حسن الترابي في أول حوار صحافي بعد خروجه من الاعتقال ل«البيان» :، السودان مهدد بالتجزئة والخرطوم عرضة لانفلات أمني أكد الدكتور حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي السوداني المعارض استعداده لطرح مبادرة من أجل إعادة توحيد الحركة الإسلامية في السودان، غير أنه قال إن أمله في تجاوب الطرف الآخر القابض على السلطة ضئيل.
محملاً هذا الفريق مسؤولية كشف الرسائل المتبادلة في هذا السياق مع الدكتور غازي صلاح الدين القيادي في الحركة. ونفى الترابي أن يكون منطلق سياساته نابعاً من مرارات شخصية. وقال إنه يحذر الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق من الفساد بعد الانتقال للسلطة، وتبرأ من مسؤولية تعديل مسودة الدستور التي قدمتها اللجنة المكلفة برئاسة خلف الرشيد وشدّد على أنه يريد دستوراً دينياً للسودان، وقال إن أي اتفاق مع حليف سياسي سيكون ملزماً له إلى حين تُتاح له فرصة إنجاز الدستور الديني.
وشدّد الترابي في أول حوار صحافي مطوّل عقب خروجه من الاعتقال أجرته معه «البيان» في منزله على أن الحرية تمثل المناخ الوحيد لاسترداد الأحزاب السودانية ـ التي وصفها بالضعف والتشقق ـ عافيتها كما اعتبرها الضمان الوحيد لتنفيذ اتفاق السلام قائلاً: «لا سلام بلا حرية». وسخر من الذين يحمّلونه مسؤولية نهج أهل النظام الحاكم، وقال: «إن نوحاً أنجب ابناً فاسقاً، لكن هذا لا يعني محاسبة نوح يوم القيامة»، معتبراً أن السودان يمر بحالة من العجز الرهيب وأنه عرضة للتمزق إلى أربع دول!
ونبّه إلى وجود كميات من الأسلحة المخبأة في أماكن متباينة من الخرطوم. وقال إن وزيراً يتولى حقيبة وزارة مهمة في الحكومة الحالية أدار عملية تخزين السلاح وحملته لحماية النظام في بداياته. وقال الترابي إن خطر الانفلات الأمني على العاصمة ليس مصدره الجنوبيون وإنما أبناء الغرب، وفيما يلي نص الحوار:
* صدرت عنك في مؤتمرك الصحافي الأخير إشارات لجهة المصالحة مع الفريق الآخر من الحركة الإسلامية المهيمن على السلطة، فإلى أي مدى أنت مستعد للذهاب في هذا الطريق؟
ـ لقد أبنت معاني أصولية كثيرة تشمل كل الأحزاب الإسلامية التقليدية المعروفة، وركزت على المبادئ الإسلامية.
* الخلاف بينكم والفريق في السلطة لم يكن على المبادئ؟
ـ الخلاف كان على الحكم الإسلامي. هل يوجد انفتاح لمشيئة الناس وجعلهم أحراراً يقولون ما يشاؤون حتى إذا كانوا غير مسلمين، فضلاً عن المسلمين أنفسهم في رؤاهم المختلفة أم لا؟
* هل كان الوضع قبل الخلاف بينكم متوافقاً مع الإسلام؟
ـ نحن متفقون على الحكم والسياسة التي خرجت صوفياً وفقهياً وسلطانياً ولكن كيف يتم بناء الدولة الإسلامية؟ إنها تقوم على حرية المسلمين.
* هذه الحرية لم تكن متوافرة عندما كنت، يا دكتور، قابضاً على زمام أجهزة السلطة؟
ـ هذا غير متوفر في المعارضة. كان الأفغان كلهم يقاتلون الروس واستشهد منهم العديد، ولما ذهب الروس اكتشفوا أنهم لا يدرون كيف يحكمون وضرب بعضهم بعضاً قتلاً شديداً وحدث ذلك عقب الثورة الفرنسية وبعد انتصار الثورة الجزائرية. كل الذين يرفعون شعارات ومبادئ يواجهون عند التمكين مهمة بناء الأصول أولاً، وهذه مرحلة اختلافات اجتهادية في شأن تقديم مشروع ومنح الأولوية لمشيئة الناس في دولة الإسلام، في دينهم، في نقدهم، في آرائهم تلك هي الأصول في الإسلام. كما أن الحكم فيها لله، لكنهم مستخلفون فيه، إن أساءوا يحاسبون وإن أحسنوا يجازون يوم القيامة ولهم في ذلك أمر الشورى بينهم.
* ما الجديد الذي حملك لإطلاق إشارة التصالح مع فريق السلطة؟
ـ لقد ظللت أكتب في هذا الفقه منذ أيام النميري، لكنهم لم يصلوا جميعاً إلى هذا المستوى، بعضهم كان يظن انه عند وصول إسلاميين إلى السلطة سيسيطرون على البلد ويتم إلغاء الآخرين باعتبار أن آراءهم تمثل الدين وهناك عسكريون كذلك، والعسكري يعتبر أن قولته هي الأوامر العليا. وقد اختلفنا في هذه وتلك، ودار الجدل حول العهد الذي تعاهدنا عليه.. هل ملزم أم غير ملزم؟
*أيمكن أن يكون غير ملزم؟
ـ أعوذ بالله، عندنا في الدين القسم أوفوا بالعهود.
* هنالك أناس نكصوا عن العهود بعد أداء القسم..
ـ يجب ألا نتعاهد مع هذا النوع من البشر الذين يخونون العهود، هم فعلوا ذلك واختلفنا معهم واختلفنا إزاء طهارة الحاكم الذي نرى انه يجب أن ينأى بنفسه عن أي شبهة، حتى الهدايا، إذ لا هدايا للحاكم أصلاً، فعندما بدأنا الحديث عن هذه المسائل انفجر غضب شديد.
* قبل هذا قلت يا دكتور إن نسبة الفساد في السلطة لا تتجاوز 4 في المئة؟
ـ قلت بضع في المئة.
* لكنك الآن تتكلم عن 90 في المئة تحديدا..
ـ ما هو البضع في اللغة؟ أنا لم أقل 90 في المئة.
* ألم تذكر نسبة الـ 4 في المئة تحديداً.
ـ لا، لا لم يحدث، بل قلت بضعاً.
* أنا لديّ نص على لسانك يقول هذه الـ 4 في المئة..
ـ لا أبداً، ماذا يجعلني متأكداً من هذه النسبة على هذا النحو، بل قلت بضعاً في المئة.. أنا لست مراجعاً عاماً، قلت بضعاً وهي تعني من 3 إلى 9. الناس قالوا إني نسيت صفراً أضافوه إلى الـ 9 لتصبح 90. فعلاً زاد الفساد بعد خروجي من الحكم. كلما تعاهدنا عليه وتوافقنا ضاع وسقط، خلافاتنا كانت على مبادئ الحكم.
* إذن ما الجديد الذي دفعك للتحرك من أجل المصالحة؟
ـ عندما بدأ الخلاف قلت لهم إذا كنتم تريدون المبادئ المبينة في القرآن، سنقرأ لكم القرآن، وإذا كنتم تريدونها في دولة الرسول نوصفها لكم، أما إذا أردتم الذهاب في غير هذا الطريق، ستأتي عليكم ضغوط من الخارج وستنفذون حكم الشعب باسم الديمقراطية بضغط غربي وليس طلباً لرضوان الله.. وأنت ترى الضغوط الآن.
* الضغوط الخارجية تمارس على منْ هم في السلطة وليس عليك أنت في المعارضة، فالإجابة التي أبحث عنها لديك هي كشف الدوافع التي حملتك لإطلاق إشارات لرأب الصدع مع الفريق الحكومي؟
ـ الناس يسألونني الآن، هل يمكن الحوار مع الآخر.. مع الشيوعي؟ مع حزب الأمة فأجبت بأني مستعد للحديث مع الجميع.
* ألم يكن هذا صادراً عن حرص على إعادة توحيد الحركة الإسلامية في ظل ظروف مستجدة؟
ـ لا لا.. أنا لست طائفياً. كان اسم حركتنا حركة تحرير الإسلام أيام الجامعة، ثم تعرض «الإخوان المسلمون» للضرب في بلد ما فسمينا أنفسنا «الإخوان المسلمين»، حتى نوضح للناس تجاوب المسلمين مع بعضهم البعض.. وعقب الانتفاضة الشعبية في أكتوبر عام 1964 سميناها «جبهة الميثاق»، وحصل تطور في البلد عقب سقوط نميري فسميناها «الجبهة الإسلامية»، أنا لا أهتم بالأسماء حتى «المؤتمر الشعبي» الحالي يمكن استبدال اسمه إذا وجدنا إطاراً واسعاً مع أناس اتفقنا معهم على مبادئ، ويمكننا الاتفاق معهم على اسم جديد.
* تبادل معك الدكتور غازي صلاح الدين رسائل وجهتها لإعادة توحيد الحركة الإسلامية.. من يقرأ رسائلك يلاحظ أن لغتك فيها استهدفت في الأصل نشرها في زمان يأتي يوماً ما ولقد بادرت أنت في كشف أمر هذه الرسائل المتبادلة..
ـ كلا.. جهاز الأمن هو الجهة التي نشرت تلك الرسائل، وأخرج أمرها فقد كان غازي يعملها سراً ويتصل مع الرئيس، ولما عرفت الفئة كلها ـ هم يعرفون أن الرئيس يمكن أن يبقى، لكن الكراسي تتبدل بالضرورة ـ كشفوا الرسائل ونسبوا ذلك لي. نحن اتفقنا على عدم نشرها وحصرناها في القيادات من منطلق الشورى، وقد أرسلت إلى بعض أناس بأسمائهم.
* هذا يعني أنك لا علاقة لك بأمر كشف تلك الرسائل؟
ـ القصد أولاً، الاتفاق على اقرار تلك المباديء أولاً بعد ذلك يأتي الاجتماع لبحث امكانية استبعاد أناس من هنا أو هناك إذا رؤي ذلك على مستوى القيادات ولكن هذه المباديء ربما تزلزل أركان الحكم.
* الدكتور غازي صلاح الدين دفع كلفة باهظة مقابل كشف تلك الرسائل ولهذا أحرص على استبانة مدى مسؤوليتك في هذا الأمر.
ـ لم اكشف ذلك أصلاً.. أعطيتها إلى أناس منسوبين الآن لليسار.
* ربما سرب أحدهم الأمر أفلا تشك في ذلك مثلاً؟
ـ صاحب مهنة له أخلاق وحصل على جوائز تحرير «الأيام» هل تعرفه؟ أنا أعرفه قديما أيام أكتوبر إذ كان الوحيد الذي نشر كلماتي التي أحدثت الثورة، بينما خافت منها الجرائد الأخرى، وقد كتبت له موضحاً أن هذه الرسائل ليست للنشر ولكن يمكنك الاستفادة منها وقد استأذنت بأني سأمنحها لبعض الناس أمانة وليس للنشر وأعطيتها إلى عشرة أشخاص أمانة وليس للنشر.
* لاحظت كذلك أنك صببت نقداً مركزاً على الفريق الحكومي في السلطة بينما اتخذت لغة أخرى هادئة تجاه حركة قرنق التي ستنتقل إلى السلطة في التاسع من يوليو الجاري (لسبب) وأفهم اللغة الهادئة تجاه الحركة باعتبارها أحد حلفائك ولكن هل ستحتفظ بهذه الازدواجية تجاه من هم في السلطة أم ستعتبرهما شريكين لا يمكن الفرز بينهما؟
ـ أنا حدثتهم بأن التحالف معهم لم يكن انتهازاً لوجودي معهم في المعارضة حيث يجمع بيننا عدو واحد. هذه هي اللغة التي ظللنا نتحدث بها أمام الأحزاب كلها منذ العام 1964. نحن أول من تكلم عن حكم اقليمي في هذا البلد وأول من تحدث عن الفيدرالية، وهذا يعكس جانباً من تقادم العلاقة مع الجنوب. اقتسام السلطة شيء مغاير لاقتسام الثروة فمن أجل انجاز الثانية لابد من اقناع الناس بالاستثمار في الجنوب نحن نريد اقناع الناس بذلك واقناعهم بالتزاوج، فبالتزاوج تستولد أجيال تنهي الفصل بين الشمال والجنوب فمن نحن أصلاً؟
نحن خلطة عرب وآخرين نتكلم العربية. الثقافة لا تنتجها الحكومة وقلت لهم لدينا علاقات دولية تعالوا نقدمكم لها ونربطكم بها نحن لدينا علاقات مع أطراف ثرية من دول عربية سواء كنتم أو كنا في الحكومة أو المعارضة.
* هل تعتقد أن حركة قرنق يمكن ان تصبح عرضة للتلوث بالفساد بعد انتقالها إلى السلطة؟
ـ هذه تجارب بشرية. المعارضة تختلف دائماً عن السلطة، عندما تكون في السلطة تود بسط الحريات وتريد لا مركزية ولكن السيد الرئيس يريد احتكار السلطة والمركزية.
*من المفترض أن تكون لديك برامج وأنت في المعارضة تلتزم بها وأنت في السلطة.
ـ لا لا صدقني هذه مفسدات السلطة خاصة عندما لا تتوفر رقابة صحافية وتكون البرلمانات معينة ومدجنة. الفساد يبدأ قليلاً قليلاً ثم يستشري كالأمراض. اذا لاحظت الصحف هنا نشرت بعض الاشارات التي لها علاقة طيبة مع السلطة من المؤتمر الصحافي الذي أشرت اليه مع أن الكلام فيه امتد ساعة وقد تحدثت مع جماعة جون قرنق مؤكداً على أهمية مراعاة مصلحة الشعب الجنوبي والنأي عن احتكار السلطة فلا تقولوا «كله لنا نحن» كما قال هؤلاء ان لديهم 52% وحصر الأحزاب الأخرى كلها في 4 بالمئة فقط ومعهم سكان الشرق والغرب.
* استناداً إلى تجربتك الشخصية فهل تنطلق من مرارات شخصية وأنت تتحدث عن الوحدة وإعادة اللُّحمة.
ـ يا أخي الكريم الوحدة ليست مع هؤلاء فقط. الوحدة مع الشعب السوداني. ما هو حزب الأمة؟ حزب الأمة أصول الدين فهو حركة جهادية والاتحاديون أصولهم دينية.
* والشيوعيون؟
ـ أنت تدرك ما حدث للشيوعية في العالم، وبدأوا يتكلمون عن الدين وهذه خطوة ولكن كلهم يريدون الحرية. نحن متفقون على أصول الآن. حزب الأمة جرّب الانقلاب وكان أول من تلقى ضربات العسكر ونحن كذلك خضنا التجربة وكلنا جئنا عن تجربة. الجنوبيون لم يجرّبوا.
* سؤالي كان يستهدف الكشف عما إذا كنت أسير مرارات خاصة في سعيك لإعادة توحيد الحركة الإسلامية أو عدم التقارب؟
ـ لا أعمل في حياتي حسابات للمرارات الشخصية أنت تعرف أن نميري كان ابن داخلية ـ سكن الدراسة ـ وصديقاً وكان أقرب إليّ من عمر البشير، قبل الانقلاب، ولكنني أول من دخل السجن في أيامه حيث قضيت 41 شهراً في المرة الأولى ثم 7 سنوات، لكنه سقط وسقط معه عمر الطيب الذي دبّر كل الأحداث التي سبقت نهاية نميري وزج بنا في السجن دون أن يتذكروا ضرورة عزلي من المنصب الحكومي أولاً. ولم أذكر شيئاً عن جعفر نميري أو عمر الطيب يوماً.
*أعلنت أنك لن تعقد صفقة مع الفريق الحكومي من تحت الطاولة وستبلغ شركاءك في التحالف مسبقاً بما يمكن أن يحدث، لعل هذا يعطي مؤشراً لحدوث اتصالات بالفعل أو على الأقل تعبر عن استعدادك للدخول طرفاً في مثل هذه الاتصالات. فهل لديك استعداد لطرح مبادرة في هذا الاتجاه؟
ـ ليس لدي عقدة.
* هل لديك أمل في تجاوب من الطرف الآخر؟
ـ لا أقول لا يوجد البتة لكنه ضئيل ما داموا في السلطة لكن صدقني إذا خرجوا من السلطة على أي نحو أو آخر فإن أغلبيتهم ستأتي وسيتم اللقاء. أنا أعرف أنهم معي على المبادئ ولكن عند التنفيذ أنت لا تحتمل الهروب من المال والسلطة. لكل إنسان ظروفه قد يكون ممتازاً في بعض المواد وراسباً في مواد أخرى وعليّ أن أكلفه بما هو يحسنه. أنا مطمئن إلى عدد منهم بكلام منهم أو بخبر عنهم عن اتفاق على المبادئ لكنه لن يترك الوزارة.
* سيأتي تعديل وزاري بموجب اتفاق السلام وسيغادر البعض مناصبهم فهل تعتبر هذا موسم هجرة إليك؟
ـ ربما ولكن في الحكم يمكن اختلاق وزارات ومناصب كثيرة في الولايات وتعمل مؤسسات ضخمة.
* بعض الناس يحملك شخصياً مسؤولية اختلاق المناصب والوزارات.
ـ أنا لست اشتراكياً. الرسول لم يأخذ ديناراً لإنشاء مؤسسة وأنا ضد هذا.
* هؤلاء المهيمنون على السلطة ليسوا بالاشتراكيين كذلك.
ـ عندما تمسك السلطة يختلف الأمر فالمال زينة وإذا المتوفر لا يكفي يمكنك فتح شركات وتحتل البلد.
* جهاز الدولة لم يتغير من حيث الهيكل بعد مغادرتك السلطة؟
ـ هذا كان أحد محاور الخلافات والصراعات فقد كنا نرى أنه لا يمكن لجهاز الأمن أن يعمل شركات. الخلافات عديدة وتكون مستورة في البداية ثم تتفاقم.
* وجهت انتقادات ساخنة عقب خروجك من المعتقل للدستور المقترح ورفضته وقلت في سياق انتقاداتك ان هذا الدستور صناعة لجنة والاصل أن يكون الدستور من عمل الشعب غير أن الدستور الذي صدر في العام 1998 وكنت مهندسه كان صنيعة لجنة.
ـ كلا
* انتظرني (يا دكتور) من فضلك لأشرح سؤالي؟
ـ حسناً، ولكن لا تضيع وقتك لقد انجزه مجلس كامل وعرضه للشعب.
* لقد تم تشكيل لجنة برئاسة القاضيين المعروفين خلف الله الرشيد ودفع الله الرضي..
ـ لالالا. كثير من آراء هذه اللجنة ضاع. أولاً هذه اللجنة لم نشكلها نحن بل رئيس الجمهورية.
* هذه اللجنة يا دكتور قدّمت لكم مسودة متكاملة لكن الدستور الذي خرج كان مغايراً للمسودة حسب اللجنة المكلفة.
ـ تم تسليم المسودة إلى رئاسة الجمهورية التي لا تضع دستوراً وسلم رئيس الجمهورية «الورق» إلى المجلس ـ البرلمان ـ الذي عدّل وأخرج وأدخل ثم عرضه على الشعب.
* قيل يا دكتور انك انت شخصياً من قام بمراجعة مسودة دستور اللجنة المكلفة وعدلت وأخرجت المشروع الذي أجازه البرلمان.
ـ سآتي لك بشهود من الناس
* عفواً يا دكتور أنا لا أطلب شهوداً بل أردت استيضاح دورك وتبيانه للناس.
ـ الناس في العالم اعتادوا على رد كل ما يحدث الى فرد، يقولون ستالين مثلا مسؤول عن كل «اللخبطات» التي حدثت في الاتحاد السوفييتي. الغرب يزعم ان كل ما يحدث من قبل الحركات الاسلامية انما هو مسؤولية الترابي فهو الذي يمولها جميعا ويمنحها مدداً فكرياً. هذه أخطاء في الرأي العام خاصة في المناطق الجاهلة
* ما هي الانتقادات المحددة التي يمكن ان توجهها للدستور المقترح حاليا؟
ـ عرضتها عليكم.. كان ينبغي ازالة مسألة نائبي الرئيس. على اساس وضع جنوبي ثالث في مؤسسة الرئاسة أعطى رئيس الجمهورية سلطات ما كانت من حقه في الدستور الفائت الذي يسميه المغفلون دستور التوالي. الحريات التي كانت مضمنة في الدستور السابق لم تكن تقنعني غير أنها استغرقت جدلاً شديداً لبلوغها هذا المستوى.
الدستور الجديد تراجع بهذه الحريات كما تراجع بحرية الأحزاب الى الوراء. قانون التوالي لم يكن مضمناً في الدستور وكان سيلغي في اول اجتماع مقرر للبرلمان. كنا في الحركة الاسلامية وضعنا خططاً وبرامج عند قيام هذا النظام على أساس فتح الحريات أولاً للصحف ثم الاحزاب وهكذا حتى نصل الى النموذج الذي نراه وكان يرضاه الجميع.
ثالثا منذ أربع سنوات لا يوجد للشعب صلة بالمجلس التشريعي. اذ لم ينتخب نائبا بل يعينهم الرئيس وهناك يعينهم جون قرنق هنا اغلبية دائمة 52 بالمئة قيل إن هناك 20 بالمئة على الأقل تعطى للنساء في الولايات فحذفوا هذه تماماً.
* لو قلت لك ـ يا دكتور ـ اعطني خطوطاً عريضة للدستور الذي يمكن ان تكتبه للمرحلة الانتقالية بديلا؟
؟ تم حذف كل كلمة لها رائحة الدين وأنا لا ارضى هذا وأنا كما اتكلم مع الحركة الشعبية أقول لهم أنا «زول دين» لما أتفق معكم سياسياً التزم معك الآن ولكن أول فرصة تتاح لي امزق الورق.
أنالا اركز على الدين في الدولة ولكن حتى في البيت وأؤمن بذلك في الحياة كلها والناس كلهم متفقون في الحركة على هذا.
* يعني انك تتمسك بتضمين الطابع الديني في الدستور
ـ الدين لا يؤذي فهو شيء مشترك نعم يكون دستوراً دينياً وثانياً مبادئ موجهة من هدي الدين أو من تجارب البشرية مثل الحريات المطلقة، فلا تستأذن صحيفة في الصدور أو حزب في التأسيس ولا عرقلة لأية تظاهرة فالكل حر حر.. التجارة حرة.. الدين حر كله حر.. اذا اخطأ انسان فالأمر الى المحكمة، القضاء يحكم وليس الأمن أو الحكومة. فيما يتعلق بالسلطة التشريعية فالشعب هو صاحب السلطة فلابد من تنظيم استفتاءات.
الآن هم خربوا الاستفتاءات ولن تقوم لها قائمة. أوروبا الآن تعود إلى الاستفتاءات وعندنا في الدين مسألة الإجماع وهذا هو مصدرها عندي. النواب ينوبون عن الشعب وليس من حق الرئيس إصدار أمر مؤقت. لابد من ضمان استقلال القضاء وهذا لا يتأتى. إذا عينه الرئيس يجب إرجاع الأمر لأناس لهم مرجعيات من العلم والقضاء لتولي هذه المهمة وتخصص له ميزانية حتى لا يخضع لمن يعطيه مالاً وتخرج هذه الميزانية ممن يتولى أمر وضع الموازنة مباشرة.
لابد من استقلال لجنة الانتخابات استقلالاً كاملاً والمراجع العام مؤسسة كاملة والمدعي العام كذلك فهو الذي يتولى أمر الجرائم ضد الدولة. ولا أقول هذا دستور نهائي ولكن نتعامل به وعند التطبيق نرى ونراجع، تمثيل المرأة أيضاً شيء مهم بالنسبة لي فهي ليس لديها فرصة حالياً في الفوز، تفوز واحدة كما حدث أيام نميري حيث فازت فاطمة عبد المحمود ومرة فازت لنا واحدة في منطقة بري ولكن من المهم منحها نسبة معينة.
* قلت انك تؤيد قضية دارفور مئة في المئة ولكن يقال ان جماعة العدل والمساواة هم ذراعك التي تحرق بها الأرض هناك.
ـ كما يقال لي ان هؤلاء الحكام هم أبناؤك وأنت الذي أتيت بهم. قلت لهم ان نوحاً أنجب ابناً فاسقاً فهل سيقبض على نوح يوم القيامة لمحاسبته؟ في عهد النبي كان هناك من يسكر ومن خان الأمانة ولكنه ربى الصحابة الذين اختصموا على الكرسي وقتل بعضهم بعضاً فهل النبي مسؤول عن هذا؟ لماذا لا تخافون الله؟ ولماذا تحملوني كل الحق مع «انه لا تزر وازرة وزر أخرى» كما قال الله. كل شخص يتحمل مسؤوليته.
جماعتا دارفور خرجوا من الشيء المشترك بعضهم وليس كلهم. الفريق الآخر معظم قواعده خرجوا عن هذا الشيء المشترك. عبد الواحد زعيم حركة تحرير السودان ليس منا فهو يساري ويطالب الآن بفصل الدين عن الدولة ولكن الكثير من قواعده خرجوا من المؤتمر الوطني (الحاكم) كما خرجت قيادات من الفريق الآخر. وبما أني أدعو إلى اللامركزية فالجميع يعرفونني في أنحاء الوطن منذ زمن بعيد من الذي فكر في الحكم الإقليمي؟
هل أهل بلدك يعرفون هذه الكلمة؟ من الذي قدم محاضرات عن الفيدرالية قبل الإنقاذ؟ أنا متحمس للفيدرالية فقد طفت السودان صغيراً وخبرت التباين في الحظوظ والخدمات والحقوق ونريد أن تعدل... نحن في الحزب لامركزيون. نواب الرئيس، لدينا بالانتخاب ولم نقل لأحد انتخب فلاناً أو علاناً، فجاء أحدهم من الغرب وآخر من الشرق وواحد من الشمال وواحد من الوسط وطلعت امرأة وواحد من الجنوب.
* ما هي القضايا التي تراها تشكل عقبات أو تحديات لبعض القوى السياسية أن تمنحها أولوية؟
ـ السودان لم يستطع الدفاع عن نفسه فهو أكبر بلد في العالم فيه كيانات حملت السلاح ليس في الجنوب فقط، وإنما في الشرق والغرب والوسط والشمال وجاءتنا جيوش من الخارج..كل ذلك يعني أن هناك أزمة، فأنت عاجز عجزاً رهيباً.
ثانياً قضاؤنا لم يستطع الحكم ليس لأن قضاتنا غير مؤهلين فهم يمارسون ذلك في بلدان أخرى.. نذكر أنهم قبل ذلك قالوا انهم يحاكمون في دارفور كل المتحفظ عليهم وأن المحاكمات سارية ثم انكشفت المسألة بعد يومين. الآن يحاكمون والمسألة مكشوفة. هؤلاء ليسوا جادين وإنما فعلوا ذلك في محاولة لستر أنفسهم.. الخير يأتي للاجئين من الخارج فلم يعد فينا خير لإغاثة مليونين من أهلنا داخل بلدنا وخارجه.
وثانيا لأن الأحزاب ضربت هي نفسها تشققت كلها تشققت، الاتحادي القومي، جبال النوبة، والحركة الإسلامية، والشيوعيون، وحزب الأمة، وتقدمت وسائل المعرفة والاتصالات وتقدم التعليم وانتشر أصبح العدد الغالب من أهل السودان بلا ولاءات حزبية فكيف يمكن تمثيل هؤلاء؟ يمثل هؤلاء كما كان في السابق حيث كان واحداً يكفي أو لنقل أقل من عشرة. الآن لدينا أزمات عديدة لا أقول هذا من أجل تيئيس الناس، ولكن يمكن إذا استمر الحال على ما هو عليه أن يتمزق السودان جنوباً وشرقاً وغرباً وشمالاً، ولعل أهل النيل في الوسط يبحثون عن ملاذ إذا ما تقطعوا إلى قبائل. توجد مخاطر ولكن يمكن معالجتها.
* هل ترى أن للأحزاب المتشققة كما وصفتها القدرة على معالجة هذه المخاطر؟
ـ نعم بالحرية. الآن يقولون إن قادة الأحزاب أصبحوا متقدمين في السن. أنا حالياً لم أعد مناسباً أن أكون قائد حزب ممكن أطوف السودان وأعمل محاضرات وأؤلف كتباً، ولكني لا أقدر على إدارة حزب كامل، ولا الصادق المهدي الذي هو في السبعين الآن، لكنهم لا يمنحوك فرصة لإعداد وتجهيز القيادات تلقائياً.
* لماذا تطرح نفسك نموذجاً وتأتي بقيادات شابة؟
ـ أنا كنت في السجن والناس في الخارج ليس لديهم أكثر من رمز في السجن. الحرية هي التي تمنحك طاقة التجديد وهي التي تؤمن السلام، فلا سلام دون حرية. من يؤمن اتفاق السلام؟ لقد رأينا من قبل اتفاقية أديس أبابا، من عَمَلها أتى بقادة الجنوب ومنحهم أموالاً خدّرهم بها، وكذلك رياك مشار واتفاقية جبال النوبة جلس عليها أميركي والآن يجلس على الاتفاق الجديد.
* ألا يقولون إن هناك قوى دولية حارسة وضامنة لتنفيذ الاتفاق؟
ـ لا أبداً، إذا حدثت حرب ستأتي هذه القوى، ولكن عندما يحدث خرق لن يأتوا وسيحدث خرق هنا وانتهاك هناك حتى «تتقدد» كلها (أي تكثر ثقوبها). القوى الدولية لديها قضايا دولية أخرى تشغلها. في زائير أكل الأفارقة بعضهم بعضاً فماذا كان رد فعل القوى الدولية!!
* أيعني هذا أنك غير واثق إزاء تنفيذ الاتفاقية؟
ـ لست يائساً ولكن لا بُدَّ أن أنبه للمخاطر. كما أنك لست يائساً إزاء ضعف القوى السياسية إذ يمكن أن تسترد عافيتها عبر الديمقراطية.
إذا لم تكن هناك حركات غير إسلامية فسيصيبني الضعف أنا كحركة إسلامية. إذا كونت فريقاً لكرة القدم
ـ فلا بُدَّ من وجود فريق آخر وإلا فلن تلعب أو تمارس اللعبة أصلاً. هكذا الحياة «لولا دفع الله الناس بعضهم بعضاً لفسدت الأرض».
* هل تغلّب خيار الوحدة أم الانفصال؟
ـ أنا ليس لديّ بلد في السودان، البلدة التي يسمونها (قرية الترابي) لم أولد أو أتعلم فيها تنقلت بين الشرق والوسط والشمال والغرب حتى في السجون نقلوني قبل ذلك إلى الفاشر في الغرب، وكسلا في الشرق، الوحدة بالنسبة لي حياة.
* دعنا نحاول قراءة نتائج الاتفاق في شكله الحالي وبالشراكة الحالية واستبعاد القوى السياسية الأخرى ان يفضي الى الوحدة؟
ـ أنا لست مشغولاً بالدستور
* أنا لم اتكلم عن الدستور؟
ـ أود ان أقول انني لست معنياً بالنصوص فهي زائفة فكثيراً ما قرأت نصوصاً جميلة في البلدان الإسلامية والعربية غير أن الواقع كان سيئاً جداً. قرأت نصوصاً مقدسة في القرآن ولكن رأيت المسلمين وقد هجروها ولذلك لست يائساً.
* دعنا نقرأ ممارسات الحركة في ظل الاتفاق؟
ـ إذا اجتهدت القوى السياسية كثيراً تعمدت أولاً الى تحقيق الوحدة فإذا لم يكن الحزب نفسه شمالياً جنوبياً فلا جدوى من كلامه فكيف يدعو الى الوحدة ففاقد الشيء لا يعطيه ـ أظن أن الأحزاب ستبحث بعد فتح أبواب السلام عن فروع ومنتسبين لها في الجنوب مضطرة فالجنوبيون يبحثون الآن عن منتسبين في حلفا وبورسودان ليسوا جنوبيين فقط وإنما من كل الأشكال والقبائل. إذا انتبهت الأحزاب للمخاطر وقامت الوحدة على أسس فيمكن التقدم على هذه الجبهة ولكني أرى الخطر وإذا وقع فلن يفجعني أنني لم أكن أتوقعه أصلاً. إذا تقسم السودان أربع دول كان هذا مستحيلاً.
* هل تعتقد ان الخرطوم ستشهد نوعاً من الانفلات الأمني في المرحلة المقبلة لوجود ميليشيات مسلحة جنوبية؟
ـ الانفلات الأمني ليس وقفاً على الجنوبيين صحيح سيأتي جنوبيون بمشاعر من كان مظلوماً فمثل ما يكون الإنسان عندما يخرج من السجن يتحدث لغة قوية ولهجة متشددة «يشير الى نفسه ضاحكاً» هذه طبيعة البشر فيمكن ان يصدر عنهم ما يعكر صفو الأمن ولكن ليس ذلك نتيجة صدام بين شماليين وجنوبيين، الخرطوم لم تكن المدينة الشمالية كما في الخمسينات والستينات، الخرطوم الآن تفيض بأهل الغرب فالخطر قد يأتي من نواح مختلفة.
* يعني ليس من الجنوبيين؟
ـ بل من الغرب .. عندما اكتشفت السلطات كمية من السلاح في جهة ما حول الخرطوم قيل ان ملكيته تؤول للحركة الإسلامية وقرأ بعضهم أن الترابي كان يحتاط لحماية نظامه بميليشيات مسلحة خارج القوات النظامية.
* اذن كان على الترابي أن يأخذ كل هذا السلاح عندما خرج. لم يمنحوك هم هذه الفرصة؟
ـ من يتحمل مسؤولية هذا السلاح يتمكن من وزارة مهمة جداً في الحكومة، دون الدخول في الأسماء، هو المسؤول عنه والله لا أعلم أين خبأه أو وضع منه بندقية واحدة.
* إذن الحركة الإسلامية تملك ذلك السلاح؟
ـ هو الذي وضع تلك الأسلحة وحملة السلاح إذ ان السلاح دون حامل لا جدوى منه، هو خاف في الأيام الأولى ان ينقلب الوضع وبعد استقرار الوضع أصبح لديهم مصالح في تلك الأسلحة وعندما انكشف بعض منها قالوا نلقي بمسؤوليتها على المؤتمر الشعبي بينما لا يعرف كل من هو في الشعبي بما فيهم أنا شيئاً عن مكان السلاح.
إلا أن التشكك أن كل مناطق الخرطوم فيها سلاح مخزن وراءه حملة لهذا السلاح. لقد أذاهم أن أغلب المجاهدين الذين قاتلوا في الجنوب مع الجيش أصبحوا أعضاء في المؤتمر الشعبي فهم خافوا من هذه المسألة.
* أهؤلاء المقاتلون يعرفون مواقع تخزين السلاح؟
ـ لا. هناك إداريون يعرفون ذلك فالجندي المقاتل لا يعرف إدارة الجيش وأماكن صنع السلاح أو تخزينه.
* لو أعطوك نسبة من المقاعد في الحكومة المرتقبة فهل تقبل المشاركة؟
ـ من 14 في المئة عندما تصبح وزيراً تتحمل تضامنياً كل مسؤولية الحكومة هؤلاء غير متحمسين لعدم الفساد وتقديم خدمات للشعب الذي يتحمل أعباء زيادات مضطردة في الكهرباء وأسعار البنزين فلماذا أتحمل مسؤولية هؤلاء؟ هناك أحزاب موجودة حالياً في الحكومة فهل لديها قيمة؟ وهناك أحزاب انشقت ودخلت وخرجت بلا قيمة. أسألهم أنا أحيانا فأكتشف انهم لا يعرفون شيئاً عن العلاقات الخارجية أو الشؤون الداخلية اكتفى هؤلاء بالكراسي.
* تتحدث عن الطهارة وان السلطة مفسدة بحكم تركيبها وأنت تنتقد الآن باعتبارك خارج السلطة فماذا لو عدت إليها؟
ـ لا تنس أنني كنت رئيس البرلمان.. (بانفعال) فعندما رفض الرئيس توقيع قانون الصحافة أرسلت إليه مبلغاً أن القانون يسري بعد 30 يوماً حتى إذا لم يوقع وإذا أعدته ستتم اجازته بالاجماع وليس بالثلثين فوقع في اليوم الأخير.
حاوره في الخرطوم ـ عمر العمر