ظهر الرابع عشر من فبراير الماضي. كان لبنان على موعد مع أكبر الجرائم السياسية التي شهدها خلال السنوات الثلاثين الماضية. إذ أدى انفجار قوي في محلة السان جورج في منطقة الفنادق على شاطئ العاصمة إلى مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وعدد من مرافقيه ومواطنين.
ودخل لبنان منذ ذلك التاريخ في موجة من الاحتجاجات السياسية التي أدت إلى خروج سوريا الكامل من لبنان وإلى تغييرات سياسية لا تزال جارية حتى الآن. وخاض أنصار الحريري ولا يزالون معركة مباشرة عنوانها كشف حقيقة ما حصل. والكشف عن هوية الجهة المسؤولة عن الجريمة تخطيطا وتنفيذا.
ورغم أن السياق السياسي للأحداث وضع الجريمة في خانة تصفية الحسابات بين سوريا وبين الحريري، واتهم سياسيون من قادة المعارضة، التي فازت بالانتخابات، دمشق بالتعاون مع أجهزة أمنية لبنانية بالوقوف وراء الجريمة. وجرى فورا سحب الثقة من عمل الأجهزة الأمنية اللبنانية والمطالبة بجعل التحقيق يتم تحت إشراف لجنة تحقيق دولية مستقلة.
وظل الأمر محور مناقشات حتى قرر مجلس الأمن الدولي إيفاد بعثة تقصي حقائق برئاسة ضابط شرطة ايرلندي كبير هو بيتر فيزجيرالد، الذي أقام في بيروت لأسابيع وأجرى فحصا للمكان بمساعدة خبراء تقنيين وفنيين دوليين وأجرى مقابلات سياسية مع عدد كبير من القيادات اللبنانية الرسمية والسياسية والأمنية.
ثم قدم تقريرا لاحقا إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ضمنه عرضا للمناخ السياسي الذي جرت الجريمة في ظله وأبرز اتهامات المعارضة بأن لسوريا دوراً في الأمر، وذلك قبل استئناف الاتصالات الدولية التي أسفرت عن صدور القرار 1595 والذي قضى بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة وكاملة الصلاحيات .
وكلف القاضي الألماني الشهير تيدليف ميليس بتولي إدارتها والذي قدم إلى بيروت قبل بضعة أسابيع وباشر عمله الرسمي وهو يجري تحقيقات ميدانية وتقنية وأمنية ومقابلات وعمليات تحقيق بحثا عن الحقيقة في الجريمة.ومنذ اليوم الأول للجريمة، وقبل وصول بعثة تقصي الحقائق أو لجنة التحقيق الدولية كان لبنان مسرحا لعمليات تقدير وتحقيقات غير نهائية جرى خلالها إقحام العنصر السياسي والتوترات السياسية في قلب التحقيق التقني، خصوصا بعدما تبنت جهة مجهولة تدعي «جماعة النصرة والشهادة في بلاد الشام» المسؤولية عن اغتيال الحريري.
وذلك عبر شريط فيديو ظهر فيه مواطن فلسطيني مقيم في بيروت يدعى أحمد أبو عدس يعلن تبني العملية. ومن يومها حصل نقاش وسجال لم يتوقف بشأن حقيقة أو فرضية وجود عمل انتحاري. فيما أصر قريبون من عائلة الحريري ومعارضون على أن العملية تمت من خلال عملية تفجير حضر لها بعناية واستخدمت فيها قنوات للصرف الصحي ولأعمال وزارة الاتصالات لأجل وضع عبوة تحت الأرض أدت إلى ما حصل.
ومع تراجع القوة المعنوية السياسية والعملانية للأجهزة الأمنية اللبنانية اثر الانتفاضة السياسية والشعبية التي شهدها لبنان بين 14 فبراير و14 مارس. حصلت خطوات سياسية تمثلت في استقالة حكومة عمر كرامي ثم استقالة قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، ثم الشروع في تغييرات مع تشكيل حكومة محايدة برئاسة نجيب ميقاتي وإسناد وزارتي الداخلية والعدلية إلى شخصيتين من تيار الحريري.
وأدى كل ذلك إلى مزيد من البلبلة في الأوساط الرسمية والأمنية حتى حيال حقيقة ما حصل، علما بأن النقاش الصعب كان قد تمحور حول فكرة أساسية هي: هل تم التفجير من خلال عبوة وضعت تحت الأرض أم من خلال عملية هجومية بواسطة سيارة ملغومة؟
* كيف قتل ومن قتله؟
منذ اليوم الأول لوصول الخبراء الدوليين كان البحث يتركز حتى بالتعاون مع الجهات اللبنانية في أمرين: كيف تمت الجريمة ومن ثم من نفذ الجريمة؟ وإذا كان لكل من السؤالين لوحة للإجابة فذلك يعني أن «البازل» الخاص بكل من الجانبين، يحتاج إلى الآخر. وهذا مرتبط بما يمكن تحصيله من معلومات. وهذا ما دفع إلى إرباك في اللحظات الأولى علما أن الأجهزة المعنية اللبنانية والغربية قامت بعملها كما يجب.
* يوم الحادث
بعد قليل على وقوع الانفجار كان من الطبيعي أن تتوجه القوى الأمنية والعسكرية إلى المنطقة وتقوم بالإجراءات العادية التي تداخلت فيها عمليات الإنقاذ وانتشال الضحايا مع عملية جمع المعلومات الأولية. وقد استغرق ذلك بعض الوقت نتيجة التداخل الكبير الذي ترافق مع بروز حالة الاحتجاجات السريعة والغاضبة في الشارع.
ومع ذلك فإن الآليات التقليدية المعتمدة في النظام الأمني والقضائي اللبناني جعلت أجهزة قوى الأمن الداخلي والشرطة القضائية والشرطة الجنائية وأجهزة الأمن التابعة لمخابرات الجيش اللبناني تنتقل دفعة واحدة إلى المنطقة حيث بدأ العمل على تكوين ملفات لما حصل وهو الأمر الذي استمر لبعض الوقت قبل انعقاد مجلس الدفاع الأعلى ومن ثم مجلس الوزراء حيث طلب إلى القضاء المختص المباشرة بالإشراف على التحقيقات وأسندت المهمة إلى القاضي رشيد مزهر الذي يفترض أنه بات صاحب القرار الأول والأخير في الملف.
في هذه الأثناء كانت عمليات جمع شهادات المواطنين وبعض الجرحى متأخرة. وما جرى تكوينه هو صورة انفجار كبير جدا أدى إلى أضرار كبيرة في الموكب المستهدف وفي المكان المجاور، حيث تم العمل على تطويق المسرح ضمن دائرة معينة قبل أن تقفل جميع الطرقات المؤدية إلى هناك.
وترافق ذلك مع انطلاق حملات احتجاج في الشارع وتوجه مئات المواطنين إلى المكان للتضامن الاحتجاجي. حتى أن ضباطاً كباراً في القوى الأمنية تحدثوا لاحقا عن صعوبة فعلية في التوجه إلى مواطنين أصيبوا لأخذ افادتهم بفعل الحملة المركزة ضدهم من جانب السياسيين وحتى من جانب الجمهور الذي قبل بالحكم المسبق الذي أصدره المعارضون.
وهو الأمر الذي ترافق مع بلبلة في الإدارة السياسية المشرفة على الملف. وقد ظهر ذلك جليا في الخطوة الأولى التي تحولت ملفا بحد ذاته والتي تقع تحت عنوان مسرح الجريمة.
* من طلب ردم الهوة وفتح الطريق؟
وعليه كان البحث قد انطلق حيال كيفية التصرف على الأرض. وما إن بدأت الأدلة الجنائية بعملها الميداني حتى كان خبراء من وحدات الهندسة في المخابرات العسكرية وفي قوى الأمن الداخلي يكشفون على المكان. وكانت التقديرات تقول بأن العبوة غير واضحة المعالم وغير محددة المصدر فيما كان هناك من يهتم بالبحث عن أدلة خاصة ربما تركها المجرمون أو سقطت منهم خلال أو قبل أو بعد العملية.
وهو الأمر الذي ظل محل التباس حتى الآن، حيث يتهم البعض البعض الآخر بأنه أخفى أدلة وخرب في مسرح الجريمة، وذلك انطلاقا من معلومة صحيحة تقول إن هناك من طلب التصرف.
