يكشف تحليل خطاب الرئيس مبارك عن النزاع الداخلي بين اتجاهين سياسيين رئيسيين داخل الدولة المصرية والحزب الوطني، لكل منهما فلسفته في صياغة البرنامج الذي أطلق به الرئيس مبارك حملته الانتخابية. الاتجاه الأول يرغب في تجديد النظام السياسي المصري وإضفاء قدر من الطابع الديمقراطي عليه، استجابة لضغوط الداخل والخارج معاً.
هذا الاتجاه يتفق بوجه عام مع الرؤية التي يتبناها المثقفون المصريون وأنصار الإصلاح الدستوري، وهي رؤية تقول إن المشكلة الحقيقية والجوهرية في مصر سياسية وتتعلق بتنظيم السلطة وعلاقتها بالمجتمع. أما الاتجاه الثاني فلا يرى مشكلة سياسية أصيلة ويرغب في الحفاظ على الجوهري والثانوي معاً في النظام السياسي المصري الراهن.
وينظر هذا الاتجاه باحتقار لحركة الإصلاح السياسي والدستوري، ويعتقد أنها قضية المثقفين وليست قضية الشعب، بدليل عدم التفافة حول تلك الحركة المطالبة بالإصلاح. ويقول هذا الاتجاه إن ما يهم المصريين هو «لقمة العيش» وما يتصل بها من قضايا تعليم وصحة ونقل ومواصلات وكهرباء وقبل كل شيء إيجاد فرص عمل.
والخطاب الذي ألقاه الرئيس مبارك يوم الأربعاء الماضي لإعلان برنامجه هو حل وسط ولكنه يميل بصورة مؤكدة ولا تخطئها العين للتيار الأخير، حيث كرر عدة مرات مقولة أن «الكلام لا يتيح فرصة عمل..لا يبني مصنعا..الخ». والمقصود بالطبع هو تأكيد وجهة نظر الاتجاه الثاني أن المناداة بالإصلاح ليست إلا كلاماً ولا تقود إلى شيء وأن المطلوب هو مزيد من فرص العمل والرعاية الصحية والشقق السكنية..الخ.
ومن الواضح أن هذا الاتجاه حسم المعركة لصالحه إلى حد كبير، وخاصة بعد اتضاح عجز حركة الإصلاح السياسي والدستوري عن التزود بقوة دفع كبيرة إضافية. ولهذا توسع برنامج الرئيس مبارك في الحديث عن الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وتناولها بقدر من التفصيل الكمي. ولكن الرئيس لم يشأ في نفس الوقت تجاهل قضية الإصلاح السياسي والدستوري تماما، ولكنه فضل مقاربة القضية بصورة انتقائية.
فأولا يظهر من تحليل الخطاب أن الرئيس مبارك التزم بتعديل الدستور، ولكنه لم يلتزم بوضع دستور جديد ينقل مصر إلى نظام ديمقراطي، ولم يلتزم بآلية محدده للتعديل. وقد يعني ذلك أن الآلية التي يفضلها الرئيس مبارك ستكون هي نفسها التي استخدمت في تعديل المادة 76، وهو التعديل الذي ضاعف فجوة الثقة في الحياة السياسية المصرية.
وثانيا: التزم الرئيس مبارك بإلغاء قانون الطوارئ، ولكنه لم يذكر شيئاً عن إطلاق سراح المعتقلين الذين لم تصدر بحقهم أحكاما قضائية نهائية، وإعادة إدماجهم في الحياة الاجتماعية المصرية بشتى جوانبها.
ثالثا: أضاف الرئيس مبارك في برنامجه إلى ما جاء بخطاب الترشيح الالتزام بتمثيل أقوى للمرأة في المستويات النيابية، وهو ما يعني العودة إلى نظام الحصص التي تخصص عدداً معيناً من المقاعد للمرأة. كما التزم مبارك بتقوية تمثيل الأحزاب السياسية
وهو ما يشير إلى نيته تبني الاقتراح بوضع قانون جديد للانتخابات يجمع بين نظام الانتخاب بالقوائم الحزبية (التمثيل النسبي) ونظام الانتخاب بالأغلبية (أي الدوائر). ولكنه لم يشر إلى تمثيل أقوى للأقباط، وهي قضية أساسية بالنسبة لتعميق الاندماج الوطني.
ورابعا: أقوى ما اشتمل عليه برنامج الرئيس مبارك هو الالتزام بتقوية سلطات البرلمان، وإن كان المقصود على ما يبدو هو إدخال نظام المساءلة البرلمانية للوزراء وربما لرئيس الوزراء. ويحتم ذلك بالطبع منح مجلس الوزراء سلطات حقيقية، لا تكون امتداداً لسلطات الرئيس كما هو الوضع في الدستور الحالي. وبينما لا نعلم كيف ستوزع السلطات التنفيذية بين الرئيس ومجلس الوزراء، فالواضح هو أن النية تنعقد على الاقتراب من النظام الدستوري الفرنسي، وليس الانتقال إلى جمهورية برلمانية.
وأخيرا من الملحوظ أن الرئيس لم يتطرق بشيء إلى أهم مصيدة في النظام الدستوري والسياسي المصري، وهى المادة 77 من الدستور التي تتيح الحكم طوال العمر. ولا شك أن تجاهل هذه القضية هو أهم انتصار لحزب الحكم الأبدي المطلق.
محمد السيد سعيد