لم تترك هجمات شرم الشيخ الإرهابية، بصماتها الدموية العنيفة على وجه القاهرة هذا الصيف، إذ بدت العاصمة المصرية، متألقة ورافضة للاستسلام وغير مستعدة لرفع «الراية البيضاء» لضجيج السيارات الملغومة والأجساد المتفجرة، وشهدت شوارعها حالة ازدحام من نوع آخر غير الذي تعودت عليه دائما، وهو ازدحام ناتج عن تدفق السياح العرب والأجانب، الذين أداروا ظهورهم للإرهاب ودرجة الحرارة المرتفعة، وحولوا ليل القاهرة إلى نهار، وصيفها إلى موسم جذب سياحي ساخن جداً.

ما ضاعف من حرارة هذا الصيف، هو حملة الانتخابات الرئاسية الأمر الذي لم يعهده المواطن المصري، منذ تأسيس النظام الجمهوري، اثر ثورة يوليو قبل أكثر من 50 عاما، وظل طوال هذه السنوات على هامش الحياة السياسية.. يقبل بما هو معروض عليه، غير قادر على رفضه أو تغييره.

في هذا السباق الرئاسي الساخن، تحولت الصحف الحكومية والمعارضة، إلى ساحة معركة حقيقية، تستخدم فيها الأسلحة كافة، بما فيها المحرمة «سياسياً وأخلاقياً»، وشهدت صفحاتها انتقادات عنيفة وضربات تحت الحزام للمرشح الذي لا تؤيده أو تقف خلفه.

كما كانت كل صحيفة من هذه الصحف «فاترينه» عرض للبرنامج الانتخابي للمرشح الذي تؤيده، حيث تستكتب «المؤيدين والمريدين» من الكتاب والمحللين، الذين يتبارون في سرد «مفاتن ومحاسن» هذا البرنامج، وفي الوقت ذاته يجتهدون في إبراز عيوب ومساوئ برنامج المرشح المنافس، وإظهاره في صورة منفرة، من اجل إبعاد الناس عنه.

الملاحظ على هذه التغطيات الصحافية، انه لا توجد منطقة وسط، فإما الصورة وردية، أو الصورة سوداء قاتمة ولا مؤشر على وجود أي ضوء في نهاية النفق.. فالصحف الحكومية المؤيدة بالتأكيد للرئيس مبارك، حرصت على تعداد الانجازات التي تحققت في عهده،سواء في مجال الصناعة أو الزراعة أو التعليم، مع التذكير دائما بـ «الفاتورة السكانية» للشعب المصري التي تحملت الحكومات المتعاقبة عبء زيادتها وتضخمها عاما بعد عام.

كما لم تنس أيضاً دور مبارك على المستوى الخارجي وجهوده من اجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط وتفعيل العمل العربي المشترك، والدفاع عن الحقوق العربية المشروعة والوقوف إلى جانب أصحابها. أما على الطرف الآخر، فكانت صحف المعارضة وبالأخص صحيفتي «الغد» و«الوفد» تقفان بالمرصاد للحكومة المصرية، وعددتا إخفاقاتها في العديد من النقاط التي جاءت أيضاً في برامج مرشحيها للانتخابات الرئاسية،

ومنها ان أكثر من نصف الشعب المصري يعيش الآن تحت خط الفقر ونسبة كبيرة لا تستطيع توفير مجرد العيش الحاف، وان الجنيه المصري انهار أمام الدولار ليساوي اليوم 22% من قيمته عام 1981، واستفحل الغلاء وتزايدت أسعار السلع الأساسية بصورة غير مسبوقة، واستشرت البطالة، وتدهورت الصحة العامة نتيجة السموم والمبيدات المسرطنة،

وتدهورت الخدمات الصحية المجانية حتى اقتصر العلاج على القادرين، وتدهورت العملية التعليمية وازدادت الأعباء التي تتحملها الأسرة حتى أصبح الحديث عن التعليم المجاني نكتة سخيفة، وأصبحت مصر تحتل المركز 117 في مؤشر التنمية البشرية وعادت فتدهور موقعها ليصبح 121 أي قرب ذيل القائمة.

كما لم تنس تلك الصحف ان تتحدث عن أعداد المعتقلين، وتقول انه تضاعف عددهم ليصل إلى 100 ألف معتقل خلال فترة ربع قرن، وهى إحصائية يرى الكثيرون انه مبالغ فيها إلى حد كبير.لم تقف حدود التغطيات الصحافية عند هذا الحد، بل تعدت في أحيان كثيرة العديد من الخطوط والضوابط المهمة التي ينبغي توافرها، من اجل الا تتحول الأوضاع إلى «فوضى مجتمعية» يصعب السيطرة عليها فيما بعد.

