تحولت العاصمة الفرنسية باريس في الأيام الماضية إلى «غرفة عمليات» لمناقشة مرحلة ما بعد رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود، في ظل الحديث عن انه لن يتأخر في تنحيه عن منصبه تحت ضغط نتائج لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري، وفي ضوء الهجوم المضاد الذي يقوده رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط قبل اغتيال الحريري، وقبل خروج السوريين من لبنان، تمنى جنبلاط عدم الوصول مع لحود إلى ما حصل عام 1952، أي المطالبة النيابية للرئيس بشارة الخوري بالاستقالة، بعد تمديد ولايته الدستورية. والمفارقة أن والد جنبلاط الراحل كمال جنبلاط قاد حينها ما سمي بـ «الانقلاب الأبيض» على خوري لكن أوساطا مطلعة تشير إلى أن التاريخ لن يعيد نفسه مستندة إلى أن الدعم المسيحي لخطوة كهذه غير متوافر حتى الساعة، وهو رهن بالدرجة الأولى بموقف البطريرك الماروني نصر الله صفير، الذي لا يزال حتى الساعة يتعامل مع الأمور بميزان الصائغ، ويقيس التبعات والارتدادات المتوقعة لهذه الخطوة.
ورغم الحركة الكثيفة إلى المقر الصيفي لصفير في الديمان، لوضعه في أجواء ما يدور في كواليس اجتماعات التحضير للمرحلة المقبلة، إلا أن البطريرك يرى أن طرح موضوع انتخابات الرئاسة سابق لأوانه، وهو، بحسب أوساط مطلعة، غير موافق على أي خطوة سلبية باتجاه موقع الرئاسة قبل صدور النتائج النهائية للتحقيق، وعندها يبنى على الشيء مقتضاه.
ويحرص زوار الديمان على تطمين صفير أن إقالة لحود لا تعني استهدافا مسلما للطائفة المسيحية المارونية، بل هي «تعامل مع من كان يجاهر منذ تسلمه سدة الرئاسة عام 1998 بأنه ممسك بالملف الأمني من كل جوانبه». وانطلاقا من هذه النقطة، ترى الأوساط أن مسؤولية معنوية تتوجب على لحود، ازدادت بتغطيته قائد لواء حرسه الجمهوري العميد مصطفى حمدان، وعليه التعامل مع الواقع والرضوخ لهذه المسؤولية بالاستقالة.
وفي الجانب الآخر، لم يتضح حتى الساعة موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله من خطوة كهذه، ما كبح الاتجاه التصعيدي الذي كان يقوده جنبلاط من باريس، ودفعه إلى الإعلان عن زيارة مرتقبة لبري وللأمين العام لحزب الله حسن نصر الله حاملاً اسماً يرجح ألا يلقى تحفظاً منهما عليه وهو النائب السابق نسيب لحود.
كما أنه لم يتضح حتى اللحظة أيضا موقف «القوات اللبنانية» التي تحرص على عدم الدخول في أي جدل حول موقع الرئاسة رهن «إشارة» البطريرك صفير، الذي يحرص، بحسب الأوساط، على تمحيص الأسماء المطروحة والإيحاء للمقربين بالشخصية الأنسب عندما تدق الساعة. وفي موازاة ذلك، تتوقع أوساط مطلعة استعار الهجوم على رئيس «تكتل الإصلاح والتغيير» النائب ميشال عون الذي بدأ باتهامه «بحماية لحود».
ولا تخفي أوساط عون أن هناك محاولة جدية لتطويقه يقودها جنبلاط وحلفاؤه، معتبرة انه من السابق لأوانه بحث مسألة الرئاسة قبل معرفة نتائج التحقيق باغتيال الحريري، وعندها لكل حادث حديث. وتشير الأوساط إلى أن جنبلاط وحلفاءه ينقلبون على النظام الديمقراطي البرلماني بمحاولتهم تحديد مسار رئاسة الجمهورية وحدهم، في حين أن خطوة كهذه لا بد أن تخضع لتوافق أغلبية الأطراف على الساحة السياسية.
وتعتبر الأوساط عينها أن هناك تجييراً واضحاً لجريمة الاغتيال لمصالح سياسية ومحاولة لسلق الخطوات ما يهدد البلاد بالوقوع في الفوضى، مشيرة إلى انه ما من أحد في وارد تغطية لحود إذا ثبت عليه شيء. في حين تشير أوساط تحالف «14 مارس» إلى أن أي اتصال جدي في موضوع رئاسة الجمهورية لم يبدأ حتى الساعة، إلا أن مصادر أخرى تؤكد أن الباب فتح على مصراعيه والأيام المقبلة ستشهد تصعيدا لمزيد من التطويق للحود، معولة على الرياح الدولية التي تبقى المرجح الأبرز للفائز بالمنصب الأول في لبنان.
بيروت ـ كبريال مراد