أثارت التطورات الأخيرة في العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والسلطة قلقاً من نوايا الحركة في شأن قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي المرتقب منتصف الشهر المقبل، فقد سبق لاشتباكات بين قوات الأمن الفلسطينية وعناصر «حماس».

سلسلة إشارات وممارسات ومواقف صدرت عن الحركة فهمت في أوساط «السلطة» على أنها مؤشرات على قيامها بالإعداد للسيطرة على القطاع بالقوة بعد الانسحاب.

ومن ذلك رفض المشاركة في حكومة وحدة وطنية وإصرارها على تشكيل مرجعية عليا للإشراف على الانسحاب من القطاع، وتشكيل الحركة لقوات عسكرية كبيرة نسبياً، وصدور تصريحات حادة عن زعيم الحركة في القطاع محمود الزهار ضد رئيس السلطة محمود عباس.

وذهبت مصادر أمنية في السلطة إلى حد القول ان لديها معلومات عن قيام «حماس» بإعداد 20 ألف بدلة عسكرية، معتبرة ذلك مؤشراً على نية الحركة القيام بعمل عسكري ما غداة الانسحاب الإسرائيلي.

ويملك كل طرف (السلطة وفتح من جهة وحماس من الجهة المقابلة) أدلة على تطرف نوايا كل منهما تجاه الآخر، لكن هناك أصوات كثيرة في الاتجاهين، أو مراقبة عن قرب، تتحدث عن فرص واقعية للتفاهم والاتفاق على مواقف وسط تجنب الشعب الفلسطيني حدوث مواجهة لا يريدها أحد، مواجهة من النوع الذي يخرج الكل فيها خاسرا.

ويجمع هؤلاء على أن كلمة السر في حل الأزمة تبدأ من إحياء المسار الديمقراطي وتحويل المواجهة إلى صندوق الاقتراع، والاعتراف بالمتغيرات الحاصلة في المشهد السياسي.

أزمة ثقة

يعترف الجانبان بوجود أزمة ثقة بينهما، ويسرد كل طرف عشرات الشواهد على تحمل الطرف الآخر مسؤولية عدم الثقة هذه. فحركة «فتح» تأخذ على «حماس» بحثها عن مرجعيات سياسية جديدة، غير تلك الشرعية القائمة مثل منظمة التحرير والسلطة بمؤسساتها.

وتشغيل قوات عسكرية ترى فيها بديلاً لأجهزة الأمن، والشروع في هجوم سياسي عليها وعلى رموزها، وأخيراً اللجوء إلى القوة كتمرين لمواجهة مقبلة لا تستبعد أن تصل حد التحضير للاستيلاء على السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة.

أما حركة «حماس» فتأخذ على «فتح» رهن الوطن وقضاياه الكبيرة بمشكلاتها الداخلية، ولجوئها لتعطيل الانتخابات خشية فوز «حماس» فيها، وإدارة الملفات الوطنية وفق أجندات ومصالح شخصية لهذا المسؤول أو ذاك.

أما الوسطاء فيرون أن المسافة بين الطرفين أقصر مما تبدو وأن ثمة مصلحة لكليهما في العودة إلى الحوار والمشاركة والاحتكام صندوق الانتخاب.

مبررات القلق في «فتح»

يلخص عضو المجلس الثوري لحركة «فتح» وزير الشباب والرياضة صخر بسيسو الذي شارك في مختلف مراحل الحوار بين «فتح» و«حماس» في الوطن والخارج مصدر قلق حركته من «حماس» في ما يري فيه ملامح البديل السلطوي لدى «حماس»، مشيراً إلى طرح الحركة لمرجعيات جديدة وتشكيل قوات عسكرية موازية لقوات السلطة.

ويقول: «نعم لدينا قلق من نية حماس استخدام القوة للسيطرة على القطاع، ولدى الحركة خطة تهدف لإظهار الانسحاب الإسرائيلي من غزة على أنه إنجاز لها، وأن السلطة عاجزة وفاسدة وبالتالي فإن سلطتها هي البديل».

وأضاف أن «هذا ما يفسر وجود قوات عسكرية لحماس خلف خطوط قوات الأمن الوطني ويفسر الحملة التي بدأوها ضد حركة «فتح»، أولاً ضد عضو اللجنة المركزية عبد الله الإفرنجي ثم ضد الرئيس محمود عباس الذي قال الزهار إن حركته لا تثق به، الأمر الذي نرى فيه تمهيداً لخطوات مقبلة لسحب البساط من تحت سلطته».

