يروي العماد ميشال عون، ربما للمرة الأولى، قصته مع الأميركيين، وحكاية نضاله في الخارج، لاستعادة الاستقلال حسب وصفه، وحكى أيضاً للمرة الأولى، رواية تحالفه مع سعد الحريري، موحياً بأن «التحالف الرباعي» حل محله «تحالف ثنائي» مشدداً على الثنائية بين «الرابية وقريطم» ثنائية ثابتة، لأنها تقوم على مناهج ورؤى في مقدمتها قانون جديد للانتخابات واستعادة الدولة والمؤسسات، بعد استعادة الاستقلال في 14 مارس الماضي.
وكشف العماد عون بواقعية، أموراً عدة خلفت سياقاً عاماً أدى إلى خروج سوريا من لبنان، أبرزها التحرك الذي قام به في أميركا، وعلى صعيد الكونغرس، وصدور القرار 1559 قبل التمديد، وجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وقال العماد عون إن هبة الشعب اللبناني بأكمله ضد الجريمة، والتحرك اللبناني معطوفاً على التحرك الخارجي، حققا الشرطين المطلوبين للخروج السوري.
وأوضح العماد عون أن لا أميركا أصبحت «عونية» في لبنان، ولا هو أصبح أميركياً، وكشف عن وجود تغيير في السياسة الأميركية من أولها إلى آخرها. وذكر للمرة الأولى أنه لم يطرد السفير الأميركي من لبنان في العام 1989، بل هو غادر لبنان بانتظار أحداث ضخمة وقعت «وتمثلت بالاجتياح العسكري الذي أبعدني إلى أوروبا».
وأوحى العماد عون أنه عندما ذهب إلى أميركا، «لم أجرؤ على إخبار أقرب المقربين إليّ بما كنت سأفعله، كي لا يظنوا بأنني «مجنون» لأنني قصدتها لاستصدار قانون يخرج سوريا من لبنان، ولتغيير سياسة أميركا في لبنان. وأنا الآن لست خائفاً إطلاقاً على «المجنون» الذي كان محقاً ولم يكن مجنوناً».
وأردف: حاولت شبه المستحيل ونجحت، وكل الناس يحبون النجاح ويتبنونه، وأنا أقدمه هدية إلى اللبنانيين، لكن، لو هزمنا لكنا تحملنا مسؤولية الهزيمة.
ـ وماذا يريد العماد عون الآن؟
ـ السؤال طرحنا عليه وأجاب: نريد إعادة جميع فئات الشعب اللبناني إلى الحالة اللبنانية التي نقاتل من أجلها، ويجب أن نستوعب اللبنانيين جميعاً ليحتفلوا بعودة السيادة والاستقلال ولا يمكننا أن نفرز الشعب اللبناني ونطلب منه أن يرحل مع سوريا، لأن هدف «المنفي» العائد، عقلنة لبنان. وهذه هي وقائع الحوار:
ـ حيّرت الناس في ما تدلي به من طروحات متناقضة، ساعة تطرحون مسألة المنهج قبل الحقائق والتوافق قبل الاثنين، ثم تذهبون إلى قريطم، وتبحثون في الحقائب، متناسين موضوع المنهج والتفاهم حول الموضوعات العامة. فكيف توفقون بين ادّعائكم السابق وموقفكم الحالي؟
ـ لا وجود للتناقض. فقد سبق أن درسنا المنهج والتوافق وجاء الاعتذار، بعد حملة إعلامية اعتبرتها تفجيراً للحكومة قبل أن تتألف. وانقطع الموضوع في حينه. لكن بعد إعادة النظر في محاولة تأليف الحكومة، استأنفنا من حيث توقفنا وليس من جديد.
وكانت مرحلة التفاهم والتوافق قد أنجزت، وعلى أساسها قررنا المشاركة في الحكومة. حصلت بعض العقبات التي تمت إزالتها، وأكملنا الطريق من دون العودة إلى الوراء في العلاقات. أما زيارتي للنائب سعد الحريري يوم الأحد الفائت، فأخذت طابع العلنية، ولم نراجع خلالها كل ما تحدثنا عنه في السابق، على اعتبار أننا متفاهمون.
ـ لكنكم استبعدتم عن المشاركة في مرحلة، ثم استدعيتم إلى المشاركة في مرحلة لاحقة. فهل كانت هذه العملية رضوخاً لمشيئة الإرادة الدولية، أم هي مشيئة لبنانية تبدّلت وتغيّرت في لحظة من اللحظات؟
ـ أعتقد أن الجميع لاحظوا وجود صعوبات تعذر معها إخراج شكل الحكومة. وجرت محاولة من الرئيس المكلّف لتخطّيها. وظهرت هذه الصعوبات أثناء الإجراءات. فكان لا بد للرئيس المكلف من إعادة إجراء دراسة للموضوع لتوفير ظروف النجاح لتأليف الحكومة. وهو يحاول إزالة العقبة تلو الأخرى، للوصول قريباً إلى نهاية حلحلة العقد.
تطابق وتنافر
ـ هل هذا التراجع في المواقف، هو سمة من سمات العماد ميشال عون؟ ففي انتخابات بعبدا ـ عاليه رفضت التضحية بالعميد عصام أبو جمرة من أجل التفاهم مع وليد جنبلاط، ثم استبعدتم العميد أبو جمرة للتفاهم مع المير طلال أرسلان، والآن نُفاجأ بتجاوبكم مع سعد الحريري والتضحية بالمنهج؟
ـ لم نضحِّ بشيء مطلقاً، لا بالمنهج ولا بغيره. والبرهان على ذلك أننا دخلنا الحكومة للتعاون، والعمل على تحقيق الإصلاح وكل بنود برنامجنا. هذا البرنامج الذي اطلع عليه النائب سعد الحريري ودولة الرئيس السنيورة، وأعربا عن وجود تطابق كبير. فإذا صحّ الأمر، أعتقد أن هذه الكلمة تغني عن بحث كبير. ومن هنا سرنا في الموضوع.
ـ سرتم في ماذا؟
ـ في تأليف الحكومة والمشاركة على أساس التعاون داخل مجلس الوزراء.
ـ هل المنهج الذي قدمتموه إلى سعد الحريري ينطوي على شيء جديد في الحياة السياسية؟ وعلى التغيير الذي تحدثتم عنه في 14 مارس وما قبله، والذي جعلكم تقولون إنكم أساس انتفاضة الشباب؟
ـ الآخرون شاركوا أيضاً في هذا الموضوع. المنهج لا يُفرض. فهناك تعاون وشراكة.
ـ ما أهم بنود هذا المنهج؟
ـ جميع البنود واردة في البرنامج الذي طرحناه. ثمّة أولويات أساسية أهمها قانون الانتخابات. فكي توحي الحكومة بالثقة بكونها جدية، يجب أن تطرح في الدورة الأولى للمجلس النيابي، قانون الانتخابات الجديد. وهناك أيضاً إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وإعطاؤها الدفع لتتمكن من القيام بواجباتها، كي لا يظل البلد فالتاً أمنياً في ظل غياب أجهزة تحر واستقصاء ومخابرات تقوم بواجباتها.
ومن دون ذلك، تضيع المسؤولية والدليل ان كل جريمة تقع، تهز لبنان بأجمعه. كما يجب إحياء المؤسسات الدستورية بحد ذاتها كمجلسي الوزراء والنواب للقيام بواجباتهما في المراقبة والتشريع. ولدينا أيضاً برنامج للنهوض الاقتصادي، يجب ان توضع له خطة عمل، وان نعرف من سيدفع كلفة هذا النهوض الذي يتطلب تضحيات.