ففي جانب المعارضة، فتحت صحفها النار على الحزب الوطني الحاكم، واتهمته باستغلال السلطة من اجل الدعاية للرئيس مبارك، إلى درجة ان مرشحا منافسا هو الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد، انتقد تنقل بعض المرشحين ـ ويقصد مبارك ـ بالمروحيات، رغم إدراكه أن السبب وراء ذلك امني في الأساس الأول.

ليس هذا فقط، بل ان نور أقدم على تقديم لائحة بممتلكاته وثروته، طالبا في الوقت نفسه أن يقوم منافسوه بالخطوة نفسها، رافعاً السؤال الشهير الذي يطرب البعض «من أين لك هذا»؟ صحيفة الوفد من جهتها، شنت حملة قوية عنوانها «اتخنقنا» كالت فيها الاتهامات للحزب الوطني وللحكومة،

قائلة إن المواطن المصري لم يشعر بأي انجازات مفيدة على مدى العشرين عاما الماضية، وان الأوضاع تدهورت في كل المجالات، كما تراجع دور مصر على المستوى العربي والإقليمي والدولي، ولم تعد القاهرة كما كانت في الماضي عاصمة قرار ومصير وتأثير. الصحف المستقلة، غير الحزبية، دخلت على الخط أيضاً، و«غمزت» في أكثر من اتجاه، ونشرت إحداها صورة لافتة دعائية في احد شوارع القاهرة، ومكتوب فيها «نؤيد مبارك وابن مبارك وابن ابن مبارك».

وقالت إن هذه اللافتة وغيرها غير مقبولة على الإطلاق، لأنها تشوه صورة مبارك وتضر به، في إشارة منها إلى «موضوع التوريث» الذي يثير حساسية كبيرة لدى الشعب المصري.الصحف الحكومية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الهجمات، وشمرت عن ساعديها، ووجهت ضربات تحت الحزام، لمنافسي مبارك،ونال القدر الأكبر من هذا الهجوم أيمن نور، إذ نشرت تلك الصحف وبشكل شبه يومي موضوعات ضد نور تنال من سمعته وتضر بصورته على نحو كبير، لا سيما في قضايا تتصل بالشرف والأمانة.

كما أفردت مساحات كبيرة لبرنامج مبارك الانتخابي، وركزت على «المغريات» فيه، مثل إصرار الرئيس على تحقيق المزيد من التوازن بين السلطات، وتعزيز حقوق المواطن والحريات العامة، ودعم الحياة الحزبية. صحيفة الوفد المعارضة، التقطت الخيط وفهمت أن الرئيس مبارك يحاول من خلال برنامجه، الاقتراب من الطبقات الفقيرة التي تشكل الأغلبية في المجتمع المصري،

وقررت أن تعزف لمرشح الحزب د. نعمان جمعه على الوتر نفسه، وأفردت مساحات كبيرة لبرنامجه الانتخابي، وركزت على أن محاربة الفقر احتلت حيزاً كبيراً من برنامج حزب الوفد. واعتبر الكثير من المصريين، البرامج الانتخابية لمبارك ونور وجمعه، الأقرب إلى تطلعاتهم، مبدين سخريتهم من برامج أخرى لبعض المرشحين، قائلين إنها لا تمت بصلة إلى الواقع، مثل برنامج المرشح الذي يريد العودة إلى ارتداء الطربوش، والآخر الذي يريد أن يتكفل بحفلات الزفاف و«الليالي الملاح» للشبان والشابات الراغبين في الزواج.

لكن البعض بدأ يتساءل ببراءة، وبالتحديد حول برنامج مبارك الانتخابي، قائلين لماذا لم يقدم الرئيس على تنفيذ ما جاء فيه خلال فتراته الرئاسية السابقة، لاسيما وانه تمتع بكل السلطات والقدرة على الانجاز؟لكن الصحف الحكومية التي لم تترك كبيرة ولا صغيرة إلا وردت عليها، سارعت إلى التذكير بان الرئيس قاد البلاد في ظروف إقليمية ودولية معقدة، وانه لم يغامر بمستقبلها، وعبر بها إلى بر الأمان، من دون أن تنال من مكانتها واستقرارها العواصف الكثيرة والزلازل الكبيرة إلى ضربت المنطقة.

أمام حالة الجذب والاستقطاب التي تمر بها مصر حالياً، ونظرا للتقارب الشديد بين برامج المرشحين، تبقى التساؤلات: لمصلحة من سيحسم المزاج الشعبي هذا السباق؟السؤال وجد إجابة شافية بصوت المطرب الشهير شعبان عبد الرحيم القادم من سيارة أجرة تقف في إحدى إشارات المرور في القاهرة ويقول فيها:

أنا بكره إسرائيل وبحب حسني مبارك

بحب حسني مبارك علشان عقله الكبير

لو خطا أي خطوة يحسبها بضمير

وايه!!.

خالد سيد احمد