كما تجري العادة بأن تتولى اجهزة الدولة والدفاع المدني فتح الطريق وإزالة الركام وردم الهوة الناجمة عن الانفجار.المعارضون ولا سيما وليد جنبلاط وآل الحريري وحتى السفير السابق والمقرب جدا من آل الحريري جوني عبدو، اتهموا قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان بأنه هو من أعطى الأمر بفتح الطريق، ليتبين لاحقا أن ما حصل هو أن المدير العام للطرق والمباني في وزارة الأشغال فادي النمار اتصل بقادة قوى الأمن الداخلي لأجل الطلب بإزالة العوائق أمام فرق فنية من وزارته لأجل القيام بهذه المهمة. ولكن الضابط المسؤول عن جمع الأدلة قال إنه يحتاج إلى وقت إضافي حتى ينتهي من عمله.
وسرعان ما تبين ان قضاة التحقيق قد طلبوا بالاتفاق مع وزارة الداخلية ومع عائلة الشهيد الاستعانة بخبراء من سويسرا للإشراف على التحقيق التقني، وهو ما أدى إلى حصول اتصالات بين وزيري الداخلية والعدلية سليمان فرنجية وعدنان عضوم ومع مراجع سياسية طلبت إلغاء الأمر بفتح الطريق وإقفال الملف.
وذلك بعد عقد اجتماع صباح الخامس عشر من فبراير في مكتب محافظ بيروت وتم الاتصال بقاضي التحقيق الذي يفترض به إعطاء الأمر، والذي حصره بنقل سيارات موكب الرئيس الحريري إلى مكان آخر آمن وهو ثكنة الحلو التابعة لقوى الأمن الداخلي.والذي حصل أن سيارة من نوع «بي إم دبليو» كانت قريبة جدا من سيارات موكب الحريري .
وقد تمت إزاحتها من مكانها ما أدى إلى تغيير موقعها وما سمح عمليا بنقلها إلى ثكنة الحلو. وذلك حسب رواية قوى الأمن الداخلي التي قالت إنه تم تصوير الموكب في مسرح الجريمة قبل نقله وأن هناك أمورا تقنية كثيرة أجريت وأن سيارة الـ «بي ام» تخص مواطنا عاديا جاء وسأل عنها في وقت لاحق.
ومع ذلك فإن هذا الأمر ظل لغزا لأن أحدا لم يكشف حقيقة إذا كان هناك من جهة معنية قد طلبت فتح الطريق بهدف إخفاء معالم الجريمة أم أن الأمر روتيني وعادي وترك للتحقيقات اللاحقة كشف الأمر.
* التحقيقات الأولية
ويبدو من المعلومات التي باتت قيد التداول مؤخراً أن التحقيقات الأولية قام بها خبراء من قوى الأمن الداخلي ومن مخابرات الجيش اللبناني. وأظهرت التقارير المعدة من الجهتين أن الانفجار ناتج عن عبوة كبيرة الحجم موضوعة في شاحنة صغيرة وأن التفجير تم يدويا ومباشرة وأنه يرجح وجود انتحاري داخل السيارة التي اصطدمت بالموكب.
وقد جرى إيراد بعض التفاصيل التي تقول بحجم العبوة ونوعها وخلاف ذلك. وكانت وحدة جمع الأدلة تعمل على أمرين: الأول مسح كل الأدلة البشرية (الأشلاء) والعينية (قطع من السيارة المفترضة وعينات من التراب ومن الأماكن التي تضررت بفعل الانفجار) واستمرت على ذلك لوقت طويل نسبيا .
وقد أعدت تقارير متفرقة تقول بأن الاتجاه المرجح هو حصول عمل انتحاري بواسطة سيارة ملغومة تحمل عبوة زنتها تتراوح بين 600 و850 كيلو غراماً من المواد شديدة الانفجار.في هذه الأثناء كان هناك من يعمل على فرضية أن يكون الانفجار تحت الأرض. وجرى التدقيق في المكان الذي كانت فيه أشغال تابعة لوزارة الاتصالات .
وفي نفق كان فندق السن جورج يريده في المنطقة وقد عطلت بلدية بيروت العمل فيه لفترة طويلة. كما جرى التدقيق في حفر وأنفاق موجودة في المكان لأجل التدقيق، خصوصا وأن هناك من أصر على أن هناك جهات أخذت وقتا طويلا في التحضير للعملية وأن التفجير تم من تحت الأرض.
لسبب ان المنطقة تساعد على التحضير بعناية ومن دون شبهات طالما ان هناك أعمال حفريات ثم لكون الإجراءات التقنية التي يتخذها الحريري والتي تجهز موكبه بأجهزة تشويش مضادة لعمل الأجهزة اللاسلكية كانت ستحول حكما دون حصول التفجير من خلال عبوات موجهة عن بعد.
وفي ظل هذا التضارب، طلبت عائلة الحريري من قيادة الجيش التدخل بطريقة مختلفة. كما طلبت العائلة من الأمين العام ل«حزب الله» حسن نصرالله تقديم مساعدة من خلال خبراء المتفجرات في المقاومة الإسلامية. وقد كلف قائد الجيش لاحقا قائد وحدة الهندسة في الجيش اللبناني القيام بالمهمة.
كما طلب نصرالله من «وحدة التخريب» في المقاومة إرسال خبراء إلى المنطقة والقيام بالكشف. وتبين في وقت لاحق ان تقرير خبراء حزب الله قد ثبتوا نظرية أن التفجير تم من فوق الأرض وبواسطة سيارة ملغومة وحددوا زنة العبوة بنحو طن من المتفجرات (ألف كيلوغرام).
فيما كانت المفاجأة في أن تقرير وحدة الهندسة في الجيش أشار إلى أن التفجير تم من تحت الأرض. ولما جرى استيضاح هذه الجهة عن الأمر وعن سبب وجود بقايا سيارة من نوع «ميتسوبيشي» في المكان، خرجت إلى العلن الإفادة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها لوقت طويل.
وفيها أن عناصر من قوى الأمن الداخلي عمدت إلى نقل ووضع قطع من هذه السيارة في مكان الجريمة وفي الحفرة وفي أمكنة أخرى. عند هذا الحد كانت أزمة التحقيق التقني تتفاعل. واستمر الأمر يتعقد خصوصا أنه ترافق مع تصاعد الحملة ضد الأجهزة الأمنية اللبنانية وأنها المسؤولة والمتورطة وأنها تعمد إلى إخفاء الأدلة.
كما جرى الحديث عن أنها تقف وراء شريط الفلسطيني أبو عدس وأن الأخير مفقود وربما يكون قد قتل وحتى أنه تم إشراك شقيقه الموجود في ألمانيا والذي قال أنه حتى ولو وجدت جثة شقيقه في مكان الجريمة فهذا يعني أنه خطف وأن هناك من دبر الأمر.
ثم عمد أصحاب هذا الرأي إلى الاستعانة بخبراء من مراكز لرصد الزلازل في لبنان والذي نسب إليهم تسجيل هزات أرضية ارتدادية في المنطقة بعد مرور وقت على الانفجار ما يعني برأيهم ان الانفجار تم من تحت الأرض وليس من فوقها.
* الخبير السويسري
في هذه الأثناء كان الخبير السويسري القادم من أوروبا قد بدأ عمله. وبعدما كانت وحدات من الدفاع المدني وغطاسون من القوى اللبنانية كشفت على المنطقة البحرية القريبة للبحث عن بقايا السيارة والأشلاء. وتم رسم خريطة مع صور من تحت الماء لمعرفة ما هو موجود. لكن الخبير السويسري قام بعملين:
- الأول جمع قسم كبير من حطام السيارة. من البحر ومن الأمكنة البعيدة نسبيا عن مكان الانفجار.
- الثاني البحث في الحفرة وهو طلب من قوى الأمن الداخلي تزويده بآليات حفر خاصة وتم شراء هذه الأجهزة على وجه السرعة رغم أن الحكومة اللبنانية لم تكن قد خصصت موازنة محددة لملف الجريمة. وبعد وقت قصير من عملية الحفر في عمق الحفرة حيث وقع الانفجار، تم استخراج بعض من قطع السيارة، فعمد الخبير السويسري إلى كتابة تقرير سلمه إلى رئيس بعثة تقصي الحقائق قيتزجيرالد ويضمنه تقديره بأن الانفجار ناجم عن عبوة كبيرة كانت موضوعة في سيارة «الميتسوبيشي» وأن الانفجار حصل حتما من فوق الأرض.
وبعد ذلك تم العمل على جمع قطع إضافية من حطام السيارة حيث تم انتشال قطعة من البحر دلت على أن السيارة ذات مقود إلى اليمين وتم تحديد نوعها بدقة وبدأ البحث عن مصدرها.