ولوضع خطة النهوض، يجب ان نعرف أوضاع مالية الدولة من خلال ما تخضع له الشركات والمؤسسات. فموضوع التدقيق يرى البعض انه موجه ضد أشخاص، لكنه في الحقيقة يتيح لنا معرفة الأوضاع الحقيقية للخزينة العامة ليجري على أساسها، المقتضى للخطة الاقتصادية، لجهة الثغرات والأخطاء التي ارتكبت.
وقد نكتشف خلال التدقيق أموراً سيئة تترتب عنها مسؤولية. إلا ان الغاية ليست فقط إظهار المسؤولية لدى من كان لديهم حق إدارة المال والتصرف فيه، بل أيضاً الاطلاع على كل الأوضاع. الفكرة الأساسية هي الشفافية في وضع الدولة المالي، لنتمكن من الخروج من الأزمة، والتصحيح في المستقبل.
ـ كانت هناك ثغرة أساسية في علاقتكم بآل الحريري تمثلت بمزاعمكم، ان الخروج السوري من لبنان كان بسبب ما قمتم به، من خلال زيارتكم للولايات المتحدة وحضوركم اجتماعات الكونغرس الأميركي. في حين يقولون هم ان مصرع الرئيس الحريري هو الذي أدى إلى حركة عالمية سببت خروج السوريين من لبنان. فكيف وفقتم بين الأمرين عندما التقيتم سعد الحريري؟
ـ ثمة أمور عديدة خلقت سياقاً عاماً أدى إلى خروج سوريا. هذا السياق أعلنا السيناريو الخاص به، منذ بدأنا العمل على تحرير لبنان من الاحتلال السوري. وقد اشتغلنا خارجياً وداخلياً، ضمن فريق مؤلف من أميركا وفرنسا، بعد الهزيمة، ووجودي في المنفى، فأجبت يومها ان الوضع أصبح أكثر تعقيداً.
وهناك شرطان لتحرير لبنان، أولهما التغيير في السياسة العالمية تجاه لبنان والثاني إرادة لبنانية ثابتة تطالب باستقلال لبنان وسيادته فيتلاقى التغيير السياسي مع الإرادة المحلية، ليتحرر لبنان من الاحتلال السوري. لذلك علينا كلبنانيين ان نعرف متى تتغير الظروف الدولية، وان نكون دائماً جاهزين، ونعبر عن إرادتنا الدائمة في التحرير.
من هنا نشأ «التيار الوطني الحر» الذي كان يشكل إرادة التعبير على مدى 16 سنة. وقدمنا لهذه الغاية 16 ألف موقوف ومعذب وسجين.
والإرادة الدولية لم تتغير من ذاتها، بل بدأنا بتغييرها منذ العام 2001، فخلال التسعينات، كنا نعمل كل عام أو اثنين، لينتهي الأمر بتوصية ترفع للإدارة من دون ان تأخذ بها، لأن التوصية غير ملزمة. وفي 2001 تأكدنا بأن الوجود السوري أصبح دائماً إلى جانب انحلال في مؤسسات الوطن الذي فقد مقوماته. وحاولنا ان نشتغل على إصدار قانون أميركي ملزم للإدارة، بأن تتعاطى من خلاله، مع القضية اللبنانية.
هذا ما أنجزناه، وصدر علي الحكم بالبراءة في 5 يوليو الجاري من التهم التي وجهت إلي بسببه. هذا القانون تجسد في قانون استعادة سيادة لبنان، وقد وقعه الرئيس جورج بوش في 11 ديسمبر 2003، وبعد 6 أشهر فرض عقوبات اقتصادية على سوريا.
وخلال تلك الفترة كان ظاهراً التلاعب إعلامياً بالقانون فحينا يقولون ان القانون لن يصدر، وانه من مخيلة من يعملون عليه وله، كل هذه المعارك يتذكرها اللبنانيون، لأنها كانت معركة هدم العزائم، وشل الفكر اللبناني عن التعبير والمقاومة، فيسقط القانون لعدم وجود إرادة لبنانية تتلاقى مع الإرادة الدولية ولا ننسى كيف كان يتم التعامل معنا حتى من قبل من كان يفترض بهم أن يساعدونا.
