الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 اقترح المفكر والسياسي العربي كلوفيس مقصود ضرورة ارسال وفد يضم ممثلين حكوميين وغير حكوميين من الدول العربية وعدداً من «حكماء العرب» إلى مجلس الأمن، للبحث والمطالبة باجراء تعديلات جوهرية على مشروع القرار الأميركي البريطاني بهدف حماية مستقبل العراق ومحاولة لردع التمادي في تكريس مفهوم الاحتلال والتحول إلى تهديد دول المنطقة. وقال ان المطلوب في هذه المرحلة استنفار حكماء الأمة للمجابهة مع الاحتلال الجديد عبر الصمود في المواقف والتأكيد على الثوابت وتفعيل دور الجامعة العربية لأنها الاطار الوحيد الذي يؤكد هوية الانتماء. وحذر مقصود من عدم التحرك والاسراع في اتخاذ موقف عربي لحماية مستقبل العراق حتى لا تتكرر مأساة فلسطين. وذكر د. مقصود اسماء مقترحة ممن يمكن تسميتهم بـ «حكماء العرب» مثل: أحمد خليفة السويدي (الامارات) وعبدالرحمن اليوسفي (المغرب)، وغيرهما من لبنان والعراق ومصر وسوريا وكافة الاقطار العربية الأخرى. وقال اننا لا نستطيع التعامل مع تداعيات ما يحدث في العراق مثلما تعاطينا ـ وما زلنا ـ مع المشروع الصهيوني في فلسطين، فالضمير العربي لم يتحمل اقتطاع فلسطين في نكبة 1948 ونكسة 1967 وبالتالي لن يتحمل اقتطاع العراق من الكيان القومي للأمة العربية متسائلاً هل نسلم بالواقع وننطلق من هذا التسليم باسم الواقعية المزورة نحو الاستسلام؟! مطالباً بمراجعة جذرية للأهداف والتصرفات وتدارس الواقع والاعتراف بالنواقص، وبالتالي اتخاذ خطوات واجراءات مبدئية للملمة هذا الواقع في المنظور القريب، وألا يتم الاعلان عن الاهداف قبل اتخاذ خطوات حقيقية، فكثيراً ما أعلن العرب عن الاهداف وكان الاعلان هو نهاية المطاف، سواء على مستوى الفكر أو السلوك، وحدث ذلك في قمة بيروت وشرم الشيخ الاخيرة، ويصبح الامر مجرد الاعلان عن الاهداف فقط، وبعد ذلك نسأل لماذا تتم استباحة العرب بشكل روتيني من الاعداء؟ وكان الدكتور كلوفيس مقصود مدير مركز دراسات عالم الجنوب في الجامعة العربية بواشنطن والسفير السابق للجامعة العربية لدى الأمم المتحدة قد بدأ بطرح عدة تساؤلات في ندوة اقيمت بنادي دبي للصحافة بعنوان «إلى أين بعد حرب العراق» قدمه فيها الكاتب الصحفي غسان طهبوب، منها ما العمل؟ وكيف نجابه التحديات المتلاحقة وما المطلوب للتحرك في هذه المرحلة؟ وفي اجاباته قال اننا نعيش مرحلة تمتزج فيها المشاعر والأفكار، وهذا التمازج يدفع إلى التفكير بصوت عال من أجل لملمة الحقائق المندثرة في أمتنا والتي تؤكد ان هناك حيوية لدى شعوب الامة، لكن دون اطار ومرجعية واضحة توجهها لذلك فنحن نعيش حالة من التبعثر فيما نقوله، ونكتبه أحياناً، نصطدم بالمآسي لأننا دائماً نفقد القدرة على الاستباق والتخطي قبل حصول تلك المآسي، كما اننا بررنا لحركات التحرير ان تعلّق الحريات لمواطنيها وتغاضينا عن كثير من التجاوزات التي ارتكبتها أنظمة عديدة في الأمة العربية بهدف توحيد الصف، وأدى ذلك إلى التضارب وتناقض الصفوف والمواقف. ويطالب المفكر والسياسي العربي بضرورة احداث نقد للذات في الدول العربية شرط ألا يتحول ذلك إلى هدم للذات لأن ما حدث في فلسطين ويحدث في العراق بمثابة عقوبة لأننا لم نلجأ في أية مرحلة من مراحل التاريخ العربي الحديث والمعاصر إلى المساءلة ونقد الذات ولم تلجأ الحكومات إلى الشفافية، والمجتمعات الأهلية إلى المجابهة فتراكمت النواقص وكانت المنفذ الذي تسلل منه المتربصون من أعداء الأمة، والانقضاض على حقوقها ومقدراتها. إذن كيف نجابه التحديات المتلاحقة وكيف نوقفها؟ يستطرد د. مقصود قائلاً: بين ما يحدث اليوم من انفراج نسبي بعد ازاحة حكم ديكتاتوري وما نتج عن ذلك من ارتياح نسبي أمام العيب الكبير الذي نشعر به لأن هذا لم يتم عبر عملية نهضوية وحدوية عربية. ويقترح د. كلوفيس أيضاً ان يبدأ العرب بما يسمى بمرحلة «صبر العارف» والبدء في عملية التدرج في المواقف والأهداف والتعامل مع التحديات.. من أجل الوصول إلى بعض الغايات التي نقلص من خلالها الكثير من أسباب المعاناة التي نعيشها بشرط ألا يتحول «صبر العارف» إلى الاستكانة والاستسلام. وهذه مرحلة عاجلة وفورية تمهيداً إلى الوصول إلى «التفكير الكبير» للمرحلة الاستراتيجية، فالآن أمامنا مشروع أميركي بريطاني في مجلس الأمن بشأن العراق لتغطية اللاشرعية للعدوان والحرب ويطالب المجلس «بشرعنة» الاحتلال للعراق. وعلى العرب أن يعلنوا التحدي الاعلامي والدبلوماسي والسياسي لهذا الاحتلال حتى لا نفاجأ بانسلاخ العراق من الكيان العربي وهناك مؤشرات لهذا الانسلاخ بادية في الظهور منها الردع التركي للأكراد والدفع الايراني لاضفاء المذهبية الدينية على الولاء الوطني والقومي في العراق في ظل حالة احتلال أميركي بريطاني وغياب عربي كامل عما يحدث في دولة مؤسسة للجامعة العربية وعنصر مكون للحضارة والثقافة العربيتين، فهل سنترك العراق ينسلخ عن محيطه العربي؟! ولماذا هذا العجز؟! ويؤكد د. مقصود ان المرحلة الحالية تتطلب التعريف والتأكيد على ثوابت الأمة والتمسك بها، وكيفية تكيفها مع المتغيرات دون استسلام لواقع أو خضوع لواقعية وعلينا تفعيل الجامعة والأمم المتحدة كسلاح لردع التمادي في الاحتلال والعدوان على طاقاتنا وقدراتنا. ويشير إلى ان المطلوب حالياً مقاومة تصحيحية تؤدي إلى تقليص الخسائر، ففي اللحظة الراهنة لا نتحدث عن المشاريع النهضوية للأمة، وإنما محاولة سد الفراغات، فاللحظة لم تعد تسمح للتكامل وإنما للتنسيق وتجاوز عيوب الماضي. على هامش الندوة ـ د. كلوفيس مقصود قال ان العرب بحاجة إلى «بطل» ولكن البطولة في الظروف الحالية لدور المؤسسات القادرة على نقد الذات والمساءلة والانجاز العلمي والثقافي. ـ عرّف د. مقصود المثقف بأنه الطليعي المشتبك والمندمج مع معاناة الجماهير، فليس هناك ما يسمى بطبقة المثقفين. ـ استنكر انفجارات الرياض والدار البيضاء مؤكداً ان الرد على الاذلال ليس بالانتقام والارهاب لأن هذا أسلوب عبثي وهناك فرق بين المقاومة والانتقام وإنما يحدث ذلك بسبب غباب السقف السياسي والمرجعية. ـ أكد د. مقصود على انه لا مفر من إحياء القومية العربية بصياغة جديدة مرتبطة بحقوق الانسان والمرأة في المشاركة في صناعة القرار والرأي ومرتبطة بمناهج قادرة على التحول الاجتماعي. في تعليقه على انسحاب ليبيا من الجامعة العربية قال د. كلوفيس اننا لا نستطيع ان نتعايش مع مزاجية القادة، ولكن مع برامجهم والعروبة ليست ثوباً نرتديه أو نخلعه، وإنما انتماء وهوية. كتب عادل السنهوري: