في عام 2000 وقّع 9 نواب أول عريضة نيابية تطالب بإطلاق قائد «القوات اللبنانية» المنحلة سمير جعجع قيل أن من بينهم من عاد وسحب توقيعه، وطوي الملف! عمليا أفضت الانتخابات النيابية الأخيرة إلى أكثرية نيابية أقرت أمس اقتراح القانون المعجل المكرر لتعديل قانون العفو الذي سيخرج بموجبه جعجع من «سجنه السياسي» بعد 11 عاماً قضاها تحت الأرض.
قبل العام 2000 كانت المطالبة بإطلاق «الحكيم»، وهو اللقب المحبب لجعجع، عند مؤيديه تقتصر عمليا على القوانين وعلى الكنيسة المارونية، وعلى رأسها البطريرك الماروني نصر الله صفير. ولم يكن يجرؤ أحد آخر على الجهر علنا بهذا المطلب، بل يكتفي ببعض الهمسات في الصالونات المغلقة.
فجأة، وبعد الانتخابات النيابية طرحت أول عريضة نيابية تطالب بإطلاق جعجع. التجاوب كان خجولا فوقّع 9 نواب قبل أن تتعرقل مساعي جمع التواقيع ويطوى الملف. قيل يومها أن الجو لم يكن ملائما لطرح الموضوع وكثرت التصاريح الداعية إلى تهيئة الأجواء الداخلية التي تسمح بطرح الموضوع. علماً أن بند خروج جعجع كان من ضمن البرنامج الانتخابي لعدد كبير من المرشحين في ذلك الوقت.
لكن مع صدور بيان المطارنة الموارنة الأول في سبتمبر من العام المذكور واشتد نبض المعارضة المطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان، بدأ يطرح موضوع العفو عن جعجع بقوة وثقة متزايدتين.
وكانت المعادلة بسيطة: بمقدار ما يضعف النفوذ السوري وملحقاته في لبنان بمقدار ما يصبح خروج جعجع ممكنا. هذا ما ظهر على أرض الواقع، إذ أنه، وبمجرد تنفيذ البند المتعلق بالانسحاب السوري في قرار مجلس الأمن رقم 1559 والإعلان عن 30 ابريل حداً أقصى لانسحاب قوى الجيش والاستخبارات السورية نهائيا من لبنان، سلك الاقتراح المعجل المكرر لتعديل قانون العفو العام مسلكه القانوني إلى لجنة الإدارة والعدل ومنها إلى الجلسة النيابية أمس.
فمن هو القائد السجين ل«القوات اللبنانية» المنحلة الذي شغل الناس من زنزانته في وزارة الدفاع التي دخلها على خلفية تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994؟
من عرف جعجع عن قرب يقول عنه انه علامة استفهام لما يجمعه من تناقضات في شخصيته. أما هو فيعتبر نفسه «الرقم الصعب» في «المجتمع المسيحي».دخل من باب حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 إلى السجن ومنذ ذلك الحين وهو في زنزانة وزارة الدفاع.
ليست دعابة ان يتهّم رجل ماروني من بشرّي (منطقة شمالية مسيحية ملتزمة) باغتيال جماعة من المصلين داخل الكنيسة، وهو الذي قاد «القوات» من طموحها إلى «الدولة المسيحية» إلى شريك في الدولة اللبنانية التي أرساها اتفاق الطائف الذي غطاه رأس الكنيسة المارونية البطريرك نصر الله صفير بالإضافة إلى جعجع.
وجعجع الذي خرج من باب الكنيسة بريئاً، طوّق بالقضبان والاتهامات بفتح قضية وإقفال أخرى، فبدا كما لو أنه وحده يسدّد فواتير حرب أمرائها ولاعبيها الأساسيين فيما هؤلاء انتقلوا من ساحة المعركة إلى مجلسي النوّاب والوزراء لينعموا بمغانم «الدولة» بعدما تقاسموا الدويلات. استمد «الحكيم»، حضوره من شماليين يرون فيه التجسيد لرفض حكم العائلات الإقطاعية في منطقتهم.
فمن بشري بجوار منطقة الأرز، توجه ابن فريد جعجع المعاون المتقاعد في الجيش اللبناني بخطابه إلى أجيال أحست بالخلل في السبعينيات فانضوت في صفوف «القوات اللبنانية» إيمانا منها بضرورة «الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق».
شخصية « جعجع ظلت موضع تحليل دائم. فهو من مواليد عام 1952، في منطقة عين الرمانة التي انطلقت منها بعد 23 عاما الشرارة الأولى للحرب اللبنانية. منهم من يرى فيه المثالي والطوباوي الذي يغوص في قراءة الكتب الدينية ويمضي فترات من التأمل.
ومنهم من يصفه بأنه مقاتل شرس خاض معارك تركت بصماتها في خريطة «المجتمع المسيحي»، متواضع في علاقته بالعسكر والناس. يبتعد كثيراً عن الأضواء، ويطل على الناس في مناسبات معينة ليلقي خطبه، تارة بالعامية التي يرتاح إليها، وطوراً بالفصحى خصوصاً عندما يكون مضمون كلامه «رسالة» موجهة إلى كل الفرقاء. كما أن الطرافة لا تنقصه أحياناً مع لذع جارح.
من أقواله التي يحفظها مؤيدون له عن ظهر قلب «وجدنا لنبقى، قاتلنا لنبقى، صمدنا لنبقى، وسنبقى»، وأيضاً «إذا كنا مسؤولين مثل أي مسؤول في الدولة والبلديات والمخاتير فلا لزوم للقوات اللبنانية. الناس أيدّونا لأنهم كانوا يأملون في أننا سنتصرف ونعمل بطريقة أفضل من المسؤولين الرسميين».
من خصومه من اعتبره الثائر المتمرد على كل شيء والباحث عن السلطة مهما كان الثمن. أما هو فيرى انه وجد نفسه في قلب حلبة الموت وتم اختياره للمهمات التي أنيطت به لقدرته على مواجهة الأوضاع الصعبة بكل حزم.
منذ 11 عاماً وزوجته ستريدا التي اقترن بها عام 1987 تزوره في سجنه مرتين في الأسبوع: الثلاثاء والخميس وتحمل إليه ورود الغاردينيا التي يحبها، فيما يحمّلها هو وصية عدم المساومة على قضيته.
مع ستريدا استطاعت «القوات اللبنانية» خلال فترة سجن قائدها من الخروج من قمقم الدويلة المسيحية التي طمحت وقاتلت من اجلها خلال الحرب إلى رحاب الدولة. تعرض القواتيون للملاحقة والقمع والسجن على غرار الأحزاب المعارضة الأخرى.
وخلال هذه الفترة استمرت «القوات» كتيار سياسي فاعل على رغم سحب رخصة الحزب وحلّه عقب اعتقال جعجع. لكن القرار السياسي الذي اتخذ لم يستطع القضاء على فكرة القوات من نفوس محبيها، بل على العكس زادتهم تشبثا بقضية إطلاق قائدهم السجين.
مع زوجة «القائد» تمكنت «القوات» من الصمود وإعادة هيكلة أطرها التنظيمية التي أدت إلى تحقيق انتصارات عدة على الصعيد الطالبي في الجامعات، وضمن الأطر النقابية، وصولاً إلى تتويج الصحوة القواتية بدخول الندوة البرلمانية في الانتخابات الأخيرة للمرة الأولى بكتلة نيابية من 6 نواب، مهدت جديا لخروجه المرتقب.
بعد عودة زعيم «التيار الوطني الحر» النائب ميشال عون من منفاه الباريسي، تمكن من ان يصبح لاعبا أساسيا على الساحة السياسية اللبنانية لا يمكن تجاهله. والأنظار اليوم موجهة إلى وزارة الدفاع لمواكبة خروج «سجينها» من زنزانته إلى السياسة التي عرفها قائدا ميليشياويا، فيما عليه اليوم ان يكون أحد رجال سياستها فهل يكون الرقم الصعب في السلم كما كان في الحرب، علما ان ما يصح في الأول لا ينطبق على الثاني.
بيروت ـ «البيان»: