يتضمن السماح بانشاء محطات إذاعية ومصارف خاصة، واشنطن بوست: الأسد يستثمر التطورات الخارجية في تسريع برنامج الإصلاح الداخلي

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 كشف تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أمس ان الرئيس السوري الشاب بشار الأسد وجد في التطورات الخارجية في المنطقة وخصوصاً الحرب الأميركية ضد العراق فرصة لتسريع برنامجه الاصلاحي وتحجيم القوى المناهضة لعملية الاصلاح وتمتين الوضع الداخلي على أسس اكثر ديمقراطية. وأورد التقرير أمثلة على بدء عجلة الاصلاح في سوريا بدأت من تغيير لون الملابس المدرسية وتشريع اقامة اذاعات ومصارف خاصة وحتى تغييرات ديمقراطية داخل حزب البعث نفسه ودراسة امكانية اختيار رئيس للوزراء من خارج حزب البعث. فطوال أكثر من 20 عاماً ارتدى الأولاد والبنات ملابس مدرسية على الطراز العسكري بلون أخضر زيتي مع شرائط على الكتف تشير إلى صفوفهم التعليمية وقبعات تتطابق معها في اللون. ولهذا فإن أولياء الأمور فوجئوا بحسب الصحيفة الأميركية، بزوج من المقالات المقتضبة في الصحافة الحكومية قبل أسبوعين تفيد بأن هذه الملابس المطلوبة سيتم الغاؤها بدءًا من الخريف المقبل. وعوضاً عنها سيقوم تلاميذ المدارس الابتدائية بارتداء زي أزرق مشابه للملابس المدرسية التي يرتديها التلاميذ في بعض المدارس الأبرشية الأميركية، وبضمنها صديرية فوق قمصان زرقاء فاتحة للأولاد وبلوزة وردية للبنات. أما تلاميذ المدارس الثانوية فسيرتدون زياً رمادياً فوق قمصان زرقاء فاتحة وبلوزات وردية. وعلى الرغم من انه لم يتم تقديم تفسير علني للتغير إلا ان المقربين من القيادة السورية قالوا ان الخطوة هي جزء من جهد يهدف إلى الغاء تقليد طويل مع العسكرة في المجتمع وحلقة من سلسلة من الاصلاحات التي أخذت تحظى بزخم بعد الاطاحة الاميركية بالرئيس صدام حسين في العراق المجاور. وفي ظل وجود عشرات الألوف من الجنود الأميركيين متمركزين إلى الشرق وتحذير مسئولين أميركيين لسوريا من انها قد تكون الهدف التالي لغضب الولايات المتحدة، فإن السوريين اعترفوا بأنهم يشعرون بأنهم باتوا عرضة للخطر. إن هذه التطورات الاقليمية ليست إلا «زلزالا» بحسب خلف جراد، مدير عام صحيفة «تشرين» الحكومية، قد دفعت سوريا إلى تغيير سياساتها الخارجية بينما تعيد التفكير بقضاياها الداخلية. وقال نبيل جابي وهو محلل استراتيجي سياسي في دمشق مقتبساً مثلاً عربياً: «عندما يحلق جارك، عليك ان تبدأ بترطيب خدودك، وهو يعني ان عليك ان تدرس الوضع الجديد في الجوار». ولكن التغيرات في السياسة الداخلية بدأت تحظى بزخم أكبر. فخلال الأسبوعين الماضيين منحت الحكومة السورية تراخيص لأول ثلاثة بنوك خاصة وهو ما اعتبر خطوة ضرورية لتحديث الاقتصاد الخاضع لهيمنة الدولة، بينما وافقت على تأسيس جامعتين خاصتين جديدتين وأربع محطات اذاعية خاصة. ويدرس المسئولون حالياً امكانية الغاء التدريب العسكري من منهاج المدارس والجامعات والغاء وجود انضمام جميع الطلبة إلى المنظمات الشبابية المرتبطة بحزب البعث الحاكم في سوريا، وذلك بحسب مصادر دمشق. وقال سوريون مقربون من القيادة انه كانت النقاشات حول الاصلاح في حزب البعث جارية منذ ثلاثة أعوام على الاقل، فإنها اكتسبت أولوية اكبر منذ سقوط حكومة حزب البعث في العراق. وقالت بثينة شعبان المتحدثة باسم وزارة الخارجية السورية: «إذا كان الناس يشعرون بحاجة أكثر الحاحاً للقيام بذلك فإن ذلك سيكون أفضل، وأعتقد ان من الطبيعي التأثر بالاحداث الخارجية واستخدامها لمصلحتك الخاصة في اصلاح واقعك». ومن بين القضايا التي يجري بحثها حالياً بقوة أكبر من قبل البعثيين هي ما إذا كان منصب رئيس الوزراء يجب ان يكون محصوراً بأعضاء الحزب وقالت شعبان ان ما جرى في العراق عزز من موقف الرئيس السوري بشار الاسد لفتح المنصب أمام الافراد من خارج الحزب. وفي أعقاب تولي الأسد للسلطة قبل ثلاثة أعوام لدى وفاة والده حافظ الاسد وعد باجراء اصلاحات ادارية واقتصادية طموحة ومن بينها منح تراخيص بانشاء بنوك خاصة ولكن العديد من هذه التغييرات لقيت معارضة من مصالح متحصنة في مجلس الوزراء وقوات الأمن وحزب البعث، ولا يزال يتعين تنفيذها والوعد الاخير بالاصلاح قد يلقى المصير نفسه. قال رياض برازي وهو كاتب سياسي على علاقة وثيقة بالقيادة: «سيستغل الدكتور بشار هذه الفرصة الذهبية، فنحن نحتاج لمخرج من الضغط الاميركي، وسيستخدم هذه العصا في وجه الحرس القديم.. لابلاغ الحرس القديم بالرحيل، والتغيرات المفاجئة التي حدثت في العراق قد عجلت من هذه العملية». لقد ضايقت التصريحات القاسية التي صدرت الشهر الماضي على ألسنة الرئيس جورج بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزير الخارجية كولن باول والتي تحذر سوريا من ضرب الجهود العسكرية الاميركية في العراق ـ ضايقت الكثيرين في دمشق، وكان المسئولون السوريون قد توقعوا ان تستمر الحملة الاميركية في العراق وقتاً أطول وأن تحصد خسائر بشرية أكبر مما يترك الولايات المتحدة بلا رغبة لخوض مواجهات اضافية في المنطقة بحسب ما يقول محللون. وقال نبيل سكر وهو مستشار اقتصادي ومسئول سابق في البنك الدولي: «لا يمكننا تجاهل حقيقة ان الولايات المتحدة تقف على عتبة بابنا ليس كقوة استقرار وإنما كقوة تهديد». وحتى قبل الحرب الاميركية في العراق أظهرت سوريا تعاوناً غير مسبوق مع مسئولي الاستخبارات الأميركية في الحملة ضد القاعدة. فالاستجواب السوري لمحمد حيدر زمار، وهو شخصية أساسية في مؤامرة 11 سبتمبر 2001، قدّم للمحققين الاميركيين تفاصيل عن الهجوم وخطط لشن عمليات اضافية محتملة للقاعدة بحسب مصادر ألمانية وغربية. وبحسب مصدر في دمشق، فإن سوريا لعبت، علاوة على ذلك، دوراً حيوياً في الكشف عن مجموعة القاعدة في كندا التي كانت تخطط لمهاجمة مؤسسات حكومية رئيسية في كندا والولايات المتحدة، وقال المصدر ان المحققين الأميركيين علموا بالمؤامرة في أواخر عام 2001 فقط بعد ان اعتقل ضباط أمن سوريين أحد المشبوهين في القاعدة واستجوبوه لدى وصوله إلى سوريا، وكان قد استطاع المرور بين مطارين أوروبيين. وقال المصدر أيضاً ان معلومات سرية سورية ساعدت في احباط هجوم مخطط للقاعدة العام الماضي على القوات العسكرية الأميركية في منطقة الخليج العربي. وقال مسئولون غربيون ان الهدف كان القاعدة البحرية الأميركية في البحرين، والتي تضم الاسطول الخامس في البحرية الأميركية. ويتخوف مسئولون أميركيون أيضاً من ان يكون للحكومة السورية تأثير كبير على الشئون الداخلية في العراق، بما في ذلك تحركات القادة القبليين العراقيين في الشمال وجماعات المعارضة الكردية. وبحسب دبلوماسيين غربيين وعرب، فإن سوريا لديها علاقات أيضاً مع مشعان جبوري رئيس بلدية الموصل المنتخب حديثاً، الذي أمضى حوالي عقدين في دمشق.، حيث كان رجل أعمال بارز وكان يهيمن على الجانب الأكبر من التجارة بين البلدين. وصرح مسئولون غربيون ان سوريا لم تظهر حتى الآن أي مؤشر على انها تحاول تقويض الجهود الأميركية لبناء مؤسسات جديدة في العراق. ويقول سوريون مقربون من قيادة البلاد ان الحكومة حريصة على لعب دور بناء لكي تتمكن من استعادة علاقاتها الاقتصادية الحيوية مع العراق. وقال مسئولون وخبراء اقتصاد ان الحرب تكبد سوريا ملياري دولار سنوياً على الاقل، وذلك مرده جزئياً إلى قطع خط أنابيب نفطي يربط شمال العراق بالساحل السوري وبشرائها 150 ألف برميل من النفط يومياً بأسعار مخفضة جداً، كانت سوريا قادرة على جني ما بين مليار ومليار ونصف المليار دولار سنوياً من خلال زيادة صادراتها النفطية بالاسعار الدولية، كما خسرت سوريا حوالي مليار دولار في التجارة السنوية. ان الاصلاحيين داخل الحكومة السورية يستثمرون التطورات الخارجية، وهو تطور انعكس في عدد من العرائض الجديدة المطالبة بالتغيير الديمقراطي، ويستخدمون الضغط الأميركي كقوة للتغيير، بحسب مصادر عديدة قريبة من القيادة، غير ان هؤلاء السوريين أنفسهم يحذرون من ان المواجهة المباشرة بين واشنطن ودمشق قد تجمد هذا الجهد. و يقول سكر المستشار الاقتصادي ان «الأمر يعتمد حقاً على كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لسياستها ازاء سوريا خلال العام المقبل أو نحو ذلك، وعندما تهدد من قبل قوة خارجية، فإنك تميل إلى الانغلاق بدلاً من الانفتاح، والمواجهة تقوي قطعاً من قبضة المتشددين». ترجمة ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات