قال الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمد خاتمي في حوار شامل مع «البيان» إن الشعب الإيراني لن يقبل بتاتاً التراجع عن الإصلاحات. وأكد أن بلاده على استعداد تام لإعادة إعمار العراق ولا تريد التدخل في شؤونه، مشدداً على ضرورة اعتماد النموذج الديمقراطي في العراق ومشاركة جميع طوائفه وفئاته في السلطة ورافضاً الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة.

وشدّد على أن علاقة إيران بالعالم العربي استراتيجية واستبعد استئناف العلاقات مع أميركا بسبب عدم تغيير الإدارة الأميركية لعدائها تجاه إيران، مشيراً إلى أن سلاح حزب الله قضية لبنانية وأن الحزب لن يتخلى عن سلاحه لأنه ضرورة دفاعية ضد العدوان الإسرائيلي، مذكراً بأن زوجته من أصل لبناني وأنه سعيد لصلته بالعرب من هذه الجهة، إضافة إلى حبه وعشقه للثقافة العربية والعالم العربي.

وهذا نص الحوار:

ـ كيف هي علاقاتكم مع الحكومة العراقية؟

ـ ان علاقاتنا كانت جيدة دائماً مع العراقيين. أنتم تعلمون أننا كنا أحد المؤيدين لمجلس الحكم الانتقالي الذي تشكل في حينها كما أعلنا دعمنا دائماً للحكومة المؤقتة. واليوم نقف إلى جانب الحكومة الانتقالية التي شكلها السيد إبراهيم الجعفري بعد الانتخابات. نحن على استعداد تام لإعادة إعمار العراق وكذلك لإبرام اتفاقيات طويلة الأمد.

النائب الأول لرئيس الجمهورية في حكومتي ورئيس الوزراء في العراق يتوليان رئاسة لجنة التعاون بين إيران والعراق. نحن صادقنا على إعطاء منحة للعراق كما خصصنا اعتمادات بمبالغ ضخمة لإعادة الإعمار هناك. وهناك اتفاقيات للتعاون في حقل الغاز والنفط والمجالات الأخرى وحتى حقل البناء.

وأنا لا أحب أي سوء ظن أو مانع على طريق التعاون بيننا وبين العراق. طبعاً هناك بعض المغرضين ومَن يسيئون استغلال الفرص، يسعون إلى إثارة بعض القضايا ولكن لن تكون هناك أية مشاكل بفضل يقظة ووعي المسؤولين في البلدين، ونحن نسعى على طريق التعاون وعلاقات حسن الجوار وإعمار العراق مع عدم التدخل في شؤون هذا البلد. وكذلك الحال بالنسبة للحكومة العراقية.

ـ هناك من يتهمكم بمحاوله نقل النموذج الإيراني في الحكم إلى العراق؟

ـ أبداً، ليس الأمر هكذا. ونحن ليس فقط لم نقل بأن العراق يجب أن يقتدي بالنموذج الإيراني وإنما على العكس من ذلك دعونا العراقيين إلى أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم ووفقاً لظروفهم. مواقف آية الله السيستاني ومواقف السيد عبد العزيز الحكيم ومواقف السيد إبراهيم الجعفري وغيرهم تؤكد زيف تلك الشائعات وإنها محاولة شيطانية للإساءة إلى العلاقات.

العراق له هويته، وإيران لها هويتها. وينبغي أن تكون للعراق تجربته، وخاصة في ضوء نسيجه السكاني والطائفي والقومي فإن العراق بحاجة إلى نموذج يضمن وفاءه للإسلام وتعاليمه ويضم مكوناته كافة. ولا شك أبداً في أننا لا نريد فرض نموذجنا على الآخرين.

ـ كيف تنظرون إلى المخاوف من العنف الطائفي في العراق؟

ـ مع الأسف هذا هو الواقع المرّ في العراق وفي الكثير من البلدان الإسلامية وبلدان العالم الثالث. وقد توقفنا أمام هذه الظاهرة ولذلك كرست كل جهودنا بأن لا تنعكس المشاكل هناك في خلافات قومية وطائفية ومذهبية. ولحسن الحظ تم إحتواء المشكلة في بعدها القومي إلى حد ما. حيث استطاع الأكراد والعرب والتركمان أن يتعاونوا في ما بينهم إلى حد ما ويتحملوا بعضهم الآخر.

وقد تجلى ذلك في هذه الحكومة التي تم تشكيلها. فرئيس الجمهورية كردي ورئيس الوزراء شيعي وهناك شخصيات أخرى في الحكم، ولكن، ومع الأسف، فإن الخلافات الطائفية اتسع نطاقها. كان هناك نوع من سوء الظن على خلفية تصورات ذهنية سابقة. فعلى مدى السنوات السابقة كان إخواننا السنة يسيطرون على الحكم في العراق وكان الشيعة مبعدين عن الحكم.

ومن هنا فإن السنة يتصورون بأنهم سيفقدون امتيازاتهم في الحكم. وفي الجانب الآخر كان الشيعة يشعرون بأنهم تعرضوا للظلم خلال تلك الفترة، واليوم يشعرون بأنهم يريدون التخلص من هذا الظلم التاريخي بحقهم. ومن هنا كنا نؤكد ان إقامة حكومة ديمقراطية تضم القوميات والطوائف والفئات كافة، هي وحدها التي تستطيع إنقاذ العراق.

وقد تابعنا هذا الموضوع مع جميع إخوتنا الشيعة ومع أصدقائنا السنة. حذرنا إخوتنا الشيعة بجد من أية توجهات طائفية، ومن حسن الحظ كان هناك سنة في القائمة الانتخابية التي حظيت بدعم آية الله السيستاني. وفي ما يتعلق بصياغة الدستور يؤكد آية الله السيستاني على مشاركة إخواننا السنة في هذا الأمر.

مثل هذه الأرضية قائمة في أذهان العراقيين، ويجب أن تتضافر كافة جهود المسؤولين في العراق وجميع بلدان الجوار ومَن يخفق قلبه للعراق للسعي إلى تكريس فكرة أن الديمقراطية تعني إرادة الأكثرية وليست دكتاتورية أكثرية تريد فرض توجهاتها على توجهات سائر أبناء العراق. وأرى أن هناك تيارات متطرفة ومتشددة تسعى إلى إثارة هذه المسألة وتشديدها. ولعل التعصبات في القواعد الشعبية تتيح لها ذلك. أنا آسف لهذا الوضع وأعلن من هنا بأن هذه الاشتباكات هي مضرة لكلا الطائفتين وتخدم أعداءهما وأعداء العراق.

ـ كيف تقيمون العلاقات بين إيران والعالمين العربي والإسلامي؟

ـ بنظري أن الثورة الإسلامية أوجدت بطبيعتها أرضية لمزيد من التقارب بين إيران التي كانت خاضعة لأميركا وحليفة للكيان الصهيوني وبين العالمين العربي والإسلامي. ومن الإنجازات الكبرى لحكومتي هو السعي لتنمية العلاقات مع البلدان الإسلامية والعربية. فلم يمض عام على عمر حكومتي عندما بدأنا علاقات جيدة للغاية مع السعودية ومع جيراننا في الجنوب. وقمنا كذلك بمساعٍ جيدة لمزيد من التقارب مع البلد الكبير مصر.

وفي نهاية ولايتي كنا نسير باتجاه الارتقاء بعلاقاتنا الجيدة مع مصر إلى مستويات رفيعة لولا بعض الموانع التي ظهرت للأسف على هذا المسار، ولكن هذا المسار لا يزال متواصلاً. وهنا أؤكد أن علاقاتنا مع العالمين العربي والإسلامي هي مبدأ استراتيجي، وأن هذه العلاقات هي لمصلحة جميع دول المنطقة. لقد تعلمنا جميعاً كيف نكون معاً لتحقيق أهدافنا المشتركة ومواجهة التحديات المشتركة دون التدخل في شؤون بعضنا البعض.

آمل ألا تتراجع هذه العلاقات وإنما تتعزز أكثر من السابق، ومبادئ هذا التوجه السياسي ستبقى ثابتة بلا شك. وآمل أن تتمكن الحكومة الجديدة من مواصلة هذا النهج لتشهد المزيد من التقارب في العلاقات بين إيران والبلدان العربية والإسلامية يوماً بعد آخر.

ـ ماذا يعني إعادة تصدير الثورة؟

ـ لا معنى لذلك أبداً. وحتى في عهد سماحة الإمام الخميني لم يُفسّر تصدير الثورة بالتدخل في شؤون الآخرين وقد تجاوزنا منذ سنين سوء التفاهم بهذا الشأن. ان البلدان هي التي تقرر شؤونها، والنموذج المهم لذلك في العراق. فعلى الرغم من أن الشيعة هم الأكثرية هناك ولنا علاقات جيدة معهم، فإن إيران كانت من المدافعين الرئيسيين عن إقامة الديمقراطية في العراق حتى تستطيع جميع الطوائف والقوميات ممارسة دورها في ظل الديمقراطية، ونحن لم نسمح لأنفسنا أبداً بفرض نموذجنا من الحكم عليهم.

ليس لدي أبداً أي قلق أو اضطراب، وان تصدير الثورة بالصورة التي يوحيها البعض لم يكن أبداً جزءاً من السياسات الأساسية للثورة الإسلامية، وان الأعداء هم الذين يروجون لهذا المعنى، وإذا كان هناك مَن تحدث بهذا الشأن، إما انهم يجهلون معنى ذلك أو لم تكن لهم نوايا خيرة، وهم لا دور لهم في سياستنا الخارجية.

ـ ما هو مصير الإصلاحات من دون إصلاحيين وفي ظل فوز المحافظين؟

ـ أولاً طبيعة الديمقراطية أن يكون الفائز بأكثرية الأصوات هو رئيس الجمهورية وعلى الجميع أن يحترموه. ومن الطبيعي في الحملات الانتخابية أن يدعم كل تيار شخصية بعينها أو فكراً بعينه. والقضية تعتمد على مَن يستطيع أن يستقطب أصوات الأكثرية، ليفوز في الانتخابات.

أما بالنسبة لمسألة الإصلاحات، فقد قلتها مراراً أني أعتبر الإصلاحات بمثابة مسيرة تطور ذاتي وليست مجرد مشروع وأعتبرها حركة انبعاث ذاتي وليس مجرد طرح، ومن هنا فإنه من الخطأ التصور بأن الإصلاحات تتعزز بمجيء شخص ما وتضعف بذهابه، الإصلاحات منبثقة من صميم مجتمعنا.

مجتمعنا أصبح اليوم يقظاً للغاية، ولن يرضخ لأي نظام إلا سيادة الشعب. وقد يواجه بعض المنعطفات في مساره. وطبعاً فإن شعبنا يريد من الديمقراطية أن تكون مطابقة لقناعاته ومعاييره الدينية والثقافية، وإذا استطاعت الحكومات أن تواصل هذا النهج فإنها ستحظى بدعم الشعب. وإذا أخفقت فإن التيار الذي يبقى هو نهج الإصلاحات وإن مَن يعارض الإصلاحات سينزوي. ونحن إذا أخذنا في الاعتبار برنامجاً لأربع أو خمس سنوات فإن من الممكن أن نتحدث عن الهزيمة أو الفشل، ولكن عندما نتحدث في سيرة التيارات فإننا نلاحظ التقدم بكل وضوح.

فشعبنا اليوم في ذروة يقظته ووعيه، وقد لاحظتم مواقف تدعو إلى الإصلاحات حتى في شعارات الذين خاضوا الانتخابات. واليوم نتيجة السنوات الثماني من رئاسة الجمهورية نزلت السلطة من عليائها، وأصبح انتقاد السلطة أمراً اعتيادياً للغاية. واليوم نجد رئيس السلطة القضائية المحترم هو أحد المدافعين عن حقوق المواطنة، وقد كان من أهداف الإصلاحات هو الدفاع عن حرمة الانسان وحقوق الانسان وحقوق المواطنة. واليوم نجد أن رئيس سلطتنا القضائية يطرح هذا الموضوع وكل ذلك من معالم التقدم.

طبعاً قد تكون حكومة ما غير موفقة في برامجها الاقتصادية والاجتماعية وأن يتوجه الشعب إلى اختيار حكومة أخرى لتحقيق أهدافهم في هذا المجال. ومردّ ذلك باعتقادي هو مظلومية حكومتي وأن الشعب لم يطلع بالشكل المطلوب على إنجازات ومكتسبات حكومتي مما أوجد نوعاً من الشعور لدى الناس بأن أوضاعهم الاقتصادية كان بالإمكان أن تكون أفضل مما عليه الآن.

إذا كانت جذور الإصلاحات في القواعد الشعبية فنحن في صفوف الشعب وبطبيعة الحال أنا لست منفصلاً عن هذا النظام بل في خدمة النظام بالرغم من أنني سوف لا أقبل أية مسؤولية رسمية، ولكنني كشخص سأكون في خدمة النظام في أي موقع أستطيع من خلاله خدمة الشعب.

وان المهم أن نتمكن من تكريس هذا المطلب في صفوف الشعب. وهو أن تسير جميع المؤسسات، وأياً كان المسؤول، على طريق خدمة مصالح الشعب وطبيعي أن الانسان يطوي هذا المسار بنحو أفضل عندما يكون في موقع المسؤولية. ان الابتعاد عن السلطة يجعل المهمة صعبة ولكنه يتيح فرصة المزيد من التعاطي مع الناس وبناء الذات، حتى يكون مستقبلاً في خدمة الشعب في مواقع أخرى.

ـ ما هي أسباب إخفاق الوساطات بين إيران وأميركا؟

ـ الوساطة تكون مؤثرة وفاعلة عندما يكون الأساس قائماً على تحسين العلاقات. ولكن المؤسف أن هناك توجهاً منذ البداية سواءً من جانب إيران أو أميركا بأن لا تتحسن العلاقات. وكان البعض في إيران وأميركا يعتمد سياسة التخريب عندما كنا نقترب من بعضنا.

في إيران كان هناك أناس متشائمون جداً إزاء أميركا، ويرون ان أي تقارب مع أميركا يضر بالمصالح الوطنية وذلك على خلفية الماضي السيئ للأميركيين وسياساتهم الخاطئة إزاء إيران.

وفي أميركا كان البعض يرى في إيران بلداً ثورياً يريد إقامة نوع من الديمقراطية، يعني ديمقراطية إسلامية ستؤدي في حال تكريسها إلى القضاء على القواعد الأجنبية في المنطقة، ومثل هذا الشعور نحن نلمسه في العالم الإسلامي. ومن هنا كان سوء الظن هذا قائماً دائماً. والسياسة الرئيسية للجانبين كانت تقوم على أساس عدم التقارب. ولما كان هذا الأصل الاستراتيجي قائماً فإنه لم يعد هناك مفهوم للوساطة.

طبعاً رافقت خطوات جيدة في عهدي وفي عهد السيد بيل كلينتون. وأعتقد أن سياسات كلينتون كانت تختلف عن الآخرين وكان أكثر واقعية. وأنا أيضاً سعيت، في الاتصال مع أميركا وفي خطابي إلى الرأي العام الأميركي، أن أطرح الصورة الثقافية لإيران وتاريخها وسياساتها المبدئية. واقتربنا من بعضنا إلى الحد الذي أقرت معه السيدة أولبرايت وزيرة الخارجية في إدارة كلينتون بأنه كانت من جانب أميركا سياسات خاطئة إزاء إيران وأعربت عن استيائها من تدخل بلادها في شؤون إيران الداخلية. وكان ذلك بالتأكيد خطوة إلى الأمام ولكن ومع الأسف فإن أخطاء الأميركيين أنفسهم وبعض واضعي السياسة الأميركية وعدائهم لإيران أفرزت روح التشاؤم داخل إيران، الأمر الذي حال دون ذلك التقارب.

ينبغي لنا أن نوجد نوعاً من التغيير في الرؤية لدى الجانبين ويجب أن تكون المبادرة في هذا المجال من جانب الأميركيين، ولكن مما نلاحظه مع الأسف أنه ليس فقط لم يتم تعزيز أرضية هذا التحول في الرؤى وإنما تم القضاء عليها مع مجيء المحافظين الجدد إلى السلطة في أميركا ومع المزاعم الواهية لإدارة بوش إزاء إيران، مما جعلنا أكثر بعداً مما كنا عليه من مساعي التقارب قبل سنوات عدة وأملي أن تكون الدروس التي تلقتها أميركا في الشرق الأوسط والعراق.

