يتداخل الحديث ما بين السياسة والقضاء عند سؤال مدعي عام التمييز السابق القاضي منيف عويدات عما يجري في لبنان هذه الأيام من تطورات ومتغيرات على الصعد المختلفة.ارتبط اسمه بأكبر الملفات التي شهدها تاريخ القضاء اللبناني وكانت لمطالعاته الطويلة الصدى المجلجل في قاعات المحاكم وفي المجتمع على السواء، فعويدات الذي تقاعد من منصبه بعد أكثر من 40 عاما في السلك القضائي كان لفترة من الفترات «رأس الحربة القانونية«التي حاكمت العماد ميشال عون.
وسمير جعجع، القطبين المسيحيين العائدين إلى الساحة السياسية بقوة بعد المرحلة الجديدة التي يعيشها لبنان منذ حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.في حديثه لـ «البيان» يكشف عويدات عن معلومات لم تنشر سابقا، فيشير إلى أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد هو الذي طلب من رئيس الجمهورية الياس الهراوي إصدار مرسوم عفو خاص عن العماد عون في العام 1990، حين كان لايزال قابعا في السفارة الفرنسية في بيروت التي لجأ إليها.
الأسد وعون
يوضح القاضي عويدات أن «الرئيس الأسد كان أول من طلب إصدار العفو عن ميشال عون، لا أحد يعرف ذلك. أنا اشتركت بهذه القضية. بعد انتهاء المعارك بين الجيش اللبناني بقيادة عون والجيش السوري، جاء السفير الفرنسي في لبنان إلى الرئيس الهراوي وطلب منه تسليم عون الذي كان قد أصبح ورفاقه في السفارة الفرنسية، فأجابه الهراوي بأن لا دخل له بهذه القضية، وقال له أطلبوه من حافظ الأسد، فأرسل الفرنسيون دبلوماسيين إلى دمشق للقاء الأسد، وانتهى ذلك الاجتماع بأمر رقم واحد يطلب فيه الأسد من الهراوي تسليم عون إلى فرنسا».
ويتابع عويدات «بعد أسبوع تقريبا، عقد اجتماع عند الهراوي حضره نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس مجلس الوزراء عمر كرامي، وبعض رجال القانون، وجاء الطلب الثاني بإصدار عفو خاص عن عون، فاستشارني الرئيس الهراوي لإيجاد الصيغة القانونية للموضوع. قال خدام طبقوا قوانينكم كما تشاؤون نحن نريد العفو. طلبوا مني تنفيذ ذلك فطلبت مهلة ثلاثة أو أربعة أيام، لكن الهراوي أصّر على أن أنجز العمل في الليلة ذاتها، فوضعت صيغة تقول بأنه يحق لمجلس الوزراء إصدار العفو العام والخاص، لمن لم يستفيدوا من قانون العفو شرط أن يغادر المستفيد من العفو البلد لفترة خمس سنوات فكان صدور المرسوم رقم 1627».
ويضيف «وضعت جملة خاطئة عن قصد في نهاية المرسوم. فطلب مني الرئيس الحسيني تعديلها على اعتبار أن خدام لن يقبل بها، لكنني رفضت، وقلت: إن لم ينجح التحالف بين سوريا وفرنسا لاحقا سندفع نحن الثمن، أرسلوها إلى خدام ليصححها هو بيده، وهذا ما حصل». ويؤكد «أنا أول من قال أن عون يمكن أن يعود بعد مرور السنوات الخمس، من دون أن يعترض طريقه أحد».
جعجع والعفو
لسمير جعجع الخارج إلى الحرية منذ أيام فقط تجربته الطويلة مع عويدات، باعتبار أن الأخير كان مدعي عام التمييز الذي حاكمه في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة التي اتهم بها جعجع.عن هذا الموضوع يقول عويدات «يتحدثون اليوم أنه كان هناك تدخلات وضغوطات في قضية محاكمة جعجع، وأنا أقسم أن رئيس الجمهورية الياس الهرواي لم يكن على علم بما يحصل في هذه القضية، حتى حين أعطيت الأمر بتوقيفه (جعجع) لم يكن أحد يعلم بذلك، لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا وزير العدل، الكل استغرب عند سماع الخبر، واتصلوا بي للاستفسار».
