أكد الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل أن لبنان يمر بمرحلة انتقالية حساسة وصعبة، تتطلب وعياً دقيقاً من كل الشعب اللبناني، مشيراً إلى أن هذه المرحلة على دقتها وحساسيتها، تشكل أساساً لبناء لبنان الغد، كما طمحت إليه ورسمته حركة 14 مارس. ويبدي الجميل في هذا الحوار انفتاحاً إيجابياً على كل الأفرقاء على الساحة اللبنانية، فهو يرحّب بإقرار قانون العفو عن سمير جعجع ورفاقه وعن موقوفي أحداث الضنية ومجدل عنجر.

كما يشيد بلقائه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ويبدي احتراماً لدور العماد ميشال عون الوطني، ولو أنه يختلف معه حول بعض مواقفه السياسية. ويرى الجميل أن مرحلة جديدة من العلاقات الجيدة والمتكافئة مع سوريا ضرورية لاستقامة الأمور في لبنان، بدليل أن ما من لبناني إلا ويؤمن بهذه العلاقات المتكافئة ويطالب بها. ويبدي الجميل أسفه لعملية الانقلاب على انتفاضة 14 مارس التي «لم نحسن استثمارها كما يجب والبناء عليها، لتثمير مضامينها الوطنية».

«الصياد» حاورت الجميل:

ـ البلاد تعيش اليوم وضعاً سياسياً غير مستقر، إذ استغرق تشكيل الحكومة أكثر من أسبوعين منذ تكليف الوزير السابق فؤاد السنيورة.

ـ إن البلاد تنتقل من حالة إلى حالة، والممسك بالحالة السابقة سيحاول المحافظة على موقعه وعلى مكتسباته، وهناك مجموعة كبيرة من القوى المعنية بالمرحلة السابقة، من جهة ثانية، هناك الفريق الذي يعتبر انه انتصر لمجرد أنه كوّن أكثرية مطلقة في مجلس النواب، ويطمح إلى التغيير الجذري، وهناك شريحة كبيرة من الناس تفكر بهذا الاتجاه وتريد التغيير، والبعض يفهم التغيير نوعاً من الانقلاب على المرحلة السابقة. بالتالي من الطبيعي أن تشهد هذه المرحلة الانتقالية صراعاً سياسياً حاداً.

ـ إذا عدنا إلى المرحلة السابقة التي كانت المعارضة تسميها مرحلة الوصاية السورية، برأيك بعد خروج الجيش السوري من لبنان، هل لا تزال هناك فعالية للدور السوري في الحياة السياسية اللبنانية؟

ـ يخطئ من يعتبر أن الدور السوري في لبنان انتهى، أو التأثير السوري في لبنان انتهى، وكنا من الأوائل الذين نادوا بضرورة انتشال العلاقات اللبنانية ـ السورية من هذا المستنقع الذي وقعنا فيه، وسوريا تاريخياً وتقليدياً لها تأثير في لبنان وصداقات وحتى تحالفات منذ ما قبل مرحلة الاستقلال، ما قبل العام 1943، وكانت هناك علاقات خاصة وتحالفات بين قيادات لبنانية وسورية، خاضت متضامنة معارك الاستقلال، وفي ما بعد استمرت مثل هذه العلاقات، وهناك محطات تاريخية، حيث إن سوريا لعبت أدواراً كان لها التأثير على الساحة اللبنانية، هذا التأثير يكبر في مرحلة ويصغر في مرحلة، إنما هو موجود.

إضافة إلى هذه العناصر التاريخية والتقليدية، في الوقت الراهن سوريا ما زالت تتمتع بمواقع متقدمة، منها تحالفها الطبيعي مثلاً مع القوى الشيعية المؤثرة كـ «حزب الله» وحركة «أمل».. وكذلك الأمر هناك موقع رئيس الجمهورية الذي هو صديق سوريا وصديق الرئيس (بشار) الأسد، وما من شك أن هناك اتصالاً ما بينهما وتواصلاً على هذا الصعيد، عطفاً على بعض الصداقات السياسية الأخرى أو وجود أجهزة المخابرات السورية التي لا أحد يصدق أنها انسحبت من لبنان، أسوة بغيرها من أجهزة المخابرات أكانت عربية أو غربية. إذ ليست المخابرات السورية وحدها على الساحة اللبنانية، لكل هذه الأسباب يخطئ من يفكر أنه يمكن إنهاء التأثير السوري في لبنان.

