احتدم الجدل في جلسات مؤتمر حوار الأديان الذي طوى أمس اجتماعاته بين تبادل الاتهام بالسعي إلى الهيمنة الدينية والدعوة إلى ممارسة النقد الذاتي والتسامح وقبول الآخر. واتهم عبد المجيد الصغير، الأكاديمي في جامعة الرباط، العالم المسيحي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بشن «حملة تنصير واحتلال» ضد العالم الإسلامي.
ما أثار ردود فعل مستنكرة خاصة من قبل ممثلي الطوائف المسيحية في المؤتمر.وقال إن الولايات المتحدة أصبحت منذ احتضانها «مؤتمر كولورادو التنصيري الخطير سنة 1987 (..) نموذجا للتحالف بين سياسة القطب الواحد وبين نوع من التدين الشعبي والرسمي لم يشهد التاريخ له مثيلا في التعصب وفي التخطيط لسحق المخالف».
وأضاف: «الجميع تقريبا بمن فيهم رؤساء الدول والمفكرون ورؤساء كبرى الكنائس مختلفة المذاهب، منخرط في تكريس آيديولوجية علنية واحدة مفادها ضرورة دعم إسرائيل واحتلالها القدس وإعادة إقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى باعتبار هذا الثالوث ميثاقاً عقدياً مسيحياً أصيلاً واستراتيجية ضرورية تمهيداً لنهاية التاريخ واستعجالا لعودة المسيح».
واستنكر مطران جبل لبنان وطرابلس للسريان الأرثوذكس جورج صليبا ما قال انه «تشويه للصورة الدينية في الولايات المتحدة والغرب». وأكد: «نحن غير مرتاحين لسياسة الولايات المتحدة في القدس والعراق وغيرها ولكن ينبغي أن يكون واضحاً أن الرئيس (جورج) بوش لا يمثل المسيحيين».
ومع إقراره بأن «هناك تأثيراً صهيونياً على سياسات بعض حكام الغرب» شدد على انه «لا تخلو مؤسسة أو ديانة من مندسين يشوهون حقائق» الدين الداعية إلى المحبة والتسامح والسلام. وتساءل منتقداً الجانب الإسلامي: «لماذا نسمح بذهاب الدعاة إلى بلاد غير إسلامية ولا نقبل بمجيء مبشرين مسيحيين إلى البلاد الإسلامية».
من جانبه قال الناطق باسم هيئة العلماء والدعاة في فلسطين عبد الرحمن عباد إن «الحوار (مع اليهود) ليس حديثاً وقد جربناه في فلسطين المحتلة منذ 23 عاماً ونحن نرى أن الذين يحاورونك الآن يحملون السلاح غدا عندما يستدعون» إلى الجيش. واعتبر «إن القاعدة الأولى للحوار هي المصارحة وبعد ذلك نأتي إلى المصالحة».
غير أن المازري الحداد وهو أول عربي مسلم يعترف به في فرنسا كأستاذ في علم اللاهوت المسيحي، أكد أن «الجهل يكمن وراء عدم التسامح»، مبيناً أن «الحوار بين الأديان لن يكون ممكناً دون تسامح، وشرط التسامح معرفة الآخر كما هو». وشدد على أن «التسامح لا يعني قبول الآخر بل الاعتراف به كانسان مساو لك».
وأضاف: «لنكن صريحين يجب على المفكرين والمثقفين المسلمين أن يبذلوا جهداً والسعي إلى فهم اليهودية والمسيحية كما فعل ممثلو هذه الديانات إزاء الإسلام».وفي السياق نفسه، اعتبر الأب موريس بورمانس الأستاذ في المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما أن «كل الكتب الدينية تدعو المؤمنين إلى تجنب النفاق» والتغلب على اللغة المزدوجة.
وأضاف أن «الجهل يؤدي إلى الخوف والخوف يؤدي إلى الصراع»، مستشهداً في هذا السياق بمقال للمفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد أكد فيه أن «صراع الحضارات ليس في الواقع إلا صراع جهالات»، داعياً في الآن نفسه إلى «إعادة النظر أحياناً في النصوص الأساسية الدينية لأنها استخدمت في زمانها عبارات قد تفهم اليوم بشكل مغاير».
وفي كلمة أمام المؤتمر أمس أوضح الدكتور محمد خليفة حسن الأستاذ في كلية الآداب في جامعة القاهرة ان الحضارة الإسلامية تتصف ببعدها الإنساني العام اذ تهدف الى خدمة الإنسان وتحقيق الرفاهية له، وتيسير سبل الحياة الإنسانية في ظل الضوابط الدينية والأخلاقية.
مشيراً الى أنها لا تربط بعرق أو بعنصر أو بجامعة بشرية، فهي حضارة غير عنصرية في تكوينها، ومساهمات غير المسلمين فيها أساسية، كما ان عجزها الحضاري ليس موجهاً لمصلحة المسلم فقط، ولكنه موجه لخدمة البشرية ككل ولإسعاد الإنسان في كل زمان ومكان.
وأكد حسن ان الحضارة الإسلامي تحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات الإنسان الفعلية والمادية والوجدانية. من جانبه دعا الدكتور الأنبا يوحنا قلته الى احترام الإنسان في بحثه المتصل عن الحقيقة وعن معنى الحياة واحترامه في كل أبعاده وأعماقه، وقال إن بداية انهيار الحضارة حين يحتقر الإنسان أو حينما ينظر اليه كحزمة غرائز.
او على انه آلة إنتاج واستهلاك فحسب، وبداية تفكك الدين حيث يستعبد الإنسان وينظر اليه كأنه بلا قيمة شخصية أو حين يحتكر رجال الدين ضميره ويضعون أنفسهم أوصياء.
الدوحة ـ موفد «البيان» السيد الطنطاوي