أمين بناني الوزير السوداني المنشق عن حزب البشير لـ «البيان»: التمرد في دارفور دليل على فشل مشروع «الإنقاذ» الإسلامي

الجمعة 8 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 9 مايو 2003 شهدت ولايات دارفور «غرب السودان» مؤخراً بروز معارضة مسلحة تستهدف مواجهة الدولة ويطالب المتمردون بإنصاف دارفور من التهميش والمظالم الواقعة عليها وتعيش المنطقة حالياً اختلالات امنية كبيرة.. ولاستجلاء الصورة كاملة عما يدور في دارفور من أحداث كان حوارنا مع أمين بناني أحد قيادات دارفور وزير الدولة السابق بوزارة العدل والذي انشق عن الحزب الحاكم وكون العام الماضي ـحزب العدالة ـ الذي يتقلد فيه منصب نائب الرئيس.. والرجل من الملمين الماماً واسعاً بما يدور في دارفور كما أنه بحكم منفستو حزبه يهدف للعدالة الاجتماعية ومناصرة المناطق المهمشة في السودان ما ادى الى تركيز محاور الحوار على رؤيته لقضايا المناطق الثلاث المتنازع عليها بين الحكومة والحركة الشعبية في مفاوضات كارن بكينيا..وتجدر الاشارة الى ان هذا الحوار اجري قبل تفاقم الاحداث التي وصلت ذروتها باقتحام مناهض الحكومة مدينة الفاشر حاضرة شمال دارفور. ـ تفاقمت الأحداث في دارفور مؤخراً بصورة غير ملحوظة وبرزت معارضة مسلحة وعلى أثر ذلك عقدت الحكومة مؤتمراً تشاورياً لأبناء دارفور لتدارك الموقف فما تقييمكم لخلفيات هذه الأحداث ومدى إمكانية نجاح المؤتمر التشاوري في نزع فتيل الأزمة؟ ـ مشاكل دارفور تم تشخيصها منذ سنوات في مؤتمرات سابقة ومن أبرزها مؤتمر الأمن الشامل والتعايش السلمي عام 1997م. وطبيعة المشكلات بعضها يعود لأسباب تتعلق بالتنمية وغياب الخدمات وجزء منها يتعلق باحتراب قبلي ناتج لطبيعة النزاعات القبلية حول بعض القضايا والتي في معظمها قضايا صغيرة وليست ذات أهمية. وبعض المشاكل في دارفور تتصل بالصراع حول السلطة خاصة أن عملية التحديث السياسي التي بدأت منذ عهد الرئيس السابق جعفر نميري وتقريب السلطة لمستوى المحلية والولاية للمركز القومي واتخاذ معايير التمثيل القبلي أساساً للاختيار صعد التنافس السياسي بين القبائل الى جانب آثار الحروب الحدودية الحرب التشادية ـ الحرب الليبية والحرب في إفريقيا الوسطى وهذه كلها دول مجاورة لدارفور وهناك تداخل قبلي ونتج عن هذه الحروب تدفق السلاح لدارفور وتبعه تعقيدات التداخل القبلي بين هذه الدول وقبائل دارفور مما خلف جّواً من الاضطراب في المنطقة ورغم كل هذه الأسباب يظل غياب التنمية وتدهور الخدمات والإحباط والفراغ السياسي وبعض ممارسات أجهزة الدولة الأسباب الرئيسية لأحداث دارفور ومحنتها وقد أدى تجاهل الحكومة لتوصيات تلك المؤتمرات واستخفافها بالمعلومات التي تصلها من وقت لآخر الى تفاقم الأزمة، والعيب الأساسي في اطروحات الحكومة أن مدخلها أمني رغم أن مشاكل دارفور هي مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤتمر الفاشر الأخير لم يخرج بأي قرارات جديدة وكل الذي كان مطلوباً من هذا المؤتمر هو حشد أبناء القبائل التي تتهمها الحكومة بالتمرد على سلطانها وبالتحديد وجهت الحكومة اتهاماً صريحاً لقبائل الزغاوة والفور وقد أرادت ان تسمعهم هذا الاتهام من خلال المؤتمر وتحملهم المسئولية في أن يلعبوا دوراً في وقف العدائيات بدارفور ومن جهة ثانية حشدت الحكومة مؤيديها من أبناء دارفور في هذا المؤتمر حتى تستطيع ان تستصدر بهم قراراً لشن الحرب على من تسميهم بالخارجين عن القانون، والمؤتمر فّوت على الحكومة فرصة الخيار العسكري وركز على القضايا الأساسية ورغم ذلك بدأت الحكومة خطوات عسكرية ولم تنتظر نتائج الجهود السلمية التي أوصى بها المؤتمر والحكومة تعجلت الحل العسكري والمجتمع كله يتعاطف مع أي شخص يحمل السلاح من أجل قضيته ولو لم يظهر هذا الرضاء فخيار الحرب سيجد سنداً شعبياً كبيراً إذا لم تتعامل معه الحكومة بحكمة وإذا لم تستجب الحكومة للمطالب السياسية والاقتصادية والخدمية فإن إخفاق الحكومة في هذه المجالات سيوفر قاعدة شعبية عريضة للتمرد والذي ان بدأ بوجه قبلي ربما يأخذ بعده الكلي من خلال تعاطف كل أهل دارفور مع هذا الاتجاه وهذا ما نخشاه. ـ يرى بعض المراقبين أن التعامل عسكرياً مع تمرد دارفور يمكن أن يوسع المشكلة مستدلين في ذلك بأن تغليب الخيار العسكري في أزمة الجنوب أبان عهد الرئيس عبود أدى الى تصاعد المشكلة لحرب أهلية فما تعليقكم حول هذه الملاحظات؟ ـ الحرب الأهلية بدأت في دارفور منذ سنوات ولكن تجاهل الحكومة واستهوانها بالأمور أدى لتفاقم الوضع ولكن الجديد أن هناك حرباً ضد الحكومة و لاول مرة تنتبه الحكومة الى ان الموضوع ليس نهباً مسلحاً أو شجاراً قبلياً بل هو عمل ضد الدولة وقضية دارفور أصبحت قضية قومية بكل أبعادها ويجب أن يشارك في حلها كل الشعب السوداني عبر منظماته وأحزابه حتى لا تصبح دارفور منطقة عمليات عسكرية وساحة جديدة للثورة ضد المركز وما ذكر عن معالجات حكومة الرئيس السابق عبود مع التمرد في الجنوب تكرر في كردفان عندما كان الفاتح بشارة حاكماً لكردفان قام بمعالجة التمرد بجبال النوبة بعمل عسكري اكثر من السياسي وهذا الخطأ ترتكبه حكومة الإنقاذ حالياً عن طريق التعامل مع أحداث دافور بواسطة فرض هيبة الدولة عسكرياً ومفترض أن تفرض هيبة الدولة عن طريق نشدان العدل وبالمعالجات السياسية الحكيمة والاستجابة الحقيقية لمطالب الناس. ـ برأت الحكومة عدداً من الأحزاب السياسية من تدبير تمرد دارفور ومن ضمن هذه الأحزاب حزبكم، فما تعليقكم على هذه الخطوة من جانب الحكومة؟ ـ ما ذكره المسئول الأمني - نائب مدير جهاز الأمن الوطني - بان الأحزاب لم تكن وراء التمرد في دارفور صحيح لانه ليس هناك حزب سياسي مسئول يمكن أن يحرض المواطنين في دارفور على حمل السلاح فدارفور لها حضارة ضاربة في القدم وتمثل ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الوطنية كما أن المنطقة غنية بمواردها الطبيعية ولابناء دارفور وجود قوى في الشمال خلافاً لابناء الأقاليم المتبقية فأبناء دارفور برعوا في التجارة ولهم رؤوس اموال طائلة في الخرطوم ويمتلكون عقارات وبالتالي لا مصلحة لهم في تقليد الأقاليم بالتمرد على الدولة والمطلوب من أبناء دارفور بالعاصمة التجاوب مع أهلهم المظلومين ولكن ينبغي أن يكون تجاوباً سياسياً وفعلياً، أبناء دارفور هم قادة حزب الأمة المعارض والحزب