ويضيف: «نعم لدينا قلق حقيقي من نوايا حماس لأنها تخالف الاتفاقات وتبحث عن بدائل للأطر والمؤسسات القائمة وتستخدم القوة أو تهدد باستخدامها لفرض مواقفها».

يقول: «اتفقنا في حوار القاهرة على المشاركة في المنظمة عبر إعادة تشكيلها وتفعيل مؤسساتها لكن عندما جاء رئيس المجلس الوطني سليم الزعنون إلى غزة للتحدث مع القوى بشأن إعادة بناء المنظمة اعتذر الاخوة في حماس عن المشاركة قائلين إن مثل هذا الاجتماع يجب أن يكون للأمناء العامين.

وقد دعا الزعنون إلى اجتماع ثان في دمشق في الخامس والعشرين من مارس لكنهم عادوا وطلبوا التأجيل». ويتابع: «عندما تحدثنا عن الشراكة اتفقنا على أن يتم ذلك من خلال الانتخابات البلدية والتشريعية.

وقد أجري جزء من الانتخابات التشريعية، لكن عندما لجأنا للقضاء للطعن في نتائج بعض البلديات وصدرت قرارات قضائية لصالحنا رفضت حماس تنفيذ قرارات القضاء، وللأسف تم تأجيل الانتخابات في هذه المجالس بقرار سياسي وهذا خطأ لأنه لا يجوز التدخل في قرارات القضاء وحتى الآن فإننا لا نعرف من هو الشرعي في المجالس التي تقرر إجراء الإعادة فيها».

ويضيف «وفي الانسحاب من غزة قلنا إن السلطة هي المرجعية، وقد شكلت الحكومة العديد من اللجان لكن جاءت حماس وقالت نريد تشكيل مرجعية عليا للإشراف على الانسحاب، إذا ماذا تبقى من دور للحكومة. هناك نظم وقوانين يجب الالتزام بها، وفي هذه الحالة فإننا نخالف جميع النظم والقوانين».

ويأخذ صخر بسيسو على «حماس» تشكيل قوات عسكرية «المرابطون» ولجان أمنية باسم «لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» والشروع في حملة واسعة ضد «فتح» وقياداتها. وأضاف أن هناك أدلة كثيرة على أن «حماس» تتجه نحو خيار القوة، وعلينا الإدراك أن هذا يجرنا إلى صدام لا نريده.

وعن تفسير الاشتباكات الأخيرة على أنها محاولة من السلطة للاستجابة للشروط الغربية والإسرائيلية بضرب «حماس» يقول بسيسو إن «أبومازن قاوم على الدوام طلب جمع السلاح وتفكيك المنظمات وطرح بديلاً لذلك وهو التهدئة، لكن الجديد هو أن حماس تحاول خلق سلطة موازية على الأرض وهو ما وصل لمرحلة لم تعد محتملة».

وعندما سألته «البيان» عن أخطاء ارتكبتها «فتح» والسلطة ودفعت الحركة الإسلامية إلى هذا الخيار رد بالقول إن «هناك أخطاء يجب معالجتها لكن المعالجة لا تتم على هذا النحو من التحدي للسلطة، نعرف أن الشارع غير راض عن الطريقة التي تعمل بها أجهزة الأمن ولا هو راض عن التعديات على الأملاك العامة، لكن الحل ليس في إيجاد سلطة موازية أو بديلة».

ويرى بسيسو أن الحل يكمن في مشاركة «حماس» في المنظمة والسلطة ويقول: «الذي يريد قيادة المجتمع عليه أن يشارك في المؤسسات وليس أن يجد مؤسسات بديلة» وعن المشاركة في الإشراف على الانسحاب من غزة يوضح بسيسو أن «المطروح الآن هو الهيئة الاستشارية».

الأزمة ليست مستعصية

ويعترف الدكتور محمد غزال أحد قيادات حركة «حماس» في الضفة بوجود «أزمة ثقة بين الجانبين»، وبواقعية شديدة يقول أستاذ الهندسة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس إنه «قد يكون لكل طرف هنا مبرراته في أزمة الثقة، لكن بموضوعية أرى أن السلطة تتحمل القسط الأكبر في ذلك».

ويشرح غزال تطورات أزمة الثقة بين حركته والسلطة قائلاً: «لنبدأ من اتفاق القاهرة وهو الاتفاق الذي يعلم الجميع أنه يعكس أجندة توافقية وليس أجندة «حماس» ذلك أن حماس وبصراحة شديدة، لم تكن تريد تهدئة طويلة إلى هذا الحد، وبهذا الثمن».

ويبرر موقف الحركة في التوصل إلى ذلك الاتفاق حسب تعبيره بالقول: «كان لدينا انطباع بأن إسرائيل لن تلتزم بشيء، لكن قلنا لنمنح مجتمعنا فترة راحة، فترة نعمل فيها على ترتيب بيتنا استعداداً للمرحلة القادمة، فإسرائيل لن تعطي شيئاً، وبالتالي فإن الانفجار لا محالة قادم».

وبشأن الانتقادات التي توجهها «حماس» للرئيس محمود عباس يقول غزال إن المشكلة التي يعانيها الرئيس ناتجة عما يسميها مراكز القوى في «فتح» والسلطة ويقول: «قد يكون أبو مازن يعاني من فتح أكثر مما يعانيه من حماس».

وعن تفاقم سوء التفاهم بين الجانبين يقول غزال ان الأنباء التي يتلقاها كل جانب عن الآخر تعزز عدم الثقة بينهما، «ثمة معلومات غير صحيحة تصلهم عن أننا نعد جيشاً للاستيلاء على القطاع ، وثمة معلومات تصلنا عن نية بعضهم تأجير الأراضي التي ستخلى من غزة لشركات أجنبية ولمصالحهم الخاصة».

ولا يرى محمد غزال في الأزمة بين «السلطة» و«حماس» حالة مستعصية، ويعتقد أنها «ستنتهي حالما تظهر السلطة اهتماماً جدياً في إيجاد حل لها». ويضيف: «أي إجراءات تدل على نية الإصلاح والتفاهم ستشكل مفتاحاً للحل. ويعتبر غزال أن فرصة السلطة للتفاهم مع حماس أسهل من فرصتها مع غيرها.

لكنه في الوقت ذاته يرفض فكرة موافقة «حماس» على سحب السلاح بعد الانسحاب معتبراً أن هذا السلاح موجود للدفاع عن غزة ضد أي عدوان إسرائيلي مستقبلي. ويتساءل عن إمكانية سحب سلاح «كتائب شهداء الأقصى» مشككاً في إمكانية حدوث ذلك.

ميزان قوى جديد

ويعزو زياد أبو عمرو القريب جداً من الحوارات التي جرت بين السلطة و«فتح» من جهة و«حماس» من جهة ثانية تفجر الخلافات وأزمة الثقة بين الجانبين إلى مجموعة من العوامل في مقدمتها «المتغيرات على الأرض».

ويقول إن «العلاقة غير إيجابية نتيجة مجموعة عوامل مثل انتخابات المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية التي رافقتها خلافات حول النتائج، وموضوع المتغيرات على الأرض» وأضاف أن «هناك متغيرات أساسية كبيرة وموازين قوى جديدة يبدو من الصعب استيعابها من قبل بعض الأطراف داخل فتح». ويرى أبو عمرو أن الاعتراف بهذه المتغيرات واستيعابها يستلزم بعض الوقت.

وفي الوقت نفسه يستبعد كلياً أن تلجأ «حماس» إلى وسائل انقلابية ويقول: «مثل هذا الاستنتاج في غير مكانه وغير وقته لأن حماس تطالب مثل بقية الأطراف باستئناف العملية الديمقراطية وإعادتها إلى مسارها».

صراع على امتلاك الانسحاب

ويشكك خليل الشقاقي في جدية قلق السلطة من «حماس» لأنها لا تتخذ الإجراءات الكافية لمواجهة أسباب هذا القلق. ويقول: «إذا كانت السلطة قلقة من حماس فإنه يمكن لها أن تتخذ العديد من الخطوات لمعالجة الأسباب التي تدفع المواطن لتأييد حماس وذلك مثل محاربة الفساد والفوضى وفرض النظام والقانون وإظهار اهتمام أكبر بتوفير الخدمات الأساسية للمحتاجين».

ويشخص الخلاف بين الجانبين في رؤية ومصلحة كل منهما في الانسحاب الإسرائيلي ويقول: «حماس تعتقد، ومعها حق في ذلك، أن الخروج الإسرائيلي من غزة هو اضطراري وجاء بسبب الانتفاضة والعمل المسلح، يشاركها في ذلك الغالبية العظمى من الشارع، فهي بالتالي تعتبر نفسها مسؤولة بدرجة كبيرة عن انهاء الاحتلال وتريد أن تعتبره انتصاراً لها.

بالمقابل تجد السلطة صعوبة بالغة جداً في امتلاك الانسحاب لأن أبو مازن صرح أثناء وخلال وبعد حملته الانتخابية أن العمل المسلح قد شكل ضرراً بالغاً على المصالح الفلسطينية وبالتالي لا يستطيع أن يمتلك عملية الخروج من غزة إلا إذا تمكن من تحقيق إنجازات سياسية مثل الممر الآمن والسيطرة الكاملة على المعابر وفتح المطار وأن يكون الانسحاب من غزة كاملاً وتحسين الوضع الاقتصادي في القطاع».

ويستبعد الشقاقي أن تلجأ حماس للسيطرة على قطاع غزة بقوة السلاح لكنه لا يستبعد أن تحقق ذلك بالانتخابات. ويقول: «يمكن لحماس السيطرة على القطاع من خلال الانتخابات إذا فشلت السلطة في إيجاد حلول للمشكلات التي تواجهها سواء في الفساد أو فرض القانون أو امتلاك عملية الخروج من غزة لأن حماس في هذه الحالة ستطور بديلاً أفضل من صورة السلطة العاجزة والفاسدة في نظر الشارع».

ويعتبر الشقاقي ذلك التهديد الحقيقي الذي تمثله «حماس» وهو «كسب عقول وقلوب الرأي العام الفلسطيني وتحقيق أغلبية في انتخابات المجلس التشريعي في حال فشلت السلطة في تحقيق توقعات الشارع».

ويقرأ الشقاقي الاشتباكات الأخيرة في غزة في سياقين: الأول، قرب تطبيق خطة الانفصال. والثاني، الضعف الذي أظهرته السلطة في الأشهر الستة الأخيرة.

ويقول إن «حماس احتفظت دائماً بحق الرد ولا جديد بينها وبين السلطة سوى قرب موعد خطة الانفصال ورغبة السلطة في أن تظهر للأميركان أنها ملتزمة بوعودها في التعاون لجعل الانسحاب آمناً». ويرى أن الضعف الذي أظهرته السلطة أمام خارقي القانون قد شجع الآخرين على ملء الفراغ. وأضاف أنه « إذا أظهرت السلطة إرادة سياسية حازمة فإن حماس ستقلل من تحديها لها».

لكن الشقاقي لا يستبعد أن تقود التطورات إلى انفصال للقطاع عن الضفة كأمر واقع وذلك في حال سيطرت عليه حماس بقوة الصوت الانتخابي.

ويقول: «لا يوجد خوف أن تستقل حماس في غزة، لكن هناك تخوف إن تمكنت حماس من الفوز بأغلبية في غزة أن يتبع ذلك خطوات من جانب إسرائيل من جهة ومن جانب السلطة من جهة ثانية تقود إلى أمر واقع يكون فيه قطاع غزة مفصولاً عن الضفة ويكون القطاع خاضعاً لحماس بينما الضفة خاضعة لسيطرة السلطة».

أما عن تصريحات زعيم حركة «حماس» في غزة محمود الزهار القاسية بحق السلطة والرئيس عباس فيقول الشقاقي بأنها «تعكس إحساس حماس بأن السلطة وأبو مازن بشكل خاص ضعفاء. فأجهزة الأمن عاجزة عن فرض النظام، وأبو مازن يذهب لعمان ودمشق للالتقاء بقيادات من الحرس القديم الذين لا يمتلكون أية قاعدة شعبية ذات أهمية .

وهو ما يخلق انطباعاً لدى حماس بأن هذه السلطة التي تقف عاجزة أمام مجموعات مسلحة صغيرة وقيادات ضعيفة من دون شعبية لهي أعجز من أن تواجه حركة شعبية مسلحة مثل حماس».

ويعتقد الشقاقي أن: «تصريحات الزهار تشير إلى هذا التحول، فحماس تتحول إلى حركة معارضة سياسية للحزب الحاكم الذي يظهر علامات الضعف والشيخوخة».