واشنطن وضعت أجندة ممتلئة لمرحلة ما بعد سقوط بغداد، باول يسلم العواصم العربية مذكرة «الواقع الجديد في الشرق الأوسط»

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 حمل كولن باول وزير الخارجية الأميركي خلال زيارته الى كل من سوريا ولبنان مذكرة تحمل عنوان: «الواقع الجديد في الشرق الأوسط» حيث سيقوم باول بإبلاغها الى عدد من الدول العربية الأخري التي سيزورها قريبًا ومنها مصر والأردن والسعودية». ولوحظ أن لهجة باول خلال زيارته الى كل من سوريا ولبنان كانت حادة وصريحة، الأمر الذي تم تفسيره بأنه يحمل تغيرًا كبيرًا في اللهجة الأميركية إزاء التعامل مع حكام المنطقة في مرحلة ما بعد سقوط النظام العراقي. «البيان» بالتزامن مع صحيفة «الاسبوع» المصرية تنفرد بنشر ملخص للمذكرة الأميركية التي بدأت واشنطن تعممها على أكثر من عاصمة عربية. تقول المذكرة: «إن هناك مصلحة حقيقية في ضرورة حدوث تعاون بين الدول العربية والولايات المتحدة في بناء شرق أوسط جديد يعتمد بالأساس على الأمن والتعاون والسلام والديمقراطية». وتقول المذكرة: «إن الولايات المتحدة لن تسمح ـ لاحظ تعبير لن تسمح ـ بأن تكون هناك أي تنظيمات إرهابية في أي دولة من دول المنطقة، وأن الحكومات إذا لم تقدم التعاون الكافي وتسيطر على مقدرات بلادها في التخلص من هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية، فإن الولايات المتحدة ستضطر آسفة الى التدخل القوي وبكافة الأساليب الممكنة للقضاء على هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية». واضافت المذكرة: «إن الولايات المتحدة ستفعل ذلك لاعتبارات أساسية منها توفير الأمن والاستقرار لشعوب الشرق الأوسط وكذلك شعوب العالم، بالإضافة الى الشعب الأميركي، لأن «الإرهاب» الشرق أوسطي هو الذي أدى الى مقتل آلاف الأميركيين في العمليات الإرهابية الآثمة على المدن الأميركية في 11 سبتمر 2001»! وأكدت المذكرة الأميركية: «إن حكومات المنطقة لديها مصلحة أساسية في التخلص من هذه التنظيمات ومحاربتها وان التعاون في الشرق الأوسط أصبح إحدى المسائل الجوهرية التي يجب أن تفكر دول المنطقة في تحقيقها، وأن ذلك يتطلب إزالة كل المسائل والعوامل التي تعوق هذا التعاون». وقالت المذكرة: «إن أحد أسباب عدم التعاون هو الموروث الثقافي للعداء الدائم في المنطقة بسبب الحروب، وان الولايات المتحدة تفكر في تطوير صيغ التعاون المعمول بها حاليًا لأنها صيغ أثبتت فشلها ومحدودية تأثيرها، وأنها في بعض الأحيان تكرس العداء مع دول أخري في المنطقة». وتشير المذكرة الى أن احدى الصيغ المهمة للتعاون في هذه المنطقة تقضي بعدم استبعاد الأطراف الأخرى من التعاون، كما أنه ليس من المقبول في المرحلة المقبلة لدينا أن يكون هذا التعاون محدودًا في المجال السياسي وقاصرًا على تبادل الزيارات السياسية، ولكن من المهم أن يمتد هذا التعاون الى المجالات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والتداخل الثقافي الذي يتيح تغيير نظرة