الحاكم وحزب العدالة وهم منحازون للنهج السياسي في حل مشاكلهم وبالتالي لا يمكن أن توجه لهذه الأحزاب تهمة أنها وراء الأحداث في دارفور. ـ يتهم البعض الحكومة الحالية والسابقة بتأجيج الصراع في دارفور عن طريق دعم القبائل العربية في صراعها ضد القبائل الزنجية، فالى أي مدى يمكن أن تكون هذه المعلومات صحيحة؟. ـ قد لا يكون هذا الاتهام صحيحاً على إطلاقه لان الصراعات القبلية لها اجندتها المحلية ولكن الحكومة ربما تستفيد من التوازنات القبلية في استتباب الأمن وهنالك اتهامات كثيرة في هذا الجانب ونحن دائماً ما نحذر الحكومة من استخدام قبلية ضد أخرى ودائماً نحثها على تقوية الأجهزة الشرطية والأمنية لتؤدي دورها في حسم الانفلاتات الأمنية وحقاً لم يثبت حتى الآن أن الحكومة تتعمد استخدام منظم للقبائل العربية وليس هناك ما يثبت أنها سلّمتهم أسلحة وكل شئ وارد في إطار ظروف تحكمها الحرب اكثر من ما يحكمها السلام. ـ يقود أحد كوادر الإسلاميين والوزير السابق في حكومة دارفور د. خليل إبراهيم التمرد المسلح الحالي والبعض يرى أن هذا يؤشر لفشل المشروع الإسلامي الذي ترفع لواءه حكومة البشير في حل مشكلة دارفور؟ ـ أي تمرد مسلح في دارفور قاده الإسلاميون، أول من قاد تمردا مسلحا في دارفور هو داؤود يحيى بولاد رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم 1975م ورئيس الجبهة الإسلامية القومية دارفور والتمرد الحالي يقوده د. خليل إبراهيم وهو بدوره إسلامي ولا شك أن هذا مؤشر لفشل المشروع الإسلامي الذي كان ينبغي أن يوفر السلام والأمن والاستقرار لمجتمع كله إسلامي في دارفور ،ان يتخذ الإسلاميون من دارفور ساحة لتصفية خصوماتهم السياسية وهذا عيب كبير يجب أن لا يغفره لهم الشعب السوداني ومن واجب الإسلاميين ان يعملوا عملاً سياسياً منظماً لصالح مجتمعاتهم ولكن يجب الا يورطوا هذه المجتمعات في صراعات الآخرين. وأنا من أبناء دارفور واحد قيادات حركة الإسلام في البلاد المعارض لنهج الحكومة في إدارة البلاد وإخفاقها في محاربة الفساد ولكني أعارض برؤية قومية واتبنى قضايا دارفور برؤية قومية وارى أن هذه الازمة يجب أن تعالج بارادة قومية وهذا شكل من أشكال التمرد السياسي ويشاركني في ذلك آخرون لا علاقة لهم بحركة الإسلام. وأن تشهد دارفور في عهد حكومة الانقاذ حركتي تمرد مسلح في دارفور يقودها اسلاميون هذا يستدعى مراجعة أداء الحركة الإسلامية في السودان فكرها وضوابطها حتى لا يتكرر هذا الأمر في المستقبل. ـ من الملاحظ ان عدداً من أبناء دارفور ظلوا يتبوأون مناصب قيادية نافذة في حكومة الإنقاذ والحزب الحاكم كما أن الحركة الإسلامية لها قواعد عريضة من ابناء دارفور ورغم ذلك لم يتم الاهتمام بمشاكل دارفور وتنميتها، فما ردك على هذا الاتهام وأنت شخصياً تدخل في نطاقه؟ ـ أنا برئ من هذا الاتهام لان سيرتي السياسية ومواقفي واضحة ولا يمكن لأحد أن يتهمني بأني سكتُ عن باطل او عن مطلب لأهل دارفور أو السودان عندما كنت رئيساً لجنة الحسبة في البرلمان أو وزير دولة في وزارة العدل ولأي قيادي من أبناء دارفور تجربته الخاصة في السلطة وكلٌ يعمل على شاكلته ولكن كلنا مسئولون عن أخطاء النظام ما دام نحن مشاركون فيه ونحن لا نريد ان نتنصل عن التزامنا بالنظام والحركة الإسلامية في السنوات الماضية ولا نريد ان نتنصل عن الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت في حق الشعب في السنوات التي مضت وبنفس القدر نحن فخورين جداً بإنجازات ساهمنا فيها. ـ هذا يقودنا لتقويمك لمستقبل الحركة الإسلامية في السودان على ضوء تجربتك داخلها لسنوات طويلة قبل انسلاخك عنها؟ ـ على أي حال أنا أدعو لاعادة تعريف الحركة الإسلامية بحيث أنها تشمل الذين يتحركون من اجل خدمة حركة الإسلام وأرى أن كل المجتمع يتحرك بقيم ودوافع الإسلام فقط يجب ان تخرج قيادات عن رحم الشعب تنظم الحركة وتضبط اتجاهات مسيرها وفقاً للأهداف وأتوقع ان يشهد السودان في السنوات المقبلة نهضة إسلامية كبيرة والدليل على ذلك الوعي العميق بطبيعة الإسلام الذي نريد. والإسلاميون الموجودون حتى في السلطة يرون أن مستقبل الإسلام يكمن في بناء نظام سياسي شعبي حر ومنفتح خالٍ من عوامل العنف وخالٍ من عوامل حب واحتكار السلطة وإذا توفرت هذه العوامل يمكن أن نتحرك بقيم العدل والحرية وكافة القيم الإسلامية الإنسانية بدلاً من نتحرك بشعارات السلطة. ـ ولكن الا تلقي تجربة الحركة الإسلامية في السلطة على مدى ثلاثة عشر عاماً بظلالها على مستقبل الحركة في السودان؟ ـ هذه التجربة قامت على الكثير من المجافاة للقيم الإسلامية المرتبطة بالحرية والعدالة والمساواة والطهارة وأدت الى ما نحن فيه من واقع مؤسف ولكن يجب الا يتوقف العمل من اجل حكم الشريعة في السودان صحيح أن تجربة الحركة الإسلامية تمثل عائقاً كبيراً أمام المناداة بتطبيق النظم الإسلامية ولكن الناس يستطيعون ان يميزوا بسهولة بين منهج رباني وبين تجربة بشرية محدودة ومليئة بالأخطاء. ـ تدور في كينيا محادثات بين الحكومة والحركة الشعبية حول المناطق الثلاث المهمشة - جبال النوبة وأبيي وجنوب النيل الأزرق - فما رؤية حزبكم لحل مشاكل هذه المناطق؟ ـ نحن في الأساس حزب وحدوي ونرى أن حل مشاكل السودان تكمن في النظام الفيدرالي الذي يعطي الولايات سلطات واسعة ويوفر لها موارد كافية ويستطيع السودانيون من خلال هذا النظام أن يتقاسموا السلطات والموارد بعدل وأن يعبروا عن هوياتهم الثقافية ايضا بعدل هذه مجمل رؤية الحزب وتصبح قضية العدالة الاجتماعية قضية أساسية للحزب خاصة أننا نؤكد على أهمية توفير الخدمات الأساسية لكل أبناء الشعب وبمستوى واحد. مشاكل السودان ليست مستعصية على الحلول ولكنها تحتاج لارادة سياسية قوية وتحتاج لبروز قيادات مؤمنة بهذه المعاني ونعتقد أن حزب العدالة يعتبر أحد ملامح هذا الوليد الذي سيساهم في بناء السودان القائم على العدل والحرية والمساواة. ولهذه المناطق الثلاث خلفيات تاريخية مختلفة عن بعضها يمكن ان نوجزها حسب رؤيتنا في الآتي: جبال النوبة يمثل النوبة مجموعة عرقية واحدة لها أعراف وتقاليد ضاربة في القدم ويتكلمون أكثر من أربعين لهجة وتعود أصول هذه اللهجات الى عشر لغات محلية وتسكن هذه المجموعة في منطقة سميت باسمها «جبال النوبة» وهي سلسلة جبال وغالباً ما تسكن كل قبلية فوق أو تحت سفح الجبل