أثيرت عاصفة من الانتقادات لرئيس الجمهورية اللبناني إميل لحود العازم بحزم على السفر إلى نيويورك على رأس الوفد اللبناني الرسمي لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والقمة العالمية المقررتين منتصف هذا الشهر. معظم هذه الانتقادات جاءت بصيغة التحذير من إمكان تعرض لحود للإحراج لدى وصوله إلى نيويورك .
كما حصل مع رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية عام 1974 حين توجه إلى مقر الأمم المتحدة للتحدث باسم المجموعة العربية عن القضية الفلسطينية فوجد الكلاب البوليسية في استقباله لتفتيشه بعكس ما لاقاه زعماء الدول الآخرين من استقبال لائق. ويرى منتقدو رحلة نيويورك أن لحود سيجد نفسه معزولا في أروقة المنظمة الدولية ومقر إقامته على خلفية توقيف أركان نظامه في لبنان بتهمة الضلوع في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري التي استدعت عاصفة استنكار دولية،
واجتماعا لمجلس الأمن الدولي لاستصدار قرارين احدهما تشكيل لجنة تقصي الحقائق، ثم لجنة تحقيق دولية برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس التي قاربت مهمتها على الانتهاء.ولكن الم يأخذ لحود هذين السببين في الاعتبار للعدول عن قراره؟العارفون بشخصية لحود لا يستغربون عناده الذي يعتبر احد ابرز عناصر هذه الشخصية العسكرية التي كثيرا ما أتعبت الطبقة السياسية المعتادة على الأخذ والرد والمناورات والصفقات في التعاطي السياسي.
إلا أن هذا السلوك لدى لحود ليس الوحيد الذي أملى عليه عدم التراجع عن قراره بل اعتبارات لحود هي بالذات ما يحاول خصومه توظيفها ضده ولكن بشكل معاكس.فقد تعرض لحود منذ اغتيال الحريري في الرابع عشر من فبراير الماضي لهجمة شرسة سياسية وشخصية طاولت حتى عائلته، وتصاعدت أكثر بعد إعلان القاضي ميليس الاشتباه في قائد لواء الحرس الجمهوري وحارس لحود الشخصي العميد مصطفى حمدان بالضلوع في الجريمة،
وقد وظف خصوم لحود في «تيار المستقبل» برئاسة النائب سعد الحريري و«اللقاء الديمقراطي» برئاسة النائب وليد جنبلاط وحلفاؤهما المسيحيون هذه الشبهة في معركة تنحيته من الرئاسة الأولى. وكرت سبحة المرشحين لخلافته وكأن موعد سقوطه بات وشيكا.
إلا أن الرد من لحود جاء مباغتا لخصومه من خلال عرقلة مشروع الغالبية الوزارية بشرعنة سجن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لنقل الموقوفين في جريمة اغتيال الحريري إليه. إلا أن لحود عاد ومضى في المشروع بعد 24 ساعة في جلسة لمجلس الوزراء عقدت برئاسته في قصر بعبدا.
اتبع لحود في تعاطيه مع هذا الموضوع تكتيكا أمن له تسجيل نقطة على خصومه من خلال فك طوق العزلة عنه وتكريس بعبدا مجددا محطة لا بد منها لتسيير أعمال الحكومة. إلا أن الأكثر أهمية بالنسبة للحود هو رحلة نيويورك التي تعتبر مسألة «حياة أو موت» سياسي له.فقد أبلغ لحود مراجعيه حول أسباب تشبثه بهذه الرحلة بأن عدوله عن هذه الزيارة يعني أن خصومه فرضوا عليه حركته السياسية، وأكملوا خطة تطويقه التي بدأت بعد توقيف حمدان اقرب المقربين إليه.
ويرى لحود أن عدوله عن السفر سيصبح سابقة تجر إلى جدول طويل من الطلبات لا تنتهي ما يعني تسليم السلطة إلى خصومه، لافتا إلى «كثافة النيران» التي تطلق عليه وان لا قدرة له على إسكاتها إلا من خلال إعادة تعويم نفسه دوليا كما فعل داخليا في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء.
وأنهى لحود محادثته مع مراجعيه بأنه سيذهب إلى نيويورك حتى لو حصل معه ما جرى للرئيس فرنجية في الحادثة الشهيرة قبل 30 عاما وإلا سيضطر إلى الاستقالة فورا.لكن البعض لا يزال يراهن على نجاح الضغط على لحود لمنعه من قطف ثمار نيويورك خصوصا بعد إعلان الرئيس السوري بشار الأسد عدم مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
بيروت ـ حسين حمود