وكذلك التجربة الناجحة التي اكتسبناها خلال السنوات الثماني الأخيرة من سياسة الوفاق التي اعتمدناها عاملاً لأن ينظر الجانبان برؤية أكثر إيجابية لبعضهما البعض، وأن تخطو أميركا الخطوة الأولى في اجراء تغييرات فعلية في سياساتها. وعندها سوف لا تكون هناك حاجة للوساطة، أي يمكننا التقدم مباشرة على هذا المسار.

ـ من الذي يحدد سياسات النظام، وهل ان قائد الثورة خامنئي يتدخل في ذلك؟

ـ طبعاً فإن الثورة الإسلامية هي التي تحدد الخطوط العريضة والمبادئ الأساسية لسياسات النظام، ومن الطبيعي أن تنسق أية حكومة مع سماحة المرشد الخطوة إلى الأمام. ونحن لم نتوصل بعد إلى قناعة سياسية بإقامة علاقات مع أميركا. وطالما ان هذه هي سياستنا فإن أية حكومة محافظة أو إصلاحية لا تستطيع أن تسير بخلاف ذلك. وأنا أعتقد بأنه لا تغيير على صعيد العلاقات الإيرانية-الأميركية مع تغيير الحكومة، وإذا قام الأميركيون بتغيير فعلي في أساليبهم وسياستهم، فإن السياسة العامة لإيران ستتجه للتفكير في تغيير الرؤية الحالية بهذا الشأن.

ـ هل هناك مصالح مشتركة بين البلدين؟

ـ أنا أعتقد بأنه كانت لنا مصالح متقاربة مع أميركا بشأن الكثير من المواقع، بالرغم من التباعد في أهدافنا بعيدة المدى. في أفغانستان كان هذا التقارب وكذلك في العراق وأنتم تعلمون بأننا كنا من المدافعين عن إجراء الانتخابات هناك وكذلك الأميركيون.

وفي قضية الإطاحة بنظام «طالبان» في افغانستان كانت أميركا تواجه مشاكل جمة لولا دور الجمهورية الإسلامية في إيران وتعاونها. ولكن هذا التعاون المرحلي والتكتيكي لم يكن بمعنى التعاون المبدئي.

الأميركيون كانوا يريدون السيطرة على العراق وأفغانستان ولذلك كنا ننصح دائماً بأن سياسة الأميركيين هذه إنما هي تؤدي إلى ضررهم. وهكذا كان الأمر، حيث أدى ذلك إلى فسح المجال أمام تسهيل نشاط الإرهابيين في العراق، مما خلق مشكلات للأميركيين أنفسهم. ولكن هذا التقارب التكتيكي والمرحلي لا يعني أبداً تقارباً في الأهداف الاستراتيجية. فرؤانا متباينة تماماً، علماً بأني أعتقد أنه كان بإمكاننا أن نستثمر هذه الفرص بصورة أفضل لإزالة التوتر والتمهيد لمزيد من الاستقرار الأمني.

ـ ماذا عن حزب الله وسلاحه؟

ـ قضية حزب الله أبعد من أن تكون قضية مجموعة صغيرة ترتبط على سبيل المثال بإيران أو أية جهة أخرى. حزب الله تيار مستقل ورمز لمقاومة لبنان أمام الاحتلال. وهذه القضية لحسن الحظ هي قضية وطنية في لبنان. أنتم تلاحظون اليوم أن جميع الفئات في لبنان بما فيها المعارضة والموالون والشيعة والسنة والائتلاف الذي تشكل باسم المرحوم رفيق الحريري وجماعة السيد جنبلاط إنما تجمع رغم جميع خلافاتها على أن حزب الله هو تجسيد ورمز لمقاومة لبنان وترفض رفضاً باتاً نزع سلاح هذه المقاومة أمام عدو ما زال يحتل جزءاً من الأراضي اللبنانية، وتهديداته قائمة في أية لحظة.

واللبنانيون أنفسهم يقولون بأنه لولا حزب الله لوجدوا إسرائيل في وسط بيروت خلال فترة قصيرة. وانه ليس لصالح لبنان أبداً أن تتوقف المقاومة، ونحن ندعم دائماً هذه الفكرة. ونرى أن حزب الله يحمل شخصية لبنانية أصيلة. ونحن نوالي حزب الله. وتم التأكيد على هذا المعنى خلال المحادثات مع (الرئيس الفرنسي) السيد (جاك) شيراك. وان السيد شيراك أكد أنه لم يدع أبداً إلى إضعاف حزب الله، أو تجريده من السلاح. وانه حتى على خلاف بهذا الشأن مع بعض حلفائه الأوروبيين.

حزب الله يبقى ويبقى بسلاحه وطبعاً لا يستخدم هذا السلاح لإثارة التوتر في المنطقة، ولن يكون البادئ في استخدامه، ولكن هذا السلاح سيكون أمام عدوان العدو على أرض لبنان وشعبه. لا شك أن كثيراً من الدول والغربيين خاصة يريدون نزع أسلحة حزب الله، ولكن المهم هل يستطيعون ذلك؟

اللبنانيون أنفسهم يؤكدون على العمل باتفاق الطائف، والقرار 1559 رفضه الكثيرون في لبنان. وأنا أعتقد بأن اللبنانيين يرفضون نزع أسلحة حزب الله حتى إذا كان القرار يستهدف هذا الحزب. ولماذا تستطيع إسرائيل أن تضرب عرض الحائط جميع القرارات الدولية ولكن لا يحق للبنان أن يرفض جزءاً من قرار يرى أنه يضر بمصالحه الوطنية ويخدم مصالح الأجانب. وأنا لا أعتقد بأن القرار 1559 يستطيع أن يمنع حزب الله من البقاء في الساحة بسلاحه وبمنتهى القوة.

ـ ماذا عن الجدار الفاصل الذي تبنيه إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية؟

ـ إنه مأساة. الجدار الفاصل فاجعة تسبب مشاكل كبيرة. وقال لي السيد شيراك نفسه بأنه أبلغ الإسرائيليين لا يمكن تحمل هذا الوضع الذي أوجدوه، حيث يضطر الفلسطيني الذي يريد أن يزور أخاه الذي يبعد عنه ثلاثين متراً إلى أن يقطع مسافة عدة كيلومترات للوصول إلى شقيقه.

وعلى أرض الواقع ثبت عدم جدوى هذا الجدار. وانه ليس فقط ينبغي إزالة هذا الجدار وإنما يجب على إسرائيل أن تنسحب من الأراضي المحتلة كافة وأنه يجب أن يتمكن الفلسطينيون من العودة إلى وطنهم ويقرروا مصيرهم بأنفسهم. وان تجربة العقود الماضية أثبتت أن المشاريع المختلفة محكوم عليها بالفشل ما لم تضمن حقوق الشعب الفلسطيني.

ـ ماذا عن دور المرأة في ايران وهل يمكن أن تترشح لرئاسة الجمهورية؟

ـ أنا آمل ذلك وينبغي أن يكون كذلك. وأعتقد بأنه لا يوجد أي مانع أمام حضور المرأة في أي حقل من الحقول الاجتماعية. لقد تحدثت كثيراً عن ان النضج ظاهرة اجتماعية ونحن لا نستطيع أن نبقي المرأة في الدار ونمنعها من المشاركة في الحياة الاجتماعية ومن ثم نطالبها بأن تكون ناضجة مثل الرجال في مختلف قدرات الادارة وتكون قادرة على تحمل المسؤوليات.

يجب أن نسمح لها بالحضور في المجتمع وعندها نقيم قدراتها. وأينما سمحنا للمرأة بممارسة دورها الاجتماعي ليس فقط لم تكن أقل كفاءة من الرجل وإنما كانت أكثر منه كفاءة وقدرة في الكثير من المجالات. صحيح أن بعض العلماء يرون من الأحوط بأن المرأة لا تستطيع تولي بعض المناصب، ولكن أعتقد أن نظرة جديدة ودقيقة للإسلام ومع الأخذ بعين الاعتبار عنصري الزمان والمكان اللذين أكد الإمام الخميني على أهميتهما في الاجتهاد نستطيع أن نتوصل إلى قناعة بأن المرأة بإمكانها أن تكون رئيسة للجمهورية. وأنا آمل أن تكون عندنا نساء كفوءات وذات أهلية لتولي رئاسة الجمهورية في البلدان الإسلامية مستقبلاً.

المرأة في إيران تمارس دورها في البرلمان وفي مناصب إدارية عليا وفي منصب مساعدة رئيس الجمهورية وفي منصب القائم مقامية. وإن شاء الله سنخطو خطوة أخرى إلى الأمام وسنشهد مزيداً من التطور في هذا المجال مواكبة مع التطورات الاجتماعية التدريجية.

ـ كيف تصفون علاقاتكم الأسرية؟

ـ علاقاتنا علاقات صداقة بكل معنى الكلمة وعلى أساس التفاهم والاحترام المتبادل وزوجتي تقوم بنشاطات اجتماعية مرموقة وتدير مؤسسة تسدي خدمات للشباب من ذوي الكفاءات وللفتيات ذات الكفاءات ممن يحتاجون إلى المساعدات في التعليم وفي تشكيل الحياة الزوجية إلى جانب دورها في المنزل. وطبعاً هي أكثر مني جلوساً في المنزل.

قبل رئاستي للجمهورية كان هناك تعاون كامل بيننا في المنزل وحتى في التسوق اليومي كما كنا نعمل معاً داخل المنزل. وفي هذه المسؤولية ازدادت واجباتي ويقوم أولادي الذين كبروا بدورهم في مساعدتها وليس هناك أي تمييز في عائلتنا. جميع القرارات تؤخذ بالتشاور وأنا لا أرفض عمل ما أستطيعه لأنني رجل.

ويسعدني أن علاقاتنا حميمة للغاية تقوم على أساس التفاهم، وزوجتي تحمل أصولاً عربية وأنا صهر لبنان. زوجتي ابنة شقيقة الإمام موسى الصدر وإن جذور هذه العائلة من جبل عامل. وأنا سعيد لانتسابي من هذه الجهة إلى العرب إضافة إلى حبي وعشقي للثقافة العربية والشخصيات العربية والعالم العربي، وأنا أشعر بمزيد من التقارب مع العرب.

ـ أين السيد خاتمي مستقبلاً بين السياسة أم الثقافة؟

ـ بين كليهما. بطبيعة الحال سوف لا أقبل أية مسؤولية رسمية، ولكن سأبقى في خدمة المجتمع والنظام. ونشاطاتي ستكون نشاطات أختارها بنفسي وستكون بلا شك اجتماعية وجامعية ودولية.

ـ ما هي أصعب وأجمل اللحظات في حياتكم؟

ـ تحديد أسعد اللحظات وأصعبها أمر في غاية الصعوبة. لأنه كانت لي لحظات سعيدة ومرة كثيرة ولكني أقول شيئاً واحداً من منطلق تجربة شخصية، أنا واجهت لدى قدومي سيلاً من محبة المجتمع ومودتهم وخاصة الشباب. وهناك اليوم في محفوظاتي عشرات الآلاف من الرسائل التي وصلتني عبر البريد والفاكس والبريد الالكتروني والاتصالات الهاتفية وذكريات في اللقاءات الودية في الأزقة والشوارع وهذا أكبر شيء أعتز به وشعرت من خلاله بثقل عبء المسؤولية.

وأشكر الله أن هذه الحالة تجددت خلال الأشهر الستة الأخيرة. وأنا أعتز كثيراً أن استقبلني المجتمع بتلك المودة والمحبة، واليوم يودعني بنفس المودة والمحبة رغم جميع النواقص التي كانت عندي ورغم أن الشعب شعر بأن الكثير من مطالبه لم تتحقق. وبهذا العشق بدأت مهمتي وبه أنهيها ولذلك سأبقى مخلصاً في خدمة هذا الشعب العظيم.

طهران ـ ميرفت عابدين