لم تصمد الآمال في دفع العملية التفاوضية اثر بدء تنفيذ خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة طويلاً، فسرعان ما جاءت القرارات والإجراءات الاستيطانية في الضفة الغربية، وتفجر الصراعات على قيادة حزب «الليكود» الحاكم على خلفية هذا الانسحاب، لتبدد أي أمل بحدوث انفراج بين مشروعين ينفي أحدهما الآخر، مشروع الفلسطينيين لإقامة دولتهم المستقلة على أراضي الضفة والقطاع، ومشروع الاستيطان الذي يسلب هذه الدولة أي حد من مقومات الوجود.

فبعد ساعات قليلة من بدء تفكيك المستوطنات الخمس والعشرين من القطاع ومن شمال الضفة اتخذت الحكومة والسلطات الإسرائيلية المختصة رزمة من القرارات ذات المغزى الاستراتيجي للمشروع الاستيطاني في مقدمتها مصادرة 70 كيلو متراً مربعاً من أراضي الضفة لتوسيع كتلة معاليه أدوميم الاستيطانية شرق القدس، ونقل مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية من حي المصرارة إلى المستوطنة لتأكيد ضمها للمدينة،

والمصادقة على بناء 500 من أصل 3500 وحدة سكنية مخطط بناؤها في هذه المنطقة الممتدة حتى مشارف مدينة أريحا لهذا الغرض.وترافقت هذه الإجراءات والقرارات مع تصريحات لرئيس الحكومة الاسرائيلية أرييل شارون بشأن نيته ضم الكتل الاستيطانية لإسرائيل في أي حل سياسي مقبل.

وتشمل الكتل المعلن عن ضمها كلاً من كتلة غوش عتصيون، وتضم عشر مستوطنات، غبعات زئيف، وتضم خمس مستوطنات. معاليه أدوميم، وتضم ثماني مستوطنات. اللطروف، وتضم ثماني مستوطنات أرئيل وتضم أربع عشرة مستوطنة. ويقطن في هذه الكتل الاستيطانية 180 ألف مستوطن أي 80 في المئة من نسبة المستوطنين في الضفة، يضاف إليهم 182 ألف مستوطن داخل مدينة القدس الشرقية.

وتشكل هذه الكتل التي تضم، مع الجدار، نحو 10 في المئة من أراضي الضفة، عائقاً أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة متواصلة. فكتلة معالية دوميم التي تصل حتى مشارف أريحا تفصل وسط وشمال الضفة عن جنوبها. وكتلة أرئيل التي تصل هي الأخرى إلى مشارف الجبال الشرقية المطلة على الأغوار تفصل شمال الضفة عن وسطها وجنوبها.

ويقول رئيس قسم الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل توفكجي: «الكتل الاستيطانية تمزق أراضي الضفة وتحول دون نشوء أراض متصلة تصلح لإقامة دولة مستقلة، فإصبع أرئيل يصل حتى مفرق زعترة جنوب نابلس، ومعاليه أدوميم تصل حتى الغور».وترافقت قرارات وإجراءات تعزيز الكتل الاستيطانية في الضفة مع مواقف معلنة بشأن مصير قطاع غزة تشير إلى نية إسرائيل إبقاء سيطرتها العسكرية والاقتصادية على حدود القطاع براً وبحراً وجواً.

وكانت عملية الانسحاب الإسرائيلي من غزة التي بدأت منتصف شهر اغسطس الماضي أشاعت التفاؤل بحدوث انفراج بين الجانبين. ووصلت أجواء التفاؤل إلى حد بدء اتصالات فلسطينية ـ إسرائيلية للتحضير للقاء بين شارون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبو مازن» في محاولة لطي مرحلة قديمة وتدشين مرحلة جديدة في العلاقة بين الجانبين.

لكن الإجراءات التي أعقبت تفكيك المستوطنات وبدء الانسحاب من القطاع جاءت لتقلب أجواء التفاؤل إلى نقيضها.ويقول بعض المسؤولين في «السلطة» أنهم لم يعودوا متحمسين للقاء أبو مازن وشارون لإدراكهم بأن شارون لن يقدم جديداً للفلسطينيين في هذا اللقاء ما قد يؤدي إلى نتائج معاكسة مشيرين إلى الغضب المتنامي في الشارع الفلسطيني جراء هذه الإجراءات.

وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت الدكتور باسم الزبيدي: «لقد رأى الجانب الفلسطيني في الانسحاب من غزة خطوة كبيرة وعظيمة لكن إسرائيل كانت لديها حسابات أخرى من وراء هذه الخطوة». وأضاف: «الآن سيتوجه الضغط إلى الجانب الفلسطيني، وسنجد من يقول لنا: إسرائيل انسحبت من كامل قطاع غزة فلا تطالبوا بانسحاب مماثل من مستوطنات الضفة. شارون يواجه معركة مصيرية بسبب ذلك وعليكم مساعدته».

وتابع «لقد أصبح شارون بعد هذه الخطوة معتدلاً في نظر العالم». وأثارت الإجراءات الإسرائيلية التي أعقبت الانسحاب جدلاً في مختلف الأوساط الفلسطينية بشأن أساليب التعاطي مع خطوة شارون هذه. ففيما يرى البعض أنها خطوة يجب المراكمة عليها بالعمل السياسي، يرى آخرون أن التصعيد الإسرائيلي الذي أعقبها يشكل مقدمة لانفجار جديد مقبل.

محمد إبراهيم