أجمع مسؤولون وخبراء أميركيون على اعتبار الانسحاب الإسرائيلي فرصة واختباراً للفلسطينيين، ليثبتوا للعالم الذي سيراقبهم، ما إذا كانوا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وما إذا كانوا قادرين على إدارة شؤونهم، وفرصة للسلطة الفلسطينية، لتثبت قدرتها على ضبط الوضع والأمن في غزة.
وقال الخبراء في حوارات مع «البيان» إن الانسحاب يمثل أيضاً اختباراً لإسرائيل، وأكدوا أنه «خطوة مهمة» على طريق السلام، وأنه «سيضع المستقبل السياسي لكل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على المحك».
ورأى هؤلاء «أن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني يحتاجان إلى فترة من الزمن لاستيعاب خطوة الانسحاب وما سيترتب عليه»، كما اتفقوا على «أن الكيفية التي ستتم بها عملية الانسحاب، ستقرر الخطوة التالية، وهي التحرك قدماً في خريطة الطريق».وأضاف هؤلاء المسؤولون والخبراء في حواراتهم مع «البيان» أن فشل الفلسطينيين في إثبات قدرتهم على حكم وإدارة شؤونهم بأنفسهم وإنه إذا ساد الفلتان والفوضى واندلع العنف، فإنهم سيخسرون تعاطف العالم، الذي سيراقبهم.
وعن المتوقع أن يحصل في غزة بعد الانسحاب قال مسؤول في الإدارة الأميركية لـ «البيان» إن أحداً لا يستطيع القول إنه يعرف ماذا سيحصل، وان الولايات المتحدة تبذل كل جهد ممكن لمساعدة الطرفين على أن يتم الانسحاب بيسر وسهولة، ونأمل أن يفضي الانسحاب إلى نتائج تؤدي إلى استئناف عملية السلام، والمضي قدماً في «خريطة الطريق»، واعترف بأن «عملاً شاقاً هائلاً ومشكلات كبيرة ومعقدة تنتظر المعنيين بإحلال السلام في المنطقة».
ورأى أنه يترتب على الولايات المتحدة، أن تقوم بجهود مكثفة خلال الأشهر التي تلي الانسحاب حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية في الربيع المقبل بجسر الهوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتقريب مواقفهم من القضايا التي تتضمنها خريطة الطريق. وقال: إن الانسحاب اختبار للفلسطينيين والإسرائيليين، وخصوصاً الفلسطينيين ليثبتوا قدرتهم على حكم أنفسهم.
ومن جهته، قال رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن ادوارد ووكر (الذي عمل مساعداً لوزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت لشؤون الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة من رئاسة الرئيس السابق بيل كلينتون) إن تصور ما سيجري عقب الانسحاب سؤال صعب جداً، لا أحد يستطيع الإجابة عليه،
لأن ذلك يتوقف على ما إذا كان الانسحاب سيتم بسهولة. وتوقع أنه في حال هجوم على القوات الإسرائيلية فإن حكومة شارون ستسقط، وسيأتي بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، مشيراً إلى أن نتنياهو يتمنى وقوع العنف والفوضى في غزة، وعلى الفلسطينيين ألا يحققوا له ما يتمنى. وتابع ووكر القول: «إن الفلسطينيين هم الذين سيقررون من ينجح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة».
وأضاف ان هناك حقيقتين بالنسبة للفلسطينيين بعد الانسحاب: الأولى أنه لا يوجد أي فلسطيني سيقبل «بالانسحاب من غزة أخيراً». وهذا حق مشروع، فهم سيربطون بين الانسحاب من غزة أولاً، ثم الانسحاب من الضفة الغربية، وهذه ستكون مشكلة لإدارة الرئيس بوش عليه أن يعالجها. والثانية، أو الموضوع المهم جداً، وهو مدى استطاعة الفلسطينيين حكم أنفسهم بأنفسهم، وهذا سيكون اختباراً كبيراً لهم، فإذا نجحوا في الاختبار وأداروا شؤونهم بنجاح،
فسيكون ذلك مؤشراً للكثيرين في إسرائيل والعالم، بأنهم قادرون على إدارة دولتهم المستقلة في المستقبل، حسب ما تنص عليه «رؤية» الرئيس بوش. أما إذا وقع العنف، وعجزت السلطة عن السيطرة على الوضع، وانتهت الأمور بيد «حماس»، وحصل قتال شوارع، فهنا الفشل. والناس في مثل هذه الحالات، يتبعون المتشددين والمتطرفين، والشيء نفسه ينطبق على الإسرائيليين.
وقال: «إن الأمر في النهاية يعتمد على قوى خارجية للمساعدة، أولها الولايات المتحدة، والسعودية ومصر والأردن لدعم محمود عباس، ولتحسين ظروف حياة الفلسطينيين، وليظهر قدرته على القيادة، وهذا أيضاً يحتاج إلى دعم من شارون. والأمل كبير في ألا تنتهي الأمور في يد المتطرفين».
من جهة ثانية، قال دينس روس، المنسق الأميركي السابق لعملية السلام في عهد إدارة الرئيسين السابقين جورج بوش الأب وبيل كلينتون والخبير في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في واشنطن لـ «البيان»: إن الفلسطينيين سيكونون تحت نظر العالم ومراقبته ليرى إن كانوا قادرين على حكم أنفسهم، كل هذا سيحكم على الكيفية التي ستتقدم بها عملية السلام.
وأعرب عن اعتقاده بأنه ستكون هناك فترة سننتظر لنرى قدرة الإدارة على بناء الجسر المطلوب للتقريب بين الطرفين.واتفق كل من ووكر وروس بعبارات متطابقة تقريباً على أن الانسحاب فيه مخاطرة لكل من عباس وشارون. إذ يرى روس: «ان من المهم لشارون أن يتم الانسحاب بسهولة ومن دون خسائر وعنف، لأنه إن وقع العنف، فستكون الفرصة لخصومه للتخلص منه.
أما بالنسبة لعباس، فالعالم يراقبه ليرى إن كان قادراً على القيادة وإن كان الفلسطينيون قادرين على حكم أنفسهم. فإذا تم كل شيء بسلاسة وسهولة، وأثبتوا قدرة على حكم أنفسهم، وإدارة شؤونهم، فإن العالم سيقول إذا سار كل شيء على ما يرام في غزة، فلماذا لا يتم ذلك في الضفة الغربية، وإذا حصلت الفوضى والعنف، سيفقد الفلسطينيون التعاطف معهم».
ونصح روس الإدارة الأميركية خلال الأشهر المقبلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية أن تبذل جهودها لجسر «الهوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فهما غير متفقين حتى الآن على أي موضوع تضمنته «خريطة الطريق» والهوة بينهما كبيرة، على الإدارة أن تجسرها، وأن تقرب المواقف بينهما، وحل خلافاتهما للبدء في العمل واستئناف السير في خريطة الطريق قدماً».
وأكد المسؤولون على نفي أن «الانسحاب من غزة هو أخيراً». بل ان الانسحاب من غزة هو أولاً وليس أخيراً، يليه الانسحاب من الضفة، واتفقوا على أن الخطوات التالية ستكون صعبة وبالغة التعقيد فقد قال المسؤول في الإدارة حول ماذا سيحدث لإخلاء الضفة الغربية من المستوطنين والمستوطنات، واعتبروا هذا الموضوع «من المواضيع المعقدة التي تنتظرنا في العمل على طريق إحلال السلام،
وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش في أمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل، حسب رؤية الرئيس بوش التي أعلنها مراراً. وإن الانسحاب من غزة هو خطوة وجزء من عملية أوسع. والانسحاب سيؤدي إلى استئناف العمل لتطبيق خريطة الطريق، وان الإدارة تعمل كل جهد ممكن لمساعدة الطرفين، والجنرال وليام وورد يقوم بدور كبير لمساعدة الطرفين لتتم عملية الانسحاب بأقل قدر من المتاعب وحذر من مخاطر العنف أو الهجمات على الإسرائيليين أثناء الانسحاب، وان الإدارة تعمل بشكل مكثف ومتواصل لتنسيق وتسهيل الانسحاب».
واشنطن ـ محمد صادق