فهم يتكلمون عن سيادة لبنان، وفي حينها كانوا يقولون لا للاستقواء بالخارج، فتنكروا لنا. وهؤلاء هم من واجهونا في الانتخابات وسقطوا، وربما كان هذا احد أسباب سقوطهم، القرار 1559 صدر قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقبل تمديد ولاية رئيس الجمهورية. فجاء ليضع إطاراً زمنياً للانسحاب السوري. بالإضافة إلى بعض البنود الأمنية التي تم نسخها من اتفاق الطائف.
وكان تسلسل الأحداث منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، التي اثارت ردة فعل لبنانية ضد سوريا، إذ أحس الجميع بثقل الجريمة، لأنه لم تعد لدى احد رغبة في سماع صوت رصاصة.
ثم جاءت جريمة اغتيال الرئيس الحريري التي كانت كبيرة إلى درجة ان الشعب اللبناني بأكمله هب. وبذلك توفر الشرطان بشكل مطلق. فالتغيير الخارجي حمى التحرك اللبناني والعكس صحيح فوصلنا إلى مرحلة الاستقلال. اذ كان اغتيال الرئيس الحريري المحفز لإطلاق الحركة الشعبية الكبرى في 14 مارس.
ـ تطور الأحداث أدى إلى الخروج السوري، فهل كان هذا الخروج كما كنتم تحلمون به؟
ـ بالتأكيد، كنت أتوقع أن تتغير الظروف، لكنني لم أتصور كيف سيتم ذلك عمليا. ولم أكن اتخيل ان اغتيالاً سيحدث، وان الشعب اللبناني سينتفض. لكن منذ بدأت السعي إلى قانون استعادة سيادة لبنان، كنت في المحاضرات عبر الهاتف أو «الانترنت» أقول للبنانيين ان لبنان عاد إلى الخريطة السياسية العالمية.
وان الاستقلال والسيادة سيعودان، لكن من شدة الإحباط لم يكن اللبنانيون يصدقون هذا الكلام. وحتى من داخل «التيار الوطني الحر». كان اقرب المقربين والذين يجاهدون على الأرض يسألونني السؤال نفسه عما اذا كانت اميركا ستغير موقفها. فالأمر كان أجمل من ان يكون حقيقياً.
والقلق الذي أصاب اللبنانيين بعد تجاربهم العديدة، غذوه بين بعضهم البعض عندما كانوا يقولون ان أميركا كاذبة. لكن هذه الأخيرة فجة في سياستها إلى درجة انها تطلب ما تريده مباشرة. وحين قيل ان الاميركيين وعدونا في الطائف، لم تكن هناك أي وعود، وإلا لكنت انا أيضاً سرت في الطائف، فحين تعد دولة عظمى في العالم، تلتزم بوعودها.
واذا راقبنا القضية الفلسطينية، نلاحظ التغير في مستوياتها. فصحيح ان الأميركيين يميلون احياناً نحو الاسرائيليين لتخليص الوضع، لكنهم يعودون إلى القاعدة التي وضعوها للتعاطي مع هذا الموضوع. في عام 1989 و1990 لم يعدنا الأميركيون بأن سوريا ستخرج من لبنان في فترة محدودة. وفترة السنتين كانت اتفاقاً بين اللبنانيين.
وأميركا لم تكن ملزمة بالتحرك بعد سنتين، فلم تكن يومها على استعداد لذلك ولم تكن اجواؤها السياسية تسمح لها بالتدخل. هذا خلق المشاكل، وكي لا يتحمل اللبنانيون المسؤولية راحوا يرمونها على أميركا وطورا على فرنسا وإيران. إلا أن المسؤولية في الطائف كانت لبنانية، علماً أن الأميركيين شجعوا هذا الاتفاق، والتوافق بين اللبنانيين كما يفعلون اليوم من دون الدخول في تفاصيل تشكيل الحكومة. هم يتدخلون بالنصيحة، وإذا لم نقبلها نتحمل المسؤولية من دون أن يكون هناك ما يلزمنا.