كل شعب تجاه الآخر، وان التعاون هو الذي سيكرس المفاهيم الأمنية المهمة التي يجب أن تسود العلاقات بين الدول في هذه المنطقة». وأكدت المذكرة الأميركية أن «هذه الأسس العامة للتعاون سيتم بحثها تفصيليا مع حكومات دول المنطقة وأن هناك تخطيطًا لعقد مؤتمر عاجل في احدى دول المنطقة أو في الولايات المتحدة بين كبار المسئولين في دول المنطقة حول التعاون، بمفهومه الشامل». وقالت المذكرة: «إننا نعلق آمالاً مهمة على النتائج التي سيتم التوصل إليها، وأننا سنجري مشاورات واسعة وحكومات دول المنطقة من أجل الاتفاق على تاريخ قريب لعقد هذا المؤتمر الذي نفضل أن يشارك فيه قادة الدول أو رؤساء الحكومات». واضافت المذكرة: «إننا سنبحث عدة تواريخ ملائمة لذلك ولكن من المهم أن نحرز تقدمًا سياسيًا في البداية لضمان نجاح هذا المؤتمر، ولكن يجب ألا نخلط الأوراق ببعضها وألا نعلق تقدم بعض المسائل على إحراز تقدم في مسائل أخرى، لأن ذلك أدى بالفعل الى تأخير بدء التعاون في المنطقة، وازدياد حدة الاضطرابات والمشاكل السياسية المعلقة بسبب عدم وجود تعاون يدفع بالحكومات الى أن تتجاوز خلافاتها لتبقي على أطر التعاون القائمة». وأشارت المذكرة الى أن «المفهوم الجديد لتطوير رؤية الحكم في دول هذه المنطقة سيعتمد على إحداث تغلغل ديمقراطي في صلب هذه المؤسسات والمجتمعات الداخلية، لأن احدى النقاط المهمة في هذا المجال هي أن شعوب هذه المنطقة، يحتاجون الى ديمقراطية تبدأ من أسفل الى أعلى وليس العكس، لأن عكس ذلك يؤدي الى أن تكون الديمقراطية عبئًا على الشعوب أكثر منها أداة حقيقية لتحقيق أهدافهم وتطلعاتهم في هذه الحياة». وتقول المذكرة: «إن الديمقراطية وفقًا لهذا المفهوم الجديد ستكون لصالح الحكومات والاستقرار الدولي أيضًا». وتقول المذكرة الأميركية: «إننا لا نطلق دعوات مثالية خالية من الواقعية كما يتهمنا البعض في هذه المنطقة، خاصة هؤلاء الذين قالوا لنا: وأنتم ماذا ستستفيدون من أنظمة ديمقراطية تستجيب لتطلعات شعوبها؟ والإجابة: نعم سنستفيد بالطبع من ذلك لأن هناك تيارات سياسية تقوي وتنمو داخل الشعوب وتحجبها الحكومات عن أن تؤدي أي دور سياسي أو مجتمعي». وتضيف المذكرة: «إن تجربتنا اثبتت أن هذه التيارات تكون قوية الى الحد الذي يمكن أن تهدد به الحكومات نفسها، كما أنها تهدد المصلحة العالمية في الاستقرار والأمن لأن البيئة غير الديمقراطية تفرض ضغوطًا معيشية قوية على مواطني هذه الدول فيلجأون الى التعبير عن أنفسهم من خلال الانضمام الى جماعات التطرف والإرهاب». وتقول المذكرة الأميركية: «إن أحد المضامين الأساسية التي ينبغي تداركها في الواقع الجديد للشرق الأوسط هو ما يتعلق بالقضاء على الاختلافات فيما بين هذه الدول وبعضها في ضبط التسلح، خاصة ان التعاون الشامل سيقلص كثيرًا من مخاطر التحديات الأمنية القائمة حاليًا». وتوصي المذكرة: «بإعطاء إسرائيل الفرصة الكافية للتأكد من إزالة هذه المخاطر، في حين أن الدول العربية ليست في حاجة الى اثباتات كافية من إسرائيل، لأن لديها مساحة جغرافية واسعة ومميزات أمنية تفوق بكثير ما لدي إسرائيل». وتقول المذكرة: «نحن نعلم أن هناك تحديات جديدة ستظهر في المنطقة، ونحن سنرحب بالتعاون مع حكومات دول المنطقة في القضاء على هذه التحديات، إلا أننا مازلنا على رأينا من أنه أيا كانت هذه التحديات الجديدة فإنها ستكون أقل خطرًا بعد أن استرد الشعب العراقي «حريته المفقودة» في هذه المنطقة، خاصة أن النجاح الذي تحقق في العراق سيعطي الشعوب الجرأة الكافية الآن للوقوف في وجه القرارات غير العادلة أو التضييق غير المبرر لحرياتهم ومعتقداتهم وكل ذلك سيحتاج الى الكثير من المجهودات، ولكن ينبغي أن يتركز الجهد الحالي في تفكيك البنية التحتية للمنظمات الإرهابية وشل نشاطات هذه المنظمات والقضاء على فروعها لأن استقرار العالم سيبدأ من هذه المنطقة». وتقول المذكرة: «إننا لن ندع أي حكومة أو نظام يقدم دعمًا مباشرًا لهذه المنظمات الإرهابية، لأن هذه الأخطاء المتراكمة التي حدثت في الماضي هي التي أدت الى الامتداد السرطاني للإرهاب الذي طال الأراضي الأميركية». وتضيف المذكرة: «إن كل شيء يتطور في العالم حولنا وكل ظاهرة لابد أن تنمو وتكبر، وإذا أردنا أن نحد من تطور أي ظاهرة شريرة مثل الأعمال الإرهابية فلابد أن نبذل مجهودًا في تحجيم هذه الظاهرة وإلا فإننا سنواجه في السنوات المقبلة تطورًا خطيرًا لهذه الظاهرة مما يعني أن الإرهاب المتطور في السنوات المقبلة سيكون أشرس وأعنف من الإرهاب القائم حاليًا». وتشير المذكرة الى أن «الولايات المتحدة على استعداد لأن تفتح حوارًا مع بعض الحكومات القائمة في هذه المنطقة وستعتبر أن الحوار فرصة لبناء الثقة مع هذه الحكومات، ولكن بشرط أساسي وجوهري هو أن نقطة البداية لنجاح واستمرار هذا الحوار هي التأكيد على الحقائق القائمة على أرض الواقع والبعد عن لغة المغالطات والشعارات الجوفاء التي يثبت بعد ذلك أنها لا تحمل أفعالاً جدية». وتقول المذكرة: «إن احدى المشاكل الهامة التي تواجه هذه المنطقة هي غياب الخطوات العملية السريعة والمدروسة لتحقيق إنجازات السلام والتعاون والأمن وأن الولايات المتحدة ستهتم كثيرًا بهذا الجانب». واقترحت المذكرة الأميركية: «أن تكون حكومات المنطقة جادة في الإقدام على تغيير لغة الخطاب السياسي والمفردات الإعلامية التي لا تساعد على تحقيق الأهداف الجديدة في الشرق الأوسط». وأشارت المذكرة الى أن لغة الخطاب السياسي تحمل قدرًا كبيرًا من العداء المتوارث عبر السنين الطويلة بين الدول العربية وإسرائيل وانها في الأغلب تأتي تحريضية على القيام بأعمال إرهابية أو أعمال عنف غير مبررة. وقالت المذكرة: «إن هذه اللغة تجعل الخطاب الإعلامي أكثر تحريضًا وعنفًا في حين أن الأوضاع الجديدة تحتاج الى ابراز التفاهم في الخطاب السياسي والتجاوز عن الخلافات بشكل علني والعمل من خلال كافة القنوات الممكنة على حل هذه الخلافات». وتقول المذكرة: «إن الولايات المتحدة تعتقد أنه لن تكون هناك مشاكل أخرى بعد سقوط نظام صدام حسين في أن تقوم دولة أخري بالاعتداء على حدود وسيادة الدول الأخرى عسكريًا لأننا في الوقت المناسب وبمساعدة أصدقائنا الدوليين سنكون هناك لمنع تكرار ما ارتكبه النظام العراقي في حق الكويت، وأن كافة الأنظمة القائمة في المنطقة قد تكون لديها قناعة حقيقية بعدم تكرار الأعمال العسكرية التي تخترق أمن وحدود الجيران، ولكن مازالت هناك أشكال من التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى غير مقبولة وتحتاج الى حسم وإلا فإن هذا التدخل قد يؤدي الى مشاكل متعددة أبرزها إنشاء جماعات قوية داخل الدول الأخرى لتأييد هذا النظام أو ذاك، وهذا في ظل الوضع الجديد سيبعث على خلق تيارات عنف جديدة باعتبار أن تسليح هذه الجماعات القوية من قبل الآخرين هو السلاح الرئيسي للنفاذ للسيطرة على الشئون الداخلية». وتقول المذكرة: «إن الأسس الهامة لمواجهة هذه الظواهر السلبية لابد وأن تكون محل اتفاق تام في وجهات النظر وان الأنظمة التي تريد أن تفتح حوارًا في هذه المشاكل فإننا سنرحب بذلك الحوار ولكن لن نمتد في إدارة حوار لا يجدي إذا كانت أسس المواقف متباعدة والتفاهم غير مأمول». وتضيف المذكرة: «إننا سنساعد الآخرين في هذه المنطقة على أن نصل لنتائج سواء للحوار أو للمسائل الأخري التي لا يريدون بشأنها حوارًا، ولكن الآخرين عليهم دور رئيسي أيضًا في أن يساعدونا وأن يستجيبوا بشكل أو بآخر لنصائحنا التي تعبر عن عمق علاقات التفاعل والتعاون». وتقول المذكرة: «إننا من أكثر الأطراف الدولية إيمانًا بأن مصائر الشعوب تتحدد من خلال الشعوب ذاتها، لكن عوامل القوة العسكرية والبوليسية هي التي تمنع الشعوب في الكثير من الأحيان من التعبير عن رأيها، ولذلك نحن قررنا أن نساعد شعوب هذه المنطقة على أن يكون لها صوت مسموع في إدارة شئونها، وأن الاستجابة لنصائحنا من الآخرين لهي دليل عملي على أن الرغبة مشتركة في تدعيم التعاون وتجاوز العثرات في بناء عالم جديد في الشرق الأوسط». وأثارت المذكرة الأميركية مفهوم السلام حيث أكدت أن «السلام في هذه المنطقة له مفهوم شامل وممتد، وأن كل الأطراف في المنطقة عليها دور أساسي، إما في الحفاظ على هذا السلام الذي تحقق وإما تأييد الخطوات المصاحبة للسلام الذي لم يتحقق، وأن كل خطوة إيجابية حتي لو كانت على أحد المسارات فإنها لابد وأن تخدم المسارات الأخرى». وتقول المذكرة «اننا قررنا أن نعطي أولوية وأهمية كبرى للعلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وسنحاول مساعدة الفلسطينيين انفسهم على نبذ الارهاب والعنف لأن ذلك هو أحد المداخل الاساسية لقيام الدولة الفلسطينية الحرة والمستقلة عن دولة إسرائيل». وتضيف المذكرة «إن الفلسطينيين يجب أن يتخذوا قراراتهم بأنفسهم وأن يكونوا أحرارًا في داخل دولتهم، إلا أن ذلك يقترن بشكل أساسي بعدم الاعتداء على إسرائيل أو أن تكون هناك اضرار مادية أو معنوية للأمن القومي الإسرائيلي، لأن احدى خصائص الشرق الأوسط الجديد هي القيام على أساس فكرة التعاون وتآلف المصالح لا تضاربها». وتقول المذكرة «اننا إذا نجحنا في وضع بعض النقاط الأولية على مسار حل الخلافات والمشاكل الإسرائيلية ـ الفلسطينية فإن الفلسطينيين والإسرائيليين سيكون مطلوب منهم اثبات جديتهم في أنهم يريدون هذا السلام ويحافظون عليه، وأن مصالحهم المشتركة التي سيدعمون وجودها ستحتاج سياجا قوية لتحقيق الأمن لكلتا الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، واننا عندما نعمل بهذا المنطق وتلك الكيفية نعتقد أن ذلك سيخدم تحقيق السلام بين السوريين والإسرائيليين وبين اللبنانيين والإسرائيليين»! وتقول المذكرة «قد تكون عناصر الخلافات الفلسطينية ـ الإسرائيلية أكثر بعدًا وتعقيدًا، وأن حلها سيحتاج الى وقت وارادة قوية ورغبة من جميع الاطراف، ولذلك قررنا أن نرسي خطوات جادة في هذه المنطقة من أجل تبادل الثقة واكتساب العزم على السير في خطوات بناء عوامل اضافية لهذه الثقة بدلاً من العوامل التي تعمل على هدم هذه العناصر وتحجيمها». وتشير المذكرة الى أن العمليات «الارهابية» الفلسطينية تركت اثرًا عميقًا لدى الإسرائيليين مما دفعهم لاستعمال العنف ضد من قاموا بهذه العمليات مما اعتبرته الاطراف العربية تجاوزًا غير مقبول، فتمسك كل طرف بوجهة نظر مختلفة عن الأخرى في سبيل تحقيق السلام، ولكن خطة خريطة الطريق التي نعرضها حاليا ستمثل أحد المكاسب الهامة للاتفاق وعدم الاختلاف، وسيكون لدينا اصرار على نجاح مهمتنا في هذه المرحلة حتى لا تتحول هذه المشكلات المزمنة الى بؤر جديدة للتوتر وعدم الاتفاق، لأن هذا سيعطي انطباعًا لدى الشعوب بعدم الثقة في مستقبل هذه المنطقة. وتقول المذكرة «إن خطة الطريق لن تنجح بالإرادتين الإسرائيلية والفلسطينية فقط ولكن كل الأطراف الأخرى يجب أن تقدم المساعدة والعون لنجاح هذه الخطة، ونحن من جانبنا لانرى أي مبرر لأن يعترض أي طرف عربي على هذه الخطة لأنها موضوعة أساسًا من أجل السلام وحقن الدماء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولذلك نتصور أن من يعارض هذه الخطة أو يمنع تطبيقها أو يصر على أن يضع عراقيله أمامها فهو يشجع استمرار بؤر التوتر والإرهاب في هذه المنطقة». وتقول المذكرة إن علينا جميعا أن نقوم بمسئولياتنا في هذه المرحلة والمراحل المقبلة، فلم يعد كافيا ابداء النيات الطيبة أو إظهار اللغة الحماسية الخرقاء التي لاتقدم جديدًا في سبيل حل مشكلات المنطقة، وإنما أصبح المطلوب الرئيسي هو القيام بأفعال جدية تعين هذا السلام على أن يكتمل، ولذلك فإن احدى الأولويات الأساسية المطلوبة من كل دول المنطقة هي أن تلتف حول خارطة الطريق،ونحن من جانبنا نشجع أيضا خطوات الاصلاح السياسي الأخيرة للفلسطينيين بهدف انهاء الارهاب وحصر الأشخاص والمنظمات المؤيدة للعمليات الإرهابية. وتضيف المذكرة إن المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط تتطلب أن توافق اطراف الشرق الأوسط على أن تساعدها الأطراف الدولية خاصة الولايات المتحدة في الوصول الى مرحلة سياسية واقتصادية جديدة تتواكب مع طبيعة ومعطيات المرحلة العالمية، وإنه حتى يتحقق ذلك فإن هناك متطلبات أساسية لابد من الوفاء بها وهي: أولاً: مدى قدرة الانظمة الحاكمة على أن تدخل الى هذه المرحلة الجديدة بأفكار جديدة تختلف عن تلك الأفكار التي سيطرت على المنطقة طوال العقود الماضية، بما يؤكد على تطبيقات الديمقراطية ومعانيها الممتدة وكذلك كيفية التعاون مع كل الأطراف المحيطة، بما في ذلك «اسرائيل»! ثانيًا: أن تكون هناك رغبة حقيقية لدى الأنظمة الحاكمة في أن تطبق هذه الأفكار بأساليب وآليات تتفق مع الاسراع في تنفيذها دون ابطاء، وهذه الرغبة لن تتوفر إلا إذا كانت هناك نيات صادقة للتعاون. ثالثا: وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل التي تعد المهدد الرئيسي للأمن والاستقرار والتعاون، وعندما يحين الوقت المناسب بعد أن يكون السلام قد قطع اشواطا كبيرة فإن أميركا ستطرح رؤية جديدة في هذا الصدد. رابعًا: التزام جميع الأطراف بالتأييد والعون للمجهودات الأميركية الساعية الى تحقيق السلام سواء كان ذلك يخص مسارًا واحدًا أو مسارات متعددة. خامسًا: اطلاق مبادرات سياسية جريئة في مكافحة الارهاب وحصر بؤر توتره. هذا عن المذكرة العامة التي بدأت الخارجية الأميركية في ابلاغها لعدد من العواصم العربية، وعلاوة على ذلك فإن كولن باول حمل مذكرات خاصة الى كل من دمشق وبيروت وسيحمل ايضا مذكرات وافكارا تخص البلدان العربية التي سيزورها قريبًا. وفيما يتعلق بالملف السوري فقد أكدت المذكرة التي سلمها باول للحكومة السورية، أن بلاده تولي اهتماما كبيرًا بسوريا وانها تنظر إليها باعتبارها دولة محورية وأن دورها سيتزايد أهمية مع المرحلة المقبلة، ولكن سوريا عليها التزامات كبيرة وأن هذه الالتزامات ضرورية وعاجلة ولايجب البطء في تنفيذها. وقالت المذكرة «لقد اخبرنا سوريا مرارًا بمعطيات السياسة السورية التي تشكل عائقا امام الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، إلا أن السوريين لم يقدموا أية أدلة فعلية على تغيير سياساتهم، ولكن في إطار المرحلة الجديدة فإن سوريا عليها أن تثبت وفاءها للسياسات المستقرة». وقالت المذكرة «إننا نتفهم مطالب السوريين في هضبة الجولان ولكن السوريين لم يقدموا لنا البدائل اللازمة لمساعدتهم على الحديث مع الإسرائيليين في هذه القضية، وإن كنا لن نتجاهل الملف السوري ـ الإسرائيلي أو نسقطه من حساباتنا ولكن سنكون جادين في فتحه وطرقه بقوة ولن نسمح لأي طرف أن يتخاذل هذه المرة عن التزاماته». وترى المذكرة «ان أحد الالتزامات الأساسية هو أن تبدأ سوريا في وقف نشاط كل المنظمات الراديكالية الفلسطينية الرافضة لاستمرار عملية السلام، فهذه المنظمات لا وجود لها في الشرق الأوسط الجديد». وتقول المذكرة «إذا اصر السوريون على عدم اتخاذ الخطوات اللازمة تجاه هذه المنظمات فإن لدينا وسائلنا أيضا لوقف نشاط هذه المنظمات». وتضيف المذكرة «إن تلك الصيغة لا تعتبر تهديدًا للسوريين وإن لدينا رغبة اكيدة في وقف النشاط الارهابي في المنطقة وفي أي دولة كانت لأن ذلك سيحمي الشعب السوري من أن تكون أراضيه موطنا للارهاب». وقالت المذكرة «إذا كانت سوريا لا تريد أن تتعاون مع الحكومة الفلسطينية الجديدة فهذا شأنها، ولكن ما لا نقبله هو أن تقوم بنشاط داعم ضد مجهوداتنا في مسيرة السلام الفلسطينية الإسرائيلية». وأضافت المذكرة إن اقتراحاتنا للسوريين محددة في أنه لن يكتفي بإصدار قرارات رئاسية بإغلاق مكاتب هذه المنظمات في دمشق وإنما يمتد ذلك الى طرد هذه العناصر الى خارج الأرض السورية وأن تتعاون سوريا معلوماتيا في الخطط والوثائق الموجودة لدى هذه المنظمات وأن تساند الولايات المتحدة في محاكمة بعض الأشخاص الذين قاموا بعمليات ارهابية أو اولئك الذين لهم صلة مباشرة ببعض الاحداث الارهابية الدولية، وعلي السوريين أيضا أن يقدموا المعلومات اللازمة عن الارتباطات التي كانت قائمة والتي مازال بعضها مستمرا بين هذه المنظمات وغيرها من المنظمات الإرهابية الدولية خاصة تنظيم القاعدة وكذلك الكشف عن مصادر تمويل هذه المنظمات والعلاقات العضوية بينها وبين التنظيمات الأخرى في داخل الأراضي الفلسطينية، لأن القضاء على اسس هذه العلاقة العضوية سيعيد تصحيح مسار السلام وسيكون مفيدًا للاسرائيليين أن تكون لديهم الثقة في عدم تكرار العمليات «الإرهابية» على «اراضيهم». وكان باول قد ابلغ المسئولين السوريين «بأن سوريا نظام دولة ولا يصح لنظام دولة أن يرتبط بمثل هذه التنظيمات (الإرهابية)، لأن سوريا الآن هي بجانب نظام عراقي جديد ونحن نعلم أن هذا النظام لن تستقر أركانه إلا إذا جففنا منابع الإرهاب من حوله، وإلا فإننا سننتظر أن تقدم تلك التنظيمات (الارهابية) الموجودة على الأراضي السورية مساعدات (ارهابية) سخية لأولئك الذين لا يريدون الاستقرار في العراق، وأن هذا بلا شك سيؤدي الى سوء فهم أميركي ـ سوري قد تكون له تداعيات ونتائج يمكن من الآن احتواؤها». وأشارت مذكرة أميركية قدمت الى سوريا وإلي لبنان أيضا الى ضرورة انهاء كافة نشاطات حزب الله داخل لبنان وحل كافة ميليشياته العسكرية وضرورة أن تتوقف سوريا عن تقديم أي نوع من الدعم لهذا الحزب في أي صورة كانت، مع استعداد واشنطن لتقديم كافة انواع المساعدات العسكرية والسياسية اللازمة لانهاء نشاطات حزب الله في الأراضي اللبنانية. وحذرت المذكرة من أن حزب الله يعد من التنظيمات «الارهابية» الخطيرة جدًا وله نشاطه المؤثر وانه المسئول بصفة اساسية عن عرقلة النشاط المحموم في عملية السلام وأن الولايات المتحدة لن تسمح اطلاقًا بأية نشاطات تعرقل جهود السلام. وطلبت المذكرة الأميركية من كل من سوريا ولبنان عدم استقبال أي مسئول عراقي سابق وأن يتم تسليم أي مسئول حتى ولو لم يكن واردًا على القائمة الأميركية المطلوبة للتحقيق معه. من جانب آخر حذرت المذكرة سوريا من استمرارها في عمليات التسليح التي تهدد أمن إسرائيل، خاصة الصواريخ متوسطة المدي، حيث اشارت المذكرة الى أن منظومة الصواريخ السورية المتطورة ستؤدي الى مشاكل عملية ليس لإسرائيل فحسب ولكن للقوات الأميركية المتواجدة في العراق. وقدم كولن باول قائمة جديدة بأنواع الأسلحة التي يجب على سوريا أن تتخلص منها خلال الشهور القليلة المقبلة. وعلي الرغم من أن سوريا تنفي اكثر من 18 بندًا من أصل 20 بندًا وردت في القائمة الأميركية بشأن محظورات الأسلحة إلا أن دمشق في ردودها الرسمية نوهت بأنه لايمكن الادعاء بأن الأسلحة السورية تشكل خطرًا على أمن العراق، لأن سوريا كانت لديها علاقات توتر مع النظام العراقي السابق ومع ذلك لم تفكر في أي وقت باستخدام أسلحتها ضد العراق. ولم تقتنع واشنطن بالمنطق السوري خاصة وأنها تعتبر أن أحد الدواعي الجديدة للشرق الأوسط الجديد هو خفض مستويات التسليح في الدول العربية تحديدًا الى أقل درجة ممكنة، وهذا ما عبرت عنه احدي المذكرات الأميركية التي تم اعدادها في ضوء معطيات الشرق الأوسط الجديد حيث تقول «إن تطور أنظمة التسلح في هذه المنطقة وسعي بعض الدول العربية لحيازة أنواع مختلفة من أسلحة الدمار الشامل بالإضافة الى التشكك العربي الدائم في القدرات العسكرية الإسرائيلية خاصة ما يتعلق بالدمار الشامل، فإن ذلك يمثل أحد المخاطر الأساسية للشرق الأوسط الجديد، وأنه من المفيد أن يتم تخفيض مستويات التسليح لدى دول هذه المنطقة من جانب، وكذلك مراقبة أنواع التسليح الجديدة والبدء في ترتيب الأوضاع العسكرية في المنطقة بما يسمح بخفض اعداد القوات العسكرية». وتتوقع المصادر أن يكون هذا الملف من الملفات الساخنة اثناء القمة التي ستدعو إليها واشنطن مع قادة وكبار مسئولي دول المنطقة، وأن الخارجية الأميركية تعد حاليا سلسلة من البدائل لاقناع الدول العربية بخفض مستويات التسليح، وخفض اعداد القوات المسلحة ومن ضمن هذه البدائل المقترحة أن واشنطن على استعداد لأن تؤجل بحث بعض القضايا الأخرى المهمة في أجندة العلاقات العربية ـ الأميركية في مقابل انهاء هذا الملف. والبديل الثاني يتعلق بالجانب الاقتصادي ومنها الاسراع في عقد اتفاقيات تجارة حرة وتقديم مساعدات اقتصادية جديدة. كل هذه وغيرها قضايا مطروحة على اجندة واشنطن فيما يتعلق بعلاقاتها مع العرب خلال الفترة المقبلة وهي أچندة لا تهدف الى اقامة حوار موضوعي بناء لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة وإنما هي شروط اذعان يجري املاؤها على كافة الدول العربية بلا استثناء. بقي القول إن علينا أن نتذكر جيدًا ما قاله كولن باول قبل العدوان «إن اسقاط نظام صدام حسين في العراق سيساعد في تغيير خريطة الشرق الأوسط بما يعزز مصالح الولايات المتحدة». إذن فقد بدأت واشنطن تنفيذ بنود الأجندة الواحد تلو الآخر بعد مرحلة اسقاط نظام الحكم في العراق، وهكذا فالكل سيتجرع كؤوس المرارة والمذلة، والسكين ستطال كل الرقاب بلا استثناء، ولعنة العراق ستطاردنا جميعا ولن يكون امامنا إلا أحد خيارين: إما الرفض والمقاومة أو دفع الثمن وتسديد الفاتورة كاملة. تقرير يكتبه: مصطفى بكري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات