عادت وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى الواجهة من جديد، لكن بشكل لم يرفع حالة الغموض عنها، اذ قالت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس ان السجلات الطبية الفرنسية تظهر انه توفي نتيجة لإصابته بالسكتة الدماغية الناجمة عن نزيف حدث بفعل عدوى لم يتم تحديد طبيعتها، ومن المستبعد جداً ان يكون السم أو الايدز وراء الوفاة، لكن أطباء إسرائيليين أكدوا إنه مات مسموماً بمادة خطيرة أو نتيجة تلويث دمه بجرثومة الإيدز.
الأمر الذي دفع مسؤولين فلسطينيين إلى المطالبة بنشر السجلات الطبية للوفاة لإنهاء الغموض. وقالت «نيويورك تايمز» إن أول مراجعة مستقلة للسجلات الطبية لعرفات ـ التي حصلت الصحيفة على نسخة منها، تشير إلى أن وفاته نتيجة تسمم معين احتمال غير وارد بنسبة كبيرة.. كما تبددت الشائعة التي اثيرت حول امكانية وفاته بفيروس الإيدز.. غير أن هذه السجلات أوضحت في الوقت نفسه أن أطباء عرفات لم يتمكنوا من تحديد طبيعة العدوى الرئيسية التي اصابته رغم إجراء تحاليل مكثفة له.
وأشارت الصحيفة إلى أن عرفات بدا ضعيفاً خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت وفاته.. غير أن أحداً لم يكن يتوقع حينذاك انه يقف على عتبة الموت عندما أصابه مرض في اكتوبر الماضي نقل على أثره بالطائرة الى المستشفى في فرنسا وتوفى هناك في نوفمبر، ولم يعلن سبب الوفاة أبداً وظلت التكهنات حول السبب الحقيقي وراء وفاته مثارة حتى الآن.
ونقلت عن خبراء أميركيين وإسرائيليين راجعوا سجلات عرفات الطبية قولهم إن هذه السجلات تظهر أن عرفات لم يتلق أي مضادات حيوية حتى 27 اكتوبر أي بعد 15 يوماً من ظهور أعراض المرض الذي تم تشخيصه في البداية على أنه أنفلونزا.. وذلك حتى قبل يومين من نقله إلى المستشفى في فرنسا وعندها كان الوقت قد تأخر جداً على الأرجح لإنقاذه.
وقال الخبراء إن أطباء الرئيس الفلسطيني الراحل في رام الله لم يلاحظوا فيما يبدو أنه كان يعاني من اضطراب دموي خطير وتجلط منتشر في الأوعية الدموية لم يتم السيطرة عليه ابدا مما افضى الى وفاته في النهاية.وقالت الصحيفة ان السجلات الطبية أوضحت أنه حتى الأطباء الفرنسيين لم يتمكنوا من اكتشاف السبب الحقيقي وراء إصابة عرفات بالعدوى التي أدت إلى حدوث الاضطراب الدموي حيث أكد خبير في الأمراض المعدية أن هذا الأمر يعد «لغزاً كبيراً».
ولم تشر السجلات إلى إجراء أي اختبار لاكتشاف فيروس الإيدز وهو تجاهل وجده بعض الخبراء غريباً.. وعلق خبير إسرائيلي في مجال الأمراض المعدية بقوله إنه كان مستعدا لإجراء مثل هذا الاختبار فقط اذا كان اختباراً شاملاً من شأنه أن يدحض الشائعات التي اثيرت حول القضية.وقال الخبير الإسرائيلي إن التقارير الاخبارية التي ظهرت خلال فترة مرض عرفات جعلته يشك بقوة أن عرفات مصاب «بالإيدز».
غير أنه استبعد هذا الاحتمال بعد دراسة السجلات الطبية بالنظر الى الظهور المفاجيء للاضطرابات المعوية لديه.في المقابل، يعتقد العديد من المسؤولين الفلسطينيين البارزين أن عرفات مات مسموماً.. فقد أعرب أشرف الكردي الطبيب الخاص للرئيس الفلسطيني الراحل ـ في حوار هاتفي أجري معه من الأردن، عن اعتقاده بأنه تم تسميم عرفات.
غير أن الباحثين الفرنسيين أوضحوا أن عرفات لم يكن يعاني من تلف شامل في الكبد والكلى الذي يتوقع أن يحدث نتيجة التسمم رغم انه كان مصاباً بالصفراء. وذكرت «نيويورك تايمز» ان مسؤولاً فلسطينياً رفيعاً أعطى السجلات الطبية لاثنين من الصحافيين الاسرائيليين وانهما وافقا على اطلاع الصحيفة الأميركية عليها والتي قامت بدورها بتحقيقات خاصة بها.
* الرواية الاسرائيلية
من ناحيتها قالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، امس ان تفاصيل جديدة حول أسباب وفاة عرفات تنشر للمرة الأولى في النسخة المنقحة من كتاب اسرائيلي، يحمل عنوان «الحرب السابعة»، الذي يتناول الحرب الإسرائيلية الفلسطينية. وحسب الصحيفة يشير الكتاب الى ان مجموعة من الأطباء الاسرائيليين والأجانب الذين اطلعوا على التقرير الطبي للرئيس الفلسطيني الراحل، استنتجوا انه توفي نتيجة تسمم أو إصابة بمرض الإيدز نتيجة تسريب الجرثومة الى دمه،
كما لا يستبعد الأطباء ان تكون وفاة عرفات نجمت عن تلوث في الدم. وحسب رأيهم فإنه يصعب تحديد السبب الرئيسي للوفاة اعتمادا على المعطيات الواردة في التقرير الطبي الفرنسي. ونشرت «هآرتس» أمس ، فصلاً من هذا الكتاب الذي يصدر بنسخة جديدة، الأسبوع المقبل، عن دار النشر التابعة لصحيفة «يديعوت احرونوت». والكتاب من تأليف الصحافيين عاموس هرئيل وأفي يسسخاروف.
وحسب الصحيفة، جاء في التقرير الطبي ان السبب الفوري لوفاة عرفات نجم عن نزيف في الدماغ أدى الى شلل دماغي، الا انه يستدل من «مداولات جرت بين مجموعة كبيرة من الخبراء في مختلف المجالات الطبية، ومن التحليلات التي اجروها انه لا يمكن تفسير اجتماع عدة عوارض ادت الى وفاة عرفات».
وأضافت ان تقرير الدكتور أشرف الكردي يقول ان الأطباء في باريس عثروا على عوارض مرض الإيدز في دم عرفات. ويرفض الكردي كشف المصدر الذي استقى منه هذه المعلومات. ويقول انه تم تسريب جرثومة الإيدز الى دم عرفات لتمويه عوارض التسمم التي تسببت بوفاته.
إلا ان مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية، بينهم وزير الخارجية ناصر القدوة ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، جبريل الرجوب، والوزير محمد دحلان، ابلغوا مؤلفي الكتاب ان عرفات مات مسموماً بأيدي اسرائيل.ويذكر الفلسطينيون محاولة اسرائيل في عام 1997 تسميم خالد مشعل، أحد قادة حركة حماس، في عمان.
وقالوا ان الرئيس عرفات لم يحافظ على أبسط شروط الحذر وكان يمكن تسميمه بسهولة لأنه تناول حلويات كان يتلقاها من زواره من دون أي فحص طبي. ونفى ديوان رئيس الوزراء الاسرائيلي، ارييل شارون ما يرد في كتاب «الحرب السابعة»، ويدعي ان اتهامات الفلسطينيين «هي هراء وان الأمور تم فحصها في السابق وثبت عدم صحتها».
ويقول البروفيسور الإسرائيلي غيل لوغاسي، الخبير في علوم المركبات الدموية انه يستنتج من التقرير الطبي لعرفات، ان العوارض التي يشير اليها التقرير يمكنها ان تشير الى اصابته بالإيدز. وأضاف ان «التلوث الذي يبدأ في الجهاز الهضمي ويتدهور بسرعة الى حد انهيار جهاز التخثر الدموي يعتبر من عوارض الإيدز».
وحسب رأيه فإن التقرير يتجاهل تماما احتمال إصابة عرفات بالإيدز، مضيفاً ان «التقرير يشير الى اجراء فحوصات لعشرات الأمراض والجراثيم إلا أنه لا يشير إلى إجراء فحص الإيدز. في تقديري إنه لو تم إجراء فحص لتبيان ما إذا أصيب بالإيدز وكانت النتائج سالبة لما كانت هناك أي مشكلة تمنع نشر النتيجة».
كما يطرح خبير إسرائيلي هذه الامكانية بسبب عدم اشارة التقرير الى نتائج فحوصات تتعلق بهذا المرض القاتل. الا ان هذا الخبير يشكك باحتمال اصابة عرفات بالايدز. ويضيف بعد فحص التقرير الطبي انه ليس من المعقول ان يكون المرض الذي تواصل لمدة اسبوعين، حتى نقل الرئيس الى باريس، والذي رافقته حالات اسهال شديد وتقيؤ وانهيار الجهاز الهضمي الذي ادى الى تخثر خطير، هو مرض الايدز.
وقال طبيب اسرائيلي رفيع آخر اطلع على التقرير الفرنسي ان العوارض التي يشير اليها فحص طبي أجري لعرفات بعد أربع ساعات من تناوله لوجبة عشاء في الثاني عشر من اكتوبر 2004، قبل شهر من وفاته، تثير الاشتباه بأن عرفات مات نتيجة تسممه من تلك الوجبة.
وحسب ما يقوله فإن العوارض التي تم وصفها في التقرير الطبي لعرفات تقلص من امكانية تسميمه بمواد عادية كان يمكن اكتشافها من خلال الفحوصات الطبية التي اجريت له أثناء تواجده في المقاطعة ومنع انتشارها بواسطة الأدوية المضادة. ويعتقد هذا الخبير ان عرفات توفي نتيجة مادة سامة تم اضافتها الى طعامه وأدت الى تفشي المرض غير المعروف.
في هذه الأثناء نقلت وكالة «الأسوشيتدبرس» عن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات قوله، انه لم يطلع على السجلات الطبية، لكن العديد من الأطباء قالوا إنها لا توضح سبب الوفاة، مضيفاً انه لا يعلم بموضوع السم أو الاصابة بالايدز، وأكد ان التقرير الفرنسى لم يشر الى ذلك.وقال ان عائلة الرئيس الراحل يجب ان تطلب من الأطباء الفرنسيين نشر هذا التقرير من أجل وضع حد لهذه المزاعم والاشاعات.
القدس المحتلة ـ «البيان» والوكالات