لم أطرد سفير اميركا
ـ يلاحظ المراقبون انكم استقبلتم في الأسبوع الماضي زائرة أميركية هي ايزابيل ديبل التي لاقت منك كل تكريم، ولاقيت منها كل ترحيب ببرنامجكم وتشجيع على إكمال النهج الذي بدأتموه.و هل يعني هذا انكم اصبحتم أميركيين في لبنان أم أن أميركا أصبحت «عونية» في لبنان؟
ـ يشجع الأميركيون كل المبادرات الايجابية، وخطنا السياسي الداخلي هو تعزيز الديمقراطية والبرامج الاقتصادية. والأميركيون يسعون إلى نموذج ديمقراطي في الشرق الأوسط، يعمل وفقاً لنهج علمي قريب من نهجهم، فيدعمونه ويساعدونه. فإذا قبل البعض أو رفضوا تقع على الولايات المتحدة مسؤوليات عالمية.
فالعالم يحتاج إلى ضوابط تكون أحياناً لمصلحتنا وأحياناً أخرى تأتي ضدنا، كما حصل في مرحلة من المراحل. إذن يجب ألا تكون لدينا عقد في التعاطي مع الولايات المتحدة، من منطلق تحقيق ذاتنا بمساعدتها. لم نصبح أميركيين، لكننا نريد أن نكون أصدقاء لهم من دون أن يعني هذا إنهم يتدخلون في كل التفاصيل.
فالشعب الأميركي ديمقراطي وهو منفتح على العالم بأسره، وهذا ما تأكدنا منه عندما كنا نتعاون مع الكونغرس، لشرح قضيتنا. أنا أؤمن بأن أميركا تفعل ما تريده، فيما اللبناني يظن أنه محور العالم، وعلى هذا الأخير أن ينقذه من دون أن يقوم هو بشيء. النهج الأميركي يقول بأن يساعد الشخص نفسه، فيساعده الله ومن ثم الأميركيون، شرط ألا يكون عدواً لهم.
ـ من الذي تغير؟ قبل 15 عاماً طردت السفير الأميركي من لبنان. واليوم استقبلت الموفد الأميركي في الرابية. فمن تغير؟
ـ هنالك تغير في السياسة الأميركية من أولها إلى آخرها. وأريد أن أوضح أنني لم أطرد السفير الأميركي بل هو الذي غادر في انتظار أحداث ضخمة وقعت وتمثلت بالاجتياح العسكري الذي أبعدني إلى أوروبا. كل خطاباتي موجودة ولم أكن يوماً أقول شيئاً غير إننا أصدقاء، الشعوب التي تحافظ على المثل والمباديء في حين تحافظ الحكومات على المصالح. مشاكلنا كانت حول المصالح في السابق، واليوم أنا متأكد بأن الشعب الأميركي يحب العدالة والديمقراطية.
أنا لم أتغير إذ مازلت أدافع عن القضية نفسها. عدت إلى لبنان وقد تحرر، والسياسة الأميركية تغيرت تجاهه. وهذا صب في مصلحة اللبنانيين الذين يطالبون بالاستقلال والسيادة.
ـ هناك من يقول إن العماد عون خط طريقاً جديداً مع الأميركيين فالحكام في لبنان والدول العربية تعاونوا مع قادة البيت الأبيض والوزراء، فيما ذهبت إلى الكونغرس في الولايات المتحدة وطرحت القضية على الكونغرس حتى وصلت إلى البيت الأبيض. فهل هذه نقطة متقدمة في طريقة العلاقة مع الأميركيين؟
ـ هذه النقطة بالغة الأهمية لكننا في الأساس صدمنا بالإدارة الأميركية لذلك تحولنا إلى الكونغرس. فعندما بدأنا بمشروعنا كانت الإدارة مصممة على البقاء على ما هي عليه من دون أن تدخل الهم اللبناني إلى مكاتبها. وكانت تعتبر أن سوريا عنصر استقرار في لبنان. فوجدنا أنفسنا أمام طريق مسدود.
وفتشنا عن الأسلوب الآخر، فقصدت ممثلي الشعب الأميركي في الكونغرس، الذي لا تتحكم به الإدارة، بل هو من يمثل السيادة الأميركية ويفرض بالتشريع ما يريد على الإدارة. وعندما أخبرت بعض المسؤولين في الإدارة عن نيتي بالذهاب إلى الكونغرس، سخر منا بعضهم فكيف سنقنع الأكثرية، ومن أين سنؤمن ثلثي الكونغرس المؤلف من 435 نائباً.
وثلثي مجلس الشيوخ الذي يبلغ عدد أعضائه المئة؟ كنا نعي مشقة الطريق وندرك أنها مكلفة من جميع النواحي، لكن ما من وسيلة أخرى. فهذا أقصى وآخر ما يمكن فعله. وإذا لم ننجح في المساعي، فلا يوجد ما يجعلنا نأمل بالخلاص. عندما بدأنا بالمسألة، لم اجرؤ على اخبار اقرب المقربين إلي بما كنت سأفعله، كي لا يظنوا بأنني مجنون.
فأنا أقصد أميركا لاستصدار قانون يخرج سوريا من لبنان وتغيير سياسة أميركا، في حين لم يكن اللبناني يؤمن بأنه موجود. وكان من الصعب تخيل الموضوع قبل حدوثه. إذ بعد ذلك أصبح يقال ان أميركا تريد هذا، ولم يعترف أحد بجهودنا طوال 4 سنوات. لقد تعبنا، والصلوات لم تفتر والنذور التي رفعناها، لم تتوقف، وأقول بأن هناك شيئاً من العناية الإلهية، ساعدنا لأنه كان من المستحيل إصدار قانون غير مسبوق في الولايات المتحدة.
ـ هذا «المجنون» دفع غالياً ثمن بقائه على رأس الحكومة الدستورية، بسبب دخول صدام حسين إلى الكويت، وإصرار الأميركيين على طرده منها. فهل يمكن لهذا «المجنون» أن يدفع مرة ثانية الثمن على مذبح اتفاق أميركي ـ سوري لحل أزمة الوجود الأميركي في العراق؟
ـ السياسة ليس فيها تراجع إلى الخلف. والسياسة الأميركية في ضبط الأنظمة ضمن حدودها، وتشجيع الانفتاح والتفاهم، لم يعد بإمكانها السماح بالتدخل، لأنه يؤدي إلى عدم استقرار في المنطقة، والتوقف عن النهج الديمقراطي الذي تشجعه بشكل علني، وهو أحد الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ـ دولة الرئيس ألست خائفاً على مستقبل لبنان وعلى هذا «المجنون» في إنقاذ لبنان؟
ـ إطلاقاً: «المجنون» كان محقاً ولم يكن مجنوناً، حاولت شبه المستحيل ونجحت، وكل الناس يحبون النجاح ويتبنونه، وأنا أقدمه هدية للبنانيين، لكن لو هزمنا لكنا تحملنا وحدنا مسؤولية الهزيمة.
ـ اجتمعتم في قريطم بالرئيس المكلف، برعاية زعيم الأغلبية النيابية سعد الحريري، فهل يعني هذا انضمامكم إلى «الملف الرباعي» المؤلف من الحريري، جنبلاط، «أمل»، و«حزب الله» وهي يمكن أن نطلق على الحلف تسمية «الحلف الخماسي» بدلاً من الحلف الرباعي؟
ـ التفاهم حالياً ثنائياً بيننا وبين الأكثرية التي يمثلها النائب الحريري، التحولات التي قد تحصل داخل هذه القوى، هي تحدد التفاهم ضمن الكتل. فبعد الانتخابات جرت تحولات في التحالفات، وهي كانت مرتقبة، لأن هذه التحالفات لم تركب على أساس برامج سياسية. وقد تكون هناك خيارات سياسية لا يتم التوافق عليها. وما حاولت إنجازه قبل الانتخابات يتم بعدها.
ولو تم قبل الانتخابات، لكانت المسألة سهلة جداً، ولكانت وصلت أكثرية متجانسة تمثل كل القوى، ولكانت تشكل الحكومة فوراً. نحن نسعى إلى حصول تحالف إذا كان هناك تفاهم حول البرنامج.
عقدة الذنب
ـ هناك «عقدة ذنب» تلاحقكم وتلاحق أنصاركم، وهي أنكم جئتم إلى لبنان بصفقة مع السلطة، وتحالفتم مع رجال سوريا في لبنان، فهل تحررتم من هذه العقدة بنزولكم إلى قريطم؟
ـ في «التيار الوطني الحر» ولدنا وعشنا وظللنا أحراراً، وسنموت كذلك. ولا عقدة ذنب لدينا تجاه أحد. وبإمكاننا أن نحرر الناس من لغة الصفقات وغيرها. ويحق لنا أن نصنف لأننا بقينا نظيفين.
إذا أسقطنا مسألة الصفقة من القاموس السياسي، ونلاحظ أنها بدأت تختفي من الخطاب الذي نقلناه من الرهان والمحاصصة إلى حد ما، إلى البرنامج والشفافية والمسؤولية والتدقيق وطريقة جديدة للتعاطي بين المواطن والنائب.
أظن أن علينا أموراً كثيرة يجب أن ننجزها. لكننا فخورون بما أنجزناه مادمنا أصحاب الحق، وقضيتي حسمها القضاء وكل شيء واضح في حيثيات الحكم الصادر بحقي، وأكثر من ذلك سنظل شفافين في سلوكنا.
ـ لكننا نلاحظ أن حلفاء سوريا والحكم السابق يؤيدون منهجك وخطك السياسي فيما المعارضة الحقيقية كما تصف نفسها تجد ذاتها متضررة وملاحقة في هذه الفترة. فكيف ترد؟
ـ من اللبنانيين، وبتأثير من السياسة الغربية الأميركية، من كانوا في الأساس مع سوريا مثل كتلة وليد جنبلاط، حتى قبل دخول سوريا إلى لبنان. فهؤلاء تعاملوا مع سوريا خلال الحرب والمشاكل. وهناك مجموعات لم تكن مع سوريا، لكن بحكم الوجود السوري في لبنان والدعم الغربي، أجبرت على التعاون مع سوريا. وفي مرحلة معينة انقسم هؤلاء بسبب خلافات على المصالح.
اليوم وصلنا إلى ما نحن فيه، ونريد إعادة جميع فئات الشعب اللبناني إلى الحالة اللبنانية والاستقلال لأنهما يخصانهم أيضاً. لا يمكننا أن نفرز قسماً من الشعب اللبناني، وتطلب منه أن يرحل مع سوريا، وكأننا نشجع على البقاء السوري من خلال الشعب اللبناني في لبنان، ونغذي عدم الاستقرار.
مصلحة لبنان تقتضي استعادة كل شعبه، وهذه سياستنا الواضحة. سندعو الشعب كله للمشاركة مع الاحتفاظ بعلاقات مميزة مع سوريا، لأنها دولة على حدودنا ويجب أن نظل على تفاهم كامل معها، إذ ثمة مصالح تفرض نفسها، بحكم الجوار كالأمن المشترك على الحدود والمياه المشتركة.
والمصالح الاقتصادية والتبادل التجاري بين البلدين بالاضافة إلى قضايا سياسية تستوجب التنسيق على المستويين الاقليمي والعربي. إذا هذه كلها ثوابت يريدنا البعض أن نقف ضدها والبعض الآخر يطالبون بأكثر مما يلزم في العلاقات التي نريدها متوازنة ومتكافئة.
ينشر بالتزامن وباتفاق مع مجلة «الصياد» اللبنانية
حوار فؤاد دعبول