ـ كيف تفسر الإجراءات على الحدود اللبنانية ـ السورية وضد صيادي الأسماك اللبنانيين؟

ـ هذه نغمة سورية قديمة جديدة في طريقة التعاطي. فكلما أرادت سوريا أن ترسل لنا رسائل مع «عضلات» تكون الحدود هي الضحية، ولاشك في أن لهذا الأمر تأثيراً على الاقتصاد اللبناني، وحتى على الوضع العام في البلاد، ومن المؤسف أن نصل إلى هذه المرتبة. لربما الشعب اللبناني أو بعض المسؤولين في لبنان أخطأوا بحق سوريا، ولربما كذلك حصل «أوفر دوز» أي ردة فعل مبالغ فيها للشارع اللبناني إثر استشهاد الرئيس (رفيق) الحريري وما نتج عن ذلك.

إنما كذلك الأمر سوريا أخطأت في لبنان، وعليها أن تعتبر أيضاً أن الخطأ ليس من طرف واحد، والممارسة السورية في لبنان طيلة السنوات الماضية لم تكن فعلاً على مستوى ما كان يطمح إليه الشعبان اللبناني والسوري لجهة نوعية العلاقة التي كان يجب أن تقوم بين البلدين.

من هنا، فإنه من الضروري أن يتجاوز البلدان والشعبان والحكومتان عقد الماضي ورواسبه، وأن نعلن «هدنة» سياسية بين البلدين، تكون مرحلة تقييم للأخطاء التي ارتكبت من هنا وهناك والتأسيس لعلاقات مستقبلية. وأعتقد أنه من مصلحة سوريا أن تقوم بهذه المراجعة من أجل تصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية، لأن لذلك تأثيراً داخل سوريا، سياسياً واقتصادياً، وكذلك الأمر هذا يؤثر على صورة سوريا في الخارج وعلى علاقة سوريا مع الخارج، طالما أن العالم اليوم ينظر إلى سوريا من خلال العلاقات السورية ـ اللبنانية وطريقة التعاطي السوري مع لبنان. إضافة بالطبع إلى البعد الفلسطيني والبعد العراقي.

وعلى الصعيد اللبناني لنا مصلحة كبيرة في علاقات جيدة مع سوريا، ولا اعتقد انه يوجد لبناني إلا ويعترف بأهمية سوريا في لبنان، وبتأثير سوريا على لبنان، وبضرورة تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا كي تكون علاقات ممتازة وعلاقات ندية، فهل ستتمكن الحكومة اللبنانية العتيدة من أن تدفع بهذا الاتجاه؟

وهل اذا بادرت الحكومة اللبنانية، ستتجاوب الحكومة السورية معها؟ الضروري أن يتم التجاوب. ولست أدري إلى أي حد يمكن للأشقاء العرب من خلال جامعة الدول العربية أو إفرادياً، المساهمة في ترطيب الأجواء. التجارب العربية السابقة لم تكن مشجعة إنما يبقى على المرء أن يحاول وأن يتفاءل.

ـ لنعد إلى ما حصل في مجلس النواب في أول جلسة له بعد الانتخابات، وهو تعديل قانون العفو لخروج سمير جعجع من السجن واطلاق معتقلي أحداث الضنية ومجدل عنجر ـ وجرجس الخوري.. ما هي ترددات هذا التعديل على الوضع اللبناني كله وعلى الوضع المسيحي بعد خروج جعجع من السجن؟

ـ من الناحية المبدئية ان التوقيف السياسي أو السجن السياسي أو النفي السياسي، مخالف للتقاليد اللبنانية والقواعد الديمقراطية التي اشتهر بها لبنان. والعدل الاستنسابي هو الظلم بالذات. العفو عن الدكتور جعجع أصبح ضروريا، وانهاء هذا الملف واقفاله، له تأثير بالغ على الصعيد اللبناني، وعلى صعيد الوضع المسيحي في لبنان. ولا شك في أنه سيعزز أكثر فأكثر العمل السياسي الديمقراطي في لبنان، وسيعطي زخما جديدا لنضال القوات اللبنانية كحركة سياسية نضالية.

الى جانب القوى الأخرى، سواء أكانت مسيحية أو اسلامية.. لبنان بعد 14 مارس هو غير لبنان قبل 14 مارس بعد عودة العماد ميشال عون وتحرير الدكتور سمير جعجع وتحرير الحياة السياسية بصورة عامة واعادة اللعبة الديمقراطية إلى مجراها الطبيعي بدون كل الضغوطات التي كانت تمارسها أجهزة المخابرات اللبنانية والسورية، كل ذلك ينبئ بمستقبل أفضل للحياة السياسية في لبنان وللديمقراطية فيه، والمجال واسع لكل الفئات لأن تمارس عملها السياسي لصالح البلد.

ـ الواضح أن الوضع السياسي على الساحة اللبنانية «ملبد» وغير مستقر وايضاً الوضع الأمني، مسلسل الاغتيالات مستمر، منذ محاولة اغتيال الوزير السابق النائب مروان حمادة الى اغتيال الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما، الى اغتيال الصحافي سمير قصير وجورج حاوي الى محاولة اغتيال نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر.. من يلعب برأيك بمصير البلد خصوصا في ظل وجود لجنة التحقيق الدولية ووضع لبنان تحت المجهر الدولي؟ وما هذه القوة الخفية الخارقة التي تلعب بمصير لبنان؟

ـ لبنان يعيش منذ سنوات طويلة نوعا من «الاباحية» الأمنية، الكل يعلم وليس هذا بسر أن أجهزة المخابرات اللبنانية كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بأجهزة المخابرات السورية، وهذا كان من ضمن عقيدة الدولة بصورة عامة. الدولة اللبنانية لم تكن تخفي هذا الأمر، وكل شعارات الدولة وحتى ثقافة الدولة في ذاك الوقت كانت ثقافة تقول بالتكامل والحاق السياسة اللبنانية بالاستراتيجية السورية.

فالأولوية إذاً كانت حماية التركيبة السورية في لبنان، ثم مناهضة كل من يواجه هذه الحالة، وما عدا ذلك يصبح ثانوياً وهامشياً. إذاً الحل هو في التغيير الجذري في عقيدة الأجهزة الأمنية والمخابراتية في لبنان، وإعادة تركيب سلم الأولويات لديها، كي تصبح حماية أي مسؤول لبناني من أولوياتها.

والدليل أن الأجهزة الأمنية غير مهتمة بالداخل بما فيه الكفاية هو مسلسل الاغتيالات الذي تشهده البلاد منذ اغتيال القضاة الأربعة على قوس المحكمة في صيدا، إلى اغتيال رمزي عيراني، إلى محاولة اغتيال النائب مروان حماده إلى اغتيال الرئيس الحريري إلى اغتيال سمير قصير وجورج حاوي، ومحاولة اغتيال الوزير الياس المر.. حتى الآن، لم ينكشف بعد أي خيط يتعلق بهذه الجرائم أو يشير إلى مدبريها أو مرتكبيها. هذا أمر خطير. فهنا لومنا على الأجهزة الأمنية، لوم التقصير أو عدم الفعالية. ولماذا تنفق كل هذه الأموال على هذه الأجهزة؟

ـ هناك إشارات صدرت عن مسؤولين أمنيين سابقين مثل المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد ومدير المخابرات الأسبق العقيد جوني عبدو تدل إلى جهات لبنانية متورطة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟

ـ كل هذا جدل سياسي، الذي ينتظره الناس هو دلائل حسية والكشف عن المسؤولية المباشرة عن هذه الجرائم، هذا هو المطلوب.

ـ هل تأمل بأن تتوصل لجنة التحقيق الدولية إلى كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أو التلميح على الأقل إلى الجهة المسؤولة أو المقصرة؟

ـ آمل ذلك، لربما، ستتمكن هذه اللجنة من أن تكشف الحقيقة، إنما لن تكون مهمة لجنة التحقيق الدولية سهلة بسبب وضع الأجهزة الأمنية والمخابرات اللبنانية. والانطباع هو أن لجنة التحقيق الدولية تحاول أن تبني من الصفر، وهنا صعوبة مهمتها.

ـ زرتم مؤخراً الأمين العام لحزب الله، ماذا دار بينكما من أحاديث؟

ـ لقد كانت أول زيارة أقوم بها إلى السيد حسن نصر الله، التقينا في بعض المرات في مناسبات عامة، وكان مجرد سلام وكلام، إنما الزيارة التي تشير إليها فهي الأولى، وحصل خلالها حوار تعارف، ولمست لدى السيد حسن نصر الله رغبة في الحوار والتواصل، من أجل الصالح العام. وكانت الزيارة في نظري إيجابية وبنَّاءة تناولت مواضيع عدة، منها الوضع الداخلي وعلاقة «حزب الله» ببقية الأحزاب اللبنانية.

وسمعت من السيد نصر الله كلاماً يطمئن، إذ هو يؤكد على ضرورة المحافظة على الخصوصية اللبنانية وعلى الثوابت اللبنانية وعلى الديمقراطية التوافقية في لبنان. وأهمية هذا الكلام هو أن شريحة كبيرة من اللبنانيين كانت حذرة من موقف «حزب الله» كحركة مقاومة على الساحة اللبنانية وها هو ينخرط اليوم في الحياة السياسية في لبنان، ضمن الثوابت اللبنانية والميثاق الوطني ووثيقة الطائف.

الشأن الآخر هو مصير المقاومة في الجنوب، وهنا كان موقف «حزب الله» واضحاً لجهة إصراره على إبقاء السلاح بيده. وكذلك، أنا أكدت أنه لا يعقل أن تقوم على الساحة اللبنانية سلطتان: سلطة الدولة وبجانبها أي سلطة أخرى أكانت مقاومة أو حزباً أو ميليشيا أو غير ذلك.. وركزّت كذلك على أنه لا يعقل أن يكون قرار الحرب أو السلم في يد فئة لبنانية معينة، إذ يقتضي أن يكون هناك تضامن لبناني لإقرار هكذا خيارات واستراتيجيات. وفي نهاية الأمر، استشفيت أن هناك إمكانية حوار بناء وبعيد عن التشنج، وإعطاء بعض التطمينات والضمانات المتبادلة من أجل تحقيق ما يخدم مصلحة الوطن ويطمئن الأطراف.

ـ موفد الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن اقترح دمج حزب الله بالجيش اللبناني، ما هو رأيك بهذا الاقتراح؟

ـ لا أريد أن أدخل مباشرة في هذا الموضوع، عندي تصور لطريقة حل هذه المشكلة، سأطرحه في الوقت المناسب، وعندما تستقر الأوضاع الحكومية والسياسية، والطرح الذي عندي يمكن أن يرضي كل الأطراف، ويحفظ المصلحة اللبنانية العليا، ولا ننسى أن تجربة «حزب الله» ليست تجربة فريدة، هناك في العالم تجارب عديدة، في بلدان عدة قامت مقاومة وطنية ومن ثم اضطرت هذه الحركات إلى أن تدخل في الحلول السياسية، وأن تعتمد خيارات أخرى غير المقاومة، ولا مجال الآن لسرد كل هذه الأمثلة، وفي لبنان أيضاً هناك تجارب، في العام 1958 وفي العام 1975 و1976، وبعد اتفاق الطائف.

وقد تم معالجة السلاح غير الرسمي ولابد من أن نصل على الصعيد الوطني إلى تفاهم حول هذا الموضوع، لاسيما وأن الذي حمى «حزب الله» قبل تحرير الجنوب هو التفاف الشعب اللبناني كله حوله، من دون أي قيد أو شرط، وكانت مقاومة اللبناني في الداخل توازي مقاومة «حزب الله» على الحدود، عندما كانت إسرائيل تقصف محطات الكهرباء في الجمهور وفي بصاليم، وتقوم باعتداءاتها، وكانت نية إسرائيل خلق «شرخ» بين المقاومة والشعب اللبناني، لكن هذا الشعب تصدّى لهذه الخدعة، ولهذه المحاولات الإسرائيلية.

وتمسك بخيار المقاومة ودَعَم «حزب الله» في خياره، هذا هو سرّ نجاح «حزب الله» وتحرير الجنوب بفضل المقاومة. واليوم من مصلحة «حزب الله» أن يبقي هذا التضامن الوطني من حوله، وأي بلبلة من هذا القبيل ستعرّض الجميع لانعكاسات سلبية. من مصلحة «حزب الله» أن يفتش معنا عن مخارج من أجل الحفاظ على الوحدة الداخلية التي هي في النهاية تخدم توجهاته، وهذا الأمر يحصّن «حزب الله» أمام الضغوطات الخارجية التي تمارس عليه، من قِبّل مجلس الأمن الدولي ومجموعة من الدول الفاعلة والقادرة.

ـ كان من الملاحظ أنك كنت أول الواصلين إلى مستشفى سرحال للاطمئنان إلى الوزير الياس المر، إثر محاولته الاغتيال التي تعرض لها، وأيضاً أول الواصلين إلى منزل جعجع بعد إقرار قانون العفو، هل يمكن أن نعتبر أن زيارتك للاطمئنان على سلامة الوزير الياس المر ولقاؤك والده النائب ميشال المر، بداية كسر الجليد السياسي بينكما؟

ـ بصراحة أقول، نحن موقفنا من الرئيس ميشال المر ومن نجله الوزير الياس المر كان نابعاً من ظروف سياسية لا شخصية، وموقفنا السياسي كان في ضوء الوضع العام الذي تعيشه البلاد، حيث كان الصراع السياسي في أشده، إذ كنّا نحن في موقع وآل المر في موقع آخر، وكنّا نعتقد أن موقفنا كان يعبر عن مشاعر الناس، لاسيما في منطقة المتن، أما وقد قال أبناء المتن كلمتهم واقترعوا بكثافة لميشال المر في الانتخابات الأخيرة، فقد تغيرت المعطيات، ونحن نحترم إرادة الناس وخياراتهم ونعمل على هذا الأساس.

ـ بالنسبة إلى حزب الكتائب، كانت هناك جهود للم الشمل، أين أصبحت هذه المساعي؟

ـ لم أزل على قناعة بأن حزب الكتائب هو ضرورة وطنية، حزب عنده عقيدته، وعنده نهجه، وعنده خياراته السياسية، ودوره الطليعي في المساهمة في تحديد الخيارات الوطنية الأساسية، ولم يأتِ حتى اليوم من يأخذ موقع الكتائب من هذا القبيل. وأعتقد أن التشرذم الكتائبي الداخلي أفقد لبنان هذا الخيار الذي أعتبره لا يزال هو الخيار الأفضل على الصعيد الوطني، ولمّا تزل هناك مساعٍ حثيثة من أجل لم الشمل، وإنقاذ حزب الكتائب من الدوامة التي يتخبط فيها، منذ فترة طويلة.

ـ كيف تصف علاقتك بوليد جنبلاط اليوم؟

ـ أتذكر بأنه فور عودتي إلى لبنان في العام 2000 كنت أول من أرسى مداميك المصالحة في الجبل. وقد وقعنا مع وليد بك وثيقة لم تزل تشكل أرضية صالحة للمصالحة الشاملة. لم أزل على قناعة بأن هذا الخط هو الأسلم، وآسف أن بعض أصدقائنا لم يتفهموا موقفنا وخيارنا في ذاك الوقت. إن هذا النهج أسس مع «لقاء قرنة شهوان» فعلاً لانتفاضة الاستقلال، ولحركة 14 مارس.

هناك مجموعة من القضايا نختلف نحن ووليد جنبلاط حولها كما نختلف نحن وتيار المستقبل حولها، إنما هناك مصلحة وطنية عليا تقتضي تجاوز بعض الخلافات لتحقيق الأهداف العليا السامية التي تحفظ لبنان. وبكل وجدانية أقول ان كل هذه التضحيات التي قدمناها أحياناً على حسابنا وعلى حساب الحركة التي نمثل، كل هذه التضحيات في النهاية أثمرت، وكانت أساسية، والمستقبل سيشهد لذلك لأننا تجاوزنا الذات لخدمة المصلحة اللبنانية العليا.

ـ لنختم بسؤال أخير حول علاقتك بالعماد ميشال عون؟ كيف تصف هذه العلاقة؟

ـ أحترم العماد عون كما أحترم كل القيادات التي تعمل من أجل لبنان. ولا أخفي سراً إذا ما قلت إنني لا أتوافق معه حول التكتيك المتبع من قبله. كنت تمنيت بعد عودته أن يتبنى روحية حركة 14 مارس على علاتها، لأنها تشكل تجربة وطنية جامعة فريدة من نوعها في تاريخ لبنان.

إن حركة 14 مارس على علاتها، أعادت الأمل إلى النفوس وأسست لمرحة جديدة. وإنني أعرف تماماً نقاط ضعف هذه الحركة، إنما بدلاً من أن نبني على ايجابيات هذه الحركة ونعتبرها منطلقاً، ونعالج نقاط الضعف فيها، فما حصل هو أننا نسفنا هذه الحركة من دون أن نقترح البديل، فأتت الانتخابات الأخيرة بمثابة «رصاصة» الرحمة، لأن التأجيج الطائفي والمذهبي الذي تميزت به هذه الانتخابات كان مضراً جداً بالمصلحة العامة. كنا بحاجة الى بلسمة الجرح والى تقريب وجهات النظر، فنسفنا هذه الظاهرة وأعدنا لبنان سنوات إلى الوراء.

الشعور السائد عند العديد من اللبنانيين هو الأسف الشديد بسبب هذا الانقلاب على حركة 14 مارس رغم كل ذلك، أبقى متفائلاً بالمستقبل. إن لبنان يعبر من عصر إلى عصر آخر، والأحوال الداخلية تغيرت: فالبلاد تحررت؟ والشعب اللبناني بات مقتنعاً بضرورة التغيير على كل الصعد، مهما تطلب ذلك من جهود وتضحيات. يبقى الأمل بجيل الشباب، الذي أظهر شجاعة ونضجاً وتصميماً وهو يشكل قوة الدفع الأساسية من أجل الإصلاح والإنماء والتقدم.

حوار: منير نجار

تنشر بالاتفاق وبالتزامن مع مجلة «الصياد»