منذ أكثر من شهرين، والاستعدادات تُجرى لإحياء الذكرى الرابعة للهجمات الإرهابية التي ضربت نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومنها «مسيرة الحرية» التي تنظمها وتُشرف عليها وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في واشنطن الأحد المقبل.وخطط الرئيس جورج بوش لاستغلال الفرصة مجدداً للدفاع عن الحرب في العراق، والتأكيد للأميركيين أنها الجبهة المركزية في الحرب التي تقودها بلاده على الإرهاب، على أمل استعادة ثقتهم بقيادته.
واستعادة تأييدهم للحرب هناك، بعدما تراجع إلى حد أصبحت غالبية الأميركيين ترى أن قرار الحرب كان خاطئاً، وتطالب الرئيس بالبحث عن مخرج لائق للقوات الأميركية من العراق في أسرع ما يمكن. في هذا الوقت، جاء إعصار كاترينا، الذي ضرب الساحل الجنوبي للولايات المتحدة، وقلب خطط الرئيس، وخلق له تحديات ومشكلات جديدة، إضافة إلى القديم منها، ستلازمه حتى آخر أيام فترة رئاسته الثانية.
وستكون اختباراً، بل اختبارات، ستحدد نتائجها الموقع الذي سيحتله في التاريخ، رغم أن بوش، عندما سئل قبل عام تقريباً، عما سيذكره التاريخ عنه، بعدما اتضح أن الأسباب التي رددها لتبرير الحرب على العراق لم تكن صحيحة، أجاب: «سنكون كلنا قد متنا».أول التحديات والمشكلات، وكلها مترابطة تقريباً، إقناع الشعب الأميركي أنه غير مسؤول عن تقصير الحكومة والإدارة في الاستعداد المسبق لمواجهة الإعصار، والرد السريع لمواجهة الكارثة.
ومن هنا جاء تفقده للمناطق المنكوبة مرتين خلال الأيام الماضية، وكرر القول: إن البطء والتقصير في الرد وتقديم العون والإغاثة «غير مقبول». وهو ما فسره البعض بأن مسؤولين كباراً سيُطاح بهم قريباً، أولهم مايكل براون مدير وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية وهو صديق مُقرّب لبوش الذي أثار غضب الكثيرين عندما قال في تصريحات إن وكالته علمت بحجم الكارثة في اليوم التالي للإعصار. وربما يكون الثاني بعده وزير الأمن الداخلي مايكل شيركوف.
ويعتقد البعض أن الوقت قد حان ليستغني الرئيس عن خدمات وزير دفاعه، دونالد رامسفيلد، إذ كشف الإعصار عن مشكلة ترفض «البنتاغون» الاعتراف بوجودها، وهي عدم قدرة الولايات المتحدة على خوض حربين في وقت واحد، فقد أثبت الإعصار عجز الولايات المتحدة عن توفير قوات جيش وحرس وطني، لمواجهة الكارثة، ما دفع «البنتاغون» إلى إلغاء خطة لإرسال 20 ألف جندي إضافي إلى العراق، واضطرارها لسحب بعض الجنود من هناك لسد العجز.
بينما يُصرّ الوزير رامسفيلد ومنذ زمن على قدرة بلاده على خوض حربين في آن واحد.وهناك التحدي المتمثل في معالجة الكوارث التي خلّفها الإعصار وهي عديدة ستستغرق الكثير من جهد ووقت الرئيس وإدارته، على حساب مواجهة تحديات كان يخطط لإعطائها الأولوية والاهتمام الأكبر. ومنها الحرب في العراق ومحاربة الإرهاب، والتوصل إلى تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وإقامة دولة فلسطينية.. وتصعيد الضغوط على سوريا في إطار محاربة الإرهاب ونشر الحرية والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط الكبير.
ورغم ذلك، من غير المستبعد أن يجد الرئيس بوش في التركيز على هذه المواضيع الخارجية، وسيلة للهرب المؤقت من التحديات الداخلية، وتحويل الاهتمام الشعبي عنها، لكن حجم الكوارث التي خلّفها الإعصار لن تمكنه كثيراً من استغلال قضايا السياسة الخارجية، فبعدما اتهمه كثيرون في «الكونغرس» وخارجه، بأنه فشل ولم يثبت قيادته في وقت الأزمات الكبرى، سيجد من الصعب جداً عليه أن يطلب من الأميركيين دعم سياسته وقيادته للحرب في العراق.
بل ستزداد الانتقادات له ولسياسته والمطالبة بإعادة القوات الأميركية بأسرع ما يمكن، وتوفير مليارات الدولارات التي ستنفق على استمرار الحرب، لمواجهة كوارث الإعصار ومنها إعادة إعمار المدن والمناطق التي دمرت، وتوطين وإيواء مئات آلاف المشردين، وتوفير الإغاثة وفرص العمل لهم.
وهناك المشكلة الدفينة في المجتمع الأميركي التي كشف عنها الإعصار وبدأت تطل برأسها من جديد، وهي مشكلة الأميركيين الأفارقة وشعورهم بأنهم مهمشون ولا ينالون حقهم من العناية والرعاية من الحكومة الفيدرالية التي يسيطر عليها البيض منذ استقلال الولايات المتحدة حتى اليوم، وإنهم رغم كل القوانين التي ألغت كل أنواع التفرقة والتمييز، وأعطتهم حقوقهم المدنية، لا يزالون، كما أثبت الإعصار، يتعرضون لظلم الرجل الأبيض سيد القرار وصاحبه.
وقال بعض زعماء الأميركيين الأفارقة في «الكونغرس» وخارجه إن الرد على كارثة الإعصار سيكون مختلفاً لو كان الذين ضربتهم الكارثة من غير السود والفقراء.وما يثير قلق الرئيس وإدارته، من هذه المشكلة، التي تصدت وزيرة الخارجية الأميركية السوداء كوندوليزا رايس للرد عليها وحاولت تفنيد المزاعم حولها،
أنها بدأت تطل برأسها في وقت حقق فيه الرئيس بوش وحزبه الجمهوري بعض المكاسب عن طريق اختراق التأييد التقليدي والتاريخي الذي يعطيه السود للديمقراطيين وحزبهم.مما يتوجب على الرئيس إعطاء أولوية واهتمام كبير لمعالجة المشكلة ومنع اتخاذها أبعاداً وتطورات تعيد فتح جرح عميق لم يلتئم بعد.
واشنطن ـ محمد صادق