من المعين ويوجد تباين في العادات والتقاليد واللهجات ولكنهم قوم مسالمون لم تظهر بين حروب على الأقل في العقدين المنصرمين وكانت للنوبة وحدة إدارية منفصلة تسمي مديرية جنوب كردفان وعاصمتها تلودي إلا أن الإدارة الاستعمارية وسعت حدود هذه الإدارة وضمتها الى كردفان «مديرية جنوب كردفان». وتقطن عرقيات أخرى مديرية جنوب كردفان و أبرزها القبائل العربية «المسيرية - أولاد حميد - كنانة - الحوازمة - خزام» الى جانب عرقيات أخرى من غير النوبة والعرب وهي «الداجو - الفلاتة - البرقو -البرنو» ولكن الرابط بينهم جميعاً هو الإسلام الذي يمثل دين 70% من السكان وهو الدين الغالب وسط قبائل النوبة، كما أن اللغة العربية هي السائدة بين جميع عرقيات المنطقة - وقد حدث تمازج كبير بين هذه الأعراق بما يجعل التمييز بين «النوبة» وعرب «الحوزامة» من الأمور الصعبة. ويسود المنطقة ذات الأغلبية غير النوبية «عرب + اللونيات الأخرى» قدر كبير من التمازج والتسامح والهدوء إلا من بعض النزاعات حول المرعى والمراحيل وتحدث هذه النزاعات في أغلب الحالات بين القبائل العربية فيما بينها،إلا أن انضمام أبناء النوبة في حركة قرنق في السنوات الأخيرة ومهاجمتها المدن والقرى والفرقان ولّد حركة مضادة من القبائل الأخرى واستغلت الحكومة المركزية هذه الأوضاع فحشدت قبائل المنطقة من غير النوبة في حربها ضد حركة قرنق عبر مليشيات الدفاع الشعبي والمراحيل وادى هذا الى تبديل صورة التسامح والتعايش التاريخي بين أبناء المجتمع الواحد. بعد ثورة أكتوبر المجيدة كون أبناء النوبة تنظيماً سياسياً باسم «اتحاد جبال النوبة» بقيادة الأب فيليب عباس غبوش وهو تنظيم التف حوله عدد كبير من أبناء الجبال وقاد هذا التنظيم أبناء النوبة إلى أشكال مختلفة من النضال منها السياسي والعسكري ونجح سياسياً في الفوز بمعظم دوائر المنطقة «8 دوائر» في الجمعية التأسيسية الأخيرة «الحزب القومي السوداني» وهو نفس الحزب الذي حرض على الانضمام لحركة قرنق وتحول اخيراً بعد مؤتمر كاودا الى الحزب القومي المتحد . ولا تتجاوز اطروحات أبناء النوبة سابقاً «طور الاحتجاج» على المركز لوجود مظالم في مجالات الخدمات والتنمية والمشاركة في مواقع سياسية في أجهزة الحكم، لكن الأمور تطورت في نهاية الأمر للمطالبة بحق تقرير المصير أو بالحكم الذاتي الاقليمي على أساس اتفاقية أديس أبابا 1972م أو بالأحرى يطالبون بنفس مطالب إخوانهم «الجنوبيون» الذين قاتلوا معهم جنباً الي جنب في السنوات الأخيرة. ويستند النوبة المطالبون بتقرير المصير الى كونهم «شعب» مظلوم يحكمه شعب آخر «الشماليون» وفي هذه الحالة يقيسون حالتهم بالشعب «الارتيري» الذي قرر مصيرهم من الشعب الأثيوبي ويستدلون أكثر بالدستور الأثيوبي الذي أعطى كل القوميات حق تقرير المصير حتى الانفصال عن الدولة الفيدرالية الأثيوبية التي أعطت الأقاليم سلطات واسعة وموارد كثيرة. ولا يرى النوبة مانعاً سياسياً من تحقيق هذه الغاية ما دام ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية لا يحظر حق تقرير المصير في إطار الحدود التي تركها الاستعمار الغربي في أفريقيا ولكن تحقيق الانفصال في دولة مستقلة لا يمثل خياراً لغالب أبناء النوبة ومن جهة أخرى فإن تحقيقه عبر الاستفتاء يبدو مستحيلاً لاسباب منها أن النوبة لا يمثلون الأغلبية في إقليم جنوب كردفان وهم أنفسهم غير موحدين حول الفكرة لتعدد انتماءاتهم السياسية «اتحاديون - أمة - إسلاميون - عدالة -بعثيون» الى جانب وجود أعداد كبيرة منهم في القوات المسلحة السودانية يقاتلون من اجل الوحدة السودانية. أن الفكرة الغالبة عندهم هي «حكم ذاتي إقليمي في إطار سودان فيدرالي - ديمقراطي» موحد على أساس من العدالة السياسية والاجتماعية والثقافية. وفي حالة عدم تحقق هدف الحكم الذاتي الإقليمي فخيارهم الآخر هو الانضمام الى دولة الجنوب في حالة انفصاله وذلك بحكم الجيرة الجغرافية مع الجنوب وللمعايشة المؤسسة على تجربة النضال المسلح في الحركة الشعبية لتحرير شعب السودان لكن هذا الخيار تحفه مخاطر جمة بالنسبة لهم لانهم سيتحولون الى أقلية ربما تواجه صعوبات جمة في الدولة الجنوبية الجديدة وربما يتحولون إلى شعب مضطهد مرة أخرى وسيتحولون حتماً الى أقلية دينية 70% «منهم مسلمون» في مجتمع أكثره مسيحيون ووثنيون. ويرى كثير من أبناء النوبة أن الانضمام الى الجنوب مثل طمساً لهويتهم الحضارية إذ تعود جذورهم القديمة الي شمال السودان وهم وطنيون ساهموا في طرد الاستعمار الأول تحت قيادة الأمام المهدي وراية وملكهم «آدم أم دبالو» وأسسوا مملكة تقلي الإسلامية وقادوا ثورة وطنية وإسلامية بقيادة الفكي على الميراوي - لكن اعتناقهم للإسلام ونضالهم الطويل لم يحقق لهم الإنصاف والعدل الذي يبتغون. برزت فكرة الحكم الذاتي بقوة في مؤتمر كمبالا الأخير وهو مؤتمر شاركت فيه فعاليات مهمة من جبال النوبة وفيه تمثيل ضعيف للعرقيات الأخرى في المنطقة. وآثار هذا المؤتمر شكوكاً كبيرة لدى الحكومة الاتحادية حول نوايا البريطانيين وجهودهم في تحقيق إسلام في السودان، وعارضه قطاع كبير من أبناء المنطقة والنوبة - لكن يظل السؤال هل يمكن إعطاء النوبة حكماً ذاتياً أثناء الفترة الانتقالية؟ وما هو مصير المنطقة بعد انقضاء هذه الفترة... ألا وفق تطوير اتفاقية جبال النوبة الحالية «اتفاقية سويسرا» لوقف إطلاق النار وذلك بإعطاء أهل جنوب كردفان حق انتخاب حكامهم وإدارة شئون اقليمهم أثناء الفترة الانتقالية وتخصيص موارد كبيرة لهم بنسب متفق عليها مع تخصيص صندوق خاص بهم لاعادة بناء ما دمرته الحرب ولتنمية المنطقة خلال الفترة الانتقالية - ويمثل صندوق اعمار الجنوب والمناطق التي امتدت إليها الحرب ودعم جامعة الدول العربية أهم مصادر التمويل لهذا الغرض - والحل النهائي والعادل والدائم للازمة السياسية في السودان يكمن في ابتكار نظام للحكم تتوازن فيه الإدارات بين أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة وموارد كافية وبين مركز يتمتع بكل عناصر القوة المادية والروحية التي تكبح جماع النزوع نحو الانفصال والتشرذم، وهو مركز يقع على عاتقة بناء سودان موحد على أساس العدالة الاجتماعية والتي تمثل محتوى النظام الديمقراطي التعددي - وتكون منطقة جبال النوبة والمناطق المهمشة جزء من هذا النظام. جنوب النيل الزرق تقع المنطقة جنوب شرق السودان وهي تغطي حدودنا مع إثيوبيا من الناحية الجنوبية والشرقية وبلغ عدد سكانها حسب التعداد السكاني لعام 93 حوالي سبعمئة وخمسين ألف نسمة وكانت في الماضي تعرف بمنطقة جنوب الفونج وعاصمتها الروصيرص حيث مقر الإدارة الأهلية حتى اليوم بقيادة الناظر الحالي يوسف المك عدلان. القبيلة الأساسية في المنطقة هي الفونج الي جانب قبائل الوطايط - الانقسنا -الجيلاويين - الرفاريق - الهمج -القمز» تم أنضافت إليها في أيام الحكم المايوي قبائل المابان، البرون، الادوك وهي قبائل كانت أصلاً ولوقت قريب تابعة لولاية أعالي النيل وهي قبائل مسيحية وتمثل نسبة صغيرة لا تتعدى الـ 5% من جملة السكان المسلمين وتمثل منطقة شالي عاصمة لهذه القبائل وقد احتلتها حركة التمرد في التسعينيات، وتوجد في المنطقة العربية ومعظمها قبائل غرب السودان وقد حدثت بعض المشكلات الصعبة بين السكان الأصليين قبائل الفلاتة التي تعاظم نفوذها في المنطقة من الناحية السياسية، ووجدت دعماً من بعض العناصر التي حكمت من خارج أبناء الولاية وهي منطقة نزاعات عرقية مستمرة وقرر بعض أبنائهم الانضمام لحركة التمرد بقيادة مالك عقار، إلا ان نفوذهم داخل الحركة اقل بكثير من نفوذ النوبة ويعود ذلك لقلة عددهم داخل الحركة بجانب ضيق الأرض المحتلة الأمر الذي لم يمكنهم من إنشاء إدارات مدنية في المناطق التي احتلوها كما هو عليه الحال في الجنوب ومنطقة جبال النوبة. شارك بعض أبناء المنطقة في الداخل في مؤتمر كمبالا بمختلف أعراقهم وطالبوا بحكم ذاتي في الفترة الانتقالية ثم انعقد مؤتمر ديم منصور تحت الرعاية البريطانية وكان الرأي السائد في المؤتمر هو عدم المطالبة بحق تقرير المصير أو بحكم ذاتي و إنما المطالبة بالقسمة العادلة للسلطة والثروة في إطار سودان فيدرالي موحد - ولم يتمكن مؤتمر ديم منصور من تجاوز هذا المطلب الى غيره.. عليه فإن الأوفق هو الاهتمام بمنطقة جنوب» النيل الأزرق» اقتصادياً وثقافياً بما يشبه تبني «برنامج الرعاية الخاصة» لتحصينها من الارتماء في أحضان الدولة الأثيوبية او الى حظيرة الجنوب ضمن مفهوم «المناطق الأخرى ذات الصلة التاريخية جغرافياً وثقافياً» حسب اتفاقية أديس أبابا العام 1972. أبيي يطلق على منطقة أبيي اليوم محافظة السلام وهي منطقة تمازج عرقي وثقافي بين الدينكا وعرب المسيرية وقد انضمت المنطقة الى مديرية كردفان «ولاية غرب كردفان حالياً» أثناء الحقبة الاستعمارية إلا أن الغلبة السياسية والاقتصادية فيها لقبائل المسيرية الذين ظلوا يمثلون المنطقة «أبيي والميرم» في الجهاز التشريعي طيلة الدورات البرلمانية في فترة ما بعد الاستقلال. اهتمت حركة قرنق كثيراً بهذه المنطقة ويعود السبب في ذلك لوجود عناصر ناشطة ومؤثرة من أبناء أبيي على المستوى العالمي والقومي وعلى مستوى قيادة الحركة «فرانسيس دينق مجوك- دينق الور - شول دينق» وغيرهم من النابهين اكاديمياً وسياسياً. رغم أن أبناء المنطقة لم يشاركوا في التمرد الأول - وكان ذلك هو شأن الدينكا - إلا أن اتفاقية أديس ابابا 1972م عرفت في المادة الثانية الحدود الإدارية لجنوب السودان بأنها تشمل مديرية بحر الغزال والاستوائية