال الاقتصادي.وخلال محاربته للناشطين المسلحين لم يدخل مبارك في مواجهة مع التيارات الدينية المحافظة في مصر البالغ عدد سكانها نحو 67 مليون نسمة لكنه استغل سلطة الدولة على المساجد والكنائس في توطيد أركان حكمه.

وطوال فترة حكمه ظل الأمن هو شغله الشاغل. فقد نجا بأعجوبة من الموت عندما اغتال متشددون من القوات المسلحة السادات عام 1981 ثم كان هدفا لعدة محاولات اغتيال منها الهجوم على موكبه في أديس أبابا عام 1995. وفي عام 1994 تم إعدام ضباط في إحدى القواعد الجوية لتخطيطهم لنسف طائرته عند هبوطها في القاعدة.

وأسلوب مبارك الذي يتسم بالصرامة أكسبه شهرة بأنه لا يتصف بالجاذبية مقارنة بسلفيه الزعيم الثوري جمال عبد الناصر والسادات المتألق. لكنه كان يجسد أمام شعبه نموذج الاستقرار والاستمرار حتى أن كثيرين كانوا يشعرون بالقلق أمام أي شائعة حول حالته الصحية ووافقت أحزاب المعارضة نفسها على منحه فترة رئاسة رابعة.

وفي السنوات الأخيرة كان مبارك بمثابة الراعي غير الرسمي لعملية السلام في الشرق الأوسط.لكن الإصلاحات الاقتصادية تقدمت بسرعة السلحفاة. وأثار تعويم الجنيه المصري في يناير 2003 انتقاد الاقتصاديين الذين قالوا إن العملة لم يتم تعويمها بشكل كامل مما أضر بثقة المستثمرين الأجانب.

ولد مبارك في الرابع من مايو عام 1928 في قرية كفر المصيلحة (كفر باريس) بمحافظة المنوفية وفي عام 1947 التحق بالكلية الحربية ولكنه اختار العمل في القوات الجوية وتلقى المزيد من التدريب في الاتحاد السوفييتي حيث تدرب على قيادة قاذفات القنابل. واختير بعد ذلك للتدرب في أكاديمية فرونزي العسكرية وترقى بسرعة بعد عودته إلى مصر في عهد عبد الناصر حتى تولى القيادة في قاعدة جوية.

وفي عام 1967 أصبح المدير العام للكلية الجوية. وفي عام 1969 أصبح رئيس أركان القوات الجوية. ثم اختاره السادات لقيادة القوات الجوية وأعده لحرب عام 1973.ومبارك متزوج وله ولدان ويهوى لعب الاسكواش. ودرست قرينته سوزان العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة التي تخرج فيها ابناهما علاء وجمال.

(رويترز)