وعلى الرغم من تأكيده على نزاهة القضاء والمحاكمات في وقتها، وراحة ضميره في العمل الذي أسند إليه، إلا أن عويدات يسجل للتاريخ اعتراضه على قانون العفو العام الصادر في لبنان عام 1991، والذي كان فيه بعض الاستثناءات التي طالت جعجع، ويقول «كان الوحيد الذي أدين علما أنه لم يكن الوحيد الذي ارتكب الجرائم، وقد أعفي عن الكثيرين، لكن العفو الجائر استثناه، قلت ذلك حين صدور القانون، أنا أقف معه في هذه النقطة، قانونيا وليس مسايرة كما يفعل الكثيرون اليوم».
ويضيف «اليوم يتحدثون عن الظلم والمظلومين، بعض الأشخاص يعطون آراءهم من دون أن يعلموا ماذا يوجد في ملفات القضايا التي تتضمن أحكاما صادرة عن المجلس العدلي وهو أعلى سلطة قضائية في لبنان، فهل كل من مر أمامهم كان ضحية الظلم والتزوير، هل يعقل هذا؟».
ويقول عويدات «طرحت على نفسي سؤالا عند توقيف سمير جعجع، هل يعقل أن هذا الرجل الذي ترك دراسة الطب في السنة الخامسة لحماية مثل هذه الكنيسة أن يقوم بنسفها، هذا سؤال يطرحه المجتمع. جرجس الخوري (المتهم في القضية مع جعجع) الذي أعفي عنه أيضا هو من أعطانا الأخبار، إنه مشترك في العملية مع امرأة يهودية، جاء إلينا وسلم نفسه، أتى من الشريط الحدودي. هل يعقل هذا؟ هذا يؤكد أنه جاء ليلعب دورا قد يكون النيل من «القوات اللبنانية»، أنا طلبت التحدث عن قضية الكنيسة قبل قضية داني شمعون، لكنهم لم يقبلوا».
الحريري
وتضليل التحقيق
إذا كان رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس الحريري الألماني ديتيلف ميليتس قد ملأ الدنيا وشغل الناس منذ توليه هذه القضية، فمن المفارقة أن عويدات كان أول لبناني تعامل مع ميليتس في قضية تسليم الفلسطيني ياسر شريدة المتهم بتفجير مقهى ليلي في ألمانيا قتل فيه عدد من الأميركيين.عن التحقيق في جريمة اغتيال الحريري يرى عويدات كخبير مخضرم في القضايا الجنائية أن هذا النوع من الجرائم يندرج في علم الجريمة تحت إطار «الجريمة المنظمة»، ويؤكد أن من يعمد إلى تضليل التحقيق يكون على علم بهوية القاتل.
وعن مجريات التحقيق في هذه القضية يشدد عويدات على أن «التحقيق يجب أن يكون سريا، إذ يعتبر البوح بأسراره جرما، يجب ألا يظهر على شاشات التلفزة، يظهر ليقول ان التفجير حصل فوق الأرض وان سيارة ميتسوبيشي متورطة، ويطلب من المواطنين أن يدلوا بمعلومات حول ذلك، فما الذي جاء يفعله هو؟ إن جريمة اغتيال الحريري جريمة منظمة، علينا أن ننظر من يضلل التحقيق. من هنا نبدأ».
وعن الكلام المثار حول دور الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية في هذه القضية، يجيب عويدات، «هذا كله كلام سياسي، في السابق، كنا نلوم إسرائيل على كل شيء، أما اليوم فأصبحنا نلوم سوريا. ليس مسموحا أن يطلقوا الأحكام المسبقة وإلا يضيع المحقق في عمله».
التحقيق لا يقرأ على الورق، بل هو خبرة وقدرة التحدث مع الجوامد، هذا ما يؤكده مدعي عام التمييز السابق في لبنان منيف عويدات، الذي لا يبدو متفائلا بما يشهده البلد من أحداث أمنية وسلسلة اغتيالات، ويبدي تخوفه مما قد يحمله المستقبل من مفاجآت قد تكون من الحجم الثقيل، ما يزيد من تعقيد الوضع السياسي والأمني في لبنان.
بيروت ـ نادر صباغ