عندما كانوا يقودون تظاهرات 8 و14 مارس المتقابلة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، لم يسعهم حينها سوى النزول إلى الشارع لمطالبة المسؤولين بالإصلاحات. أما وقد صاروا اليوم أعضاءً في البرلمان وتسلموا مناصب المسؤولية، فلم يعد لدينا سوى أن نسألهم عن دورهم الجديد وقد أصبح مجلس النواب مكاناً لإسماع أصواتهم ومطالبهم ومقترحاتهم.

من بين عشرات المخضرمين في العمل السياسي، أطلّوا شباباً وفي جعبتهم مشاريع إصلاحية. كلًّ منهم أتى من خلف متراس سياسي وثقافي مختلف عن الآخر، انعكس انتماءً في كتلٍ مختلفة، متفقة في العموميات مختلفة في التفاصيل.وائل أبو فاعور، حسن فضل الله وهادي حبيش. شباب لبنانيون أصبحوا نواباً، تُرى ما هي برامجهم؟ وهل سيكونون صوت الشباب في البرلمان الجديد؟ أم سيحضّرون، كما يفعل غيرهم، من الآن لمقعد نيابي آخر بعد أربع سنوات؟ «البيان» نبشت أفكارهم ومشاريعهم وطموحاتهم في هذا التحقيق.

أبو فاعور: دور الشباب

يقول عضو كتلة «اللقاء الديمقراطي» النائب وائل أبو فاعور(مواليد 1972) «لم آت إلى السياسة من إرث عائلي أو سياسي وإنما من إرث حزبي وحيوية شبابية أوصلتني إلى النيابة. ولم أنظر إلى الشباب اللبناني من موقع المحايد ولا المراقب وإنما أنظر إلى نفسي، كنائب شاب هو جزء من هؤلاء الشباب يرتكز دوره على نقل أصواتهم إلى البرلمان وتقصير المسافة الزمنية والجغرافية والسياسية بينهم وبين مجلس النواب».

تعرّف الشباب إلى وائل أبو فاعور عندما تسلّم أولى المسؤوليات في منظمة الشباب التقدمي الاشتراكي، حيث كان يشكل نقطة التقاء لمعظم الحوارات واللقاءات الشبابية إلى أن ظهر أخيراً بين شباب «انتفاضة الاستقلال» (تظاهرة 14 مارس).يقول أبو فاعور عن هذه المحطة «هناك الكثير من الصراخ الشبابي علا في شوارع بيروت لكنه لم يصل إلى مسامع السلطة والنظام السياسي الذي لا يزال حتى هذه اللحظة يتعامل مع الشباب على قاعدة الإقصاء والإبعاد والتهميش.

والدليل على ذلك إبعاد شريحة من الشباب (من سن الـ 18 ولغاية الـ 20 عاماً)عن المشاركة في الاقتراع. هذا ما بدأت العمل به عندما اجتمعت مع «الحملة الوطنية والشبابية والطلابية لخفض سن الاقتراع» من أجل طرح هذا الموضوع ما يسمح لشريحة واسعة المشاركة في صنع القرار وذلك بتعديل المادة 21 من الدستور اللبناني.

سابقاً كانت هناك يد فوق يد المجلس النيابي وقرار فوق قراره، أما اليوم فقد تحرّر القرار السياسي ويفترض أن يطرح هذا الموضوع في أولى الجلسات النيابية حيث تُحاسب الكتل النيابية أمام الشباب اللبناني، إذ لم يعد هناك من مبررات أو ضغوطات تذكر.تُلازم أبو فاعور هموم الشباب العاطل عن العمل فيقول: «إنها مشكلة مركّبة سياسية- اقتصادية لم يتعاف البلد منها حتى اليوم، ولغاية الآن لم تُطلق آلية العمل الاقتصادي الذي يمكن أن يستوعب كل الطاقات.

فهناك الكثير من القطاعات الاقتصادية مهملة من قبل الدولة كقطاعي الزراعة والصناعة ما يؤدي إلى تسرّب كثير من الكفاءات إلى الخارج. لذلك فإن أزمة النظام الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية في غياب فرص العمل أو في توافرها لمجموعات دون أخرى ولطبقات اجتماعية دون سواها... كل ذلك أكبر بكثير من قدرة نائب واحد يتصدى لتغييرها.

فأنا جزء من تكتل نيابي يطرح قضية العدالة الاجتماعية لكن المعركة متأخرة 30 عاماً إذ أن الجذور الاجتماعية للحرب اللبنانية لا تزال قائمة للأسف ولا بُدَّ من إصلاح جدي للنظام الاقتصادي، أتمنى أن يكون المجلس النيابي الجديد قادراً على طرح هذا التصور وهو كيف يمكن أن نستوعب شبابنا داخل البلد ونمنع من تفاقم المشكلة».

ويرد أبو فاعور كل معاناة الشباب إلى مشكلة رئيسية لا بُدَّ من التحرك لإصلاحها وهي قانون الانتخاب الذي يعتبره من أولى مهمات المجلس النيابي وذلك للخروج «من الاستحالة التاريخية التي نصطدم بها قبل كل انتخابات نيابية إذ ندخل في عملية تنازع حول القانون، وبحسب المرحلة السياسية يُشكَّل المجلس النيابي وحسب هذا التشكيل يتم صياغة قانون انتخابي. الشباب يحتاج إلى قانون انتخابي عادل وعصري بمعايير العصرية كتخفيض سن الاقتراع، واعتماد نظام النسبية وتقسيم انتخابي عادل يمثل كل الشرائح والقوى السياسية» .

حسن فضل الله: صوت المقاومة

في مكتب آخر من مكاتب المجلس النيابي، يجلس النائب الشاب حسن فضل الله (مواليد 1967) الذي انتقل من الحقل الإعلامي، حيث كان مدير الأخبار في قناة «المنار» اللبنانية التابعة لـ «حزب الله»، إلى الندوة البرلمانية ذات المهمات التشريعية والرقابية.

يقول فضل الله: «من دون شك الشباب اللبناني شريحة أساسية وفاعلة في المجتمع، وإذا أردنا التحدث عن دور الشباب فلنبدأ بدورهم في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، إذ تمكنوا من دحر الاحتلال، ودفعوا دماءهم ثمناً لذلك، إنهم شباب جامعي لديهم عائلاتهم وطموحاتهم وتطلعاتهم، وقد ترك كل هذا العالم ومباهجه وانتمى إلى المقاومة مسهماً في التحرير».

ويضيف «تلك هي الطليعة الأولى من الشباب اللبناني الذي كان له الدور التاريخي. ثم تأتي شرائح شبابية أخرى هي أيضاً جامعية وقد شاركت في كل التظاهرات، في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء، هؤلاء يحتاجون إلى الرعاية والعناية كجزء من مسؤولية الدولة اللبنانية، من أجل تحقيق طموحاتهم، وأولى هذه الطموحات أن نبني دولة عادلة يسودها القانون العادل، عند ذلك يتم إصلاح الجامعة اللبنانية، وتؤمّن فرص العمل على صعيد دولة وليس على صعيد نائب أو كتل نيابية، لكي يأخذ الشباب اللبناني حقه ودوره في المجتمع».

عندما ترشّح النائب فضل الله في الانتخابات النيابية، كان يحمل في جعبته برنامج حزب الله الذي ينتمي إليه وفيه ما يخص الشباب. ويوضح فضل الله أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله هو الذي تصدّى بنفسه لطرح موضوع دور الشباب ومشاركتهم في الانتخابات من خلال المطالبة بتعديل الدستور والسماح للشباب من سن الـ 18 عاماً بالانتخاب وذلك انطلاقاً من سؤال منطقي وهو كيف تُحاسَب هذه الشريحة في القانون إذا أخطأت ويُمنع عليها المشاركة في الاقتراع؟!.

لذلك يرى فضل الله أن عملية التغيير لا تكون إلا بإعطاء هؤلاء الشباب فرصة لاختيار ممثليهم الحقيقيين، وعندما يختار الشاب ممثّله في مجلس النواب، فان الأخير بدوره يستطيع أن ينتج سلطة سياسية قادرة على التغيير والإصلاح وبالتالي يتوافر التفاعل العكسي الذي يؤدي إلى إعطاء الشباب دوره في المجتمع. ويلفت إلى أن حزب الله هو بمعظمه من الشباب، حيث كل الطاقات الشابة متوافرة فيه، في المقاومة والمؤسسات المدنية والاجتماعية وحتى في قياداته، لذلك فهو يهتم بشريحة الشباب باعتبارها شريحة فعالة.

لكن هذه الأفكار المتفائلة تقابلها مرارة لدى فضل الله من الواقع الطائفي إذ يصطدم الشباب في لبنان بآفة كبيرة اسمها النظام الطائفي الذي يمنع الكثير من الشباب الكفوئين من العمل في هذا الموقع أو تلك الوظيفة لأنهما محسوبان على طائفة أخرى. ويرى فضل الله أن «هذا المعيار يحول دون تأمين فرص العمل في بلدنا، وعندما تقوم حكومة على أسس سليمة ويطبّق برنامج الإصلاح والتغيير، تُفتح مجالات العمل أمام الشباب وبالتالي لا يعود هناك محسوبيات ولا تؤخذ الوظيفة على أساس الانتماء وإنما على أساس الكفاءة، وهذا ما أحاول أن أساعد به الشباب الذين هم من جيلي».

هادي حبيش: الاقتصاد أولاً

جاء كل من النائبين وائل أبو فاعور وحسن فضل الله من إطار حزبي رسم لهما الخطوط العريضة التي ستحدد النهج السياسي لكل منهما، في حين أتى النائب الشاب هادي حبيش من إرث عائلي-سياسي ليكمل ما بدأه والده الوزير والنائب السابق فوزي حبيش.

هو أصغر النواب سنّاً في المجلس الجديد (مواليد 1974)، في أول تصريح له بعيد انتخابه هنّأ أهل منطقته عموماً وأصدقاءه الشباب خصوصاً إذ أدّوا دوراً أساسياً في الحملة الانتخابية التي خاضها، وعندما سمع الانتقادات التي وجهت إليه قال «مع احترامي للنواب السابقين الذين قاموا بواجبهم، فلنرَ ما عند الشباب وما يريدونه».

ينظر حبيش إلى لبنان مختلف بعد «انتفاضة الاستقلال» التي كان أبطالها شباب لبنانيون، ويقول «لا بُدَّ أن نأخذ في الاعتبار تلك الانتفاضة وما حملته من هموم ثقيلة، صحيح أن السبب الرئيسي الذي دفع هؤلاء الشباب إلى الانتفاضة هو اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلا أن كل فئة منهم توجهت إلى ساحة الشهداء (ساحة الحرية) مثقلة بهموم عديدة ومختلفة، وكان الهم الأكبر هو الموضوع الوطني، موضوع لبنان الذي عانى في البدء من حرب شرسة ثم من هيمنة قاسية اجتاحت كل إداراته ومؤسساته ، فانتفض الشباب على الواقع السياسي» .

أضاف «عندما أعلنت ترشيحي في الانتخابات النيابية، شعرت باندفاع الشباب من حولي، ولأول مرة يعتبر الشباب أن المعركة معركتهم، وان شخصاً منهم سيدخل البرلمان ويتحدث باسمهم ويلبي طموحاتهم. ولما جلست على كرسي النيابة تضاعفت المسؤوليات. لا شك أن كل شاب لبناني، وأنا منهم، وصل بعد انتهاء المرحلة الجامعية إلى حائط مسدود لعدم توافر فرص العمل ولم يجد سوى السفر والهجرة حلاًّ له، وهذا يعود إلى افتقار لبنان للتوجيه العلمي الذي يساعد الشاب على اختيار الاختصاص الذي تتوافر فيه مجالات العمل، وهذا ما سأحاول القيام به عبر طرح الموضوع في أولى جلسات المجلس النيابي».

ولم ينس حبيش موضوع تخفيض سن الاقتراع، إذ رأى فيه نقطة الانطلاق نحو مستقبل أفضل للبنان ديمقراطي عادل يعطي كل شرائح المجتمع حق التمثيل والتعبير عن الرأي بعيداً عن كل الاعتبارات الطائفية التي يتحدث بها الآخرون، كما أنه لا يجد للإصلاح طريقاً إلا في إصدار قانون انتخابي عادل يلبي طموحات الشباب. آمال كبيرة يحملها هؤلاء النواب الشباب إلى موقع القرار التشريعي. فهل يكفي حماسهم وديناميتهم لتحقيق ما يصبون إليه، أم يغلبهم الطابع التقليدي الذي يحكم البرلمانات العربية ويذوّبهم في نمطه ؟.. كل شيء ممكن في بلد المفاجآت الكبرى.

بيروت ـ إيمان عجينة