* 3500 سيارة
ومباشرة عمدت قوى الأمن الداخلي إلى فتح تحقيق مستقل اسمه «السيارة المفجرة». وقد أسند إلى فرقة خاصة البحث في سجل تسجيل كل السيارات المشابهة في لبنان وتم إحصاء 3500 سيارة من ذات الصنف في لبنان بينها 170 سيارة تعمل وفق النظام البريطاني أي أن المقود على اليمين.
وتم التدقيق مع كل أصحاب هذه السيارات وقد واجه المحققون صعوبة في جانب من هذه الخطوة بعدما سرت حملة متجددة تقول بأن محاولة التركيز على الشاحنة هدفه تضليل التحقيق والإيحاء بأن التفجير تم من فوق الأرض، ثم تولى معارضون وإعلاميون مقربون منهم الإشارة تكرارا إلى أن هناك من يعمل على إزالة آثار الجريمة.
لكن المفاجأة كانت في أنه لم يعثر على أي قيد يخص هذه السيارة ولم يجر البحث تفصيلا في أمرها لناحية أن تكون مهربة إلى لبنان من دول خارجية أو أنها سرقت من جهات دولية تعمل في لبنان دون علمها أو جرى إبدالها بسيارة موجودة لدى هذه الجهات الدولية (قوات الطوارئ العاملة في جنوب لبنان مثلا).
* الأشلاء
في غضون ذلك، كانت وحدة الطب الجنائي تعمل على الأدلة الأخرى. وبعد التدقيق طلب إلى رئيس مختبر الأدلة في الجامعة اليسوعية أن يعمل بالتعاون مع فريق يخصه من طلابه ومساعديه على جمع الأدلة البشرية. وقد تولى هذا الفريق وخلال أيام طويلة جمع كميات كبيرة من الأشلاء وبقايا أجساد متناثرة في المكان.
وقد وضعت خريطة مصورة لمكان انتشال كل هذه الأشلاء. وتبين لاحقا أن الأشلاء انتشرت على مسافة أكثر من كيلومترين.وبعد الانتهاء من عملية جمع الأشلاء. كان هناك ضرورة للبحث في بعض التفاصيل، خصوصا وأن الخبير أشار إلى أن قطعاً صغيرة لا يتعدى الواحدة منها 3 غرامات وأنها تعود بتقديره إلى من كان الأقرب إلى نقطة الانفجار، مما تطلب التدقيق وجمع فحوصات الـ «دي ان اي» الخاصة بكل من كان مصابا أو مقتولا.
واستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع قبل الحصول على عينات تخص الراحل رفيق الحريري ومرافقيه والقتلى الذين عثر عليهم في المنطقة إضافة إلى المفقودين السوريين وما أخذ من عائلة الفلسطيني أبو عدس.
وبعدما جرى فحص الأمر بدقة وتم فرز الأشلاء العائدة لهذه الجثة أو تلك، بقيت هناك 27 قطعة بينها نصف إبهام وضرس ونثرة من القفص الصدري تعود إلى شخص مجهول. وكلها من أشلاء الجثة التي قال الطبيب الشرعي والخبير المختص أنها تعود برأيه إلى من كان الأقرب إلى نقطة الانفجار.
ولما جرى السؤال عمن يقصد بذلك قيل أنها تعود على الأرجح إلى الانتحاري الذي كان موجودا في السيارة أي في قلب المتفجرات. بعد ذلك كان رئيس بعثة تقصي الحقائق فيتزجيرالد ينهي عمله وهو عقد اجتماعا مطولا مع قادة قوى الأمن وأبلغهم نتيجة تقارير الخبراء معه ولكنه أكد أنه غير معني بحسم أي نقطة ولكنه مكلف بإعداد تقرير سياسي.
وقبل خروجه صافح كبار الضباط وربت على كتف الضابط الميداني اللبناني وقال له: «تابعوا عملكم وما تفعلونه هو ما يجب القيام به من قبل أي جهة مسؤولة». وبعد مغادرته لبنان، انتقل البحث إلى مرحلة الاستعداد لوصول لجنة التحقيق الدولية.. لكن الأجهزة الأمنية اللبنانية ظلت تعمل بإشراف قاضي التحقيق العدلي الذي عينه مجلس الوزراء في وقت لاحق.
بيروت ـ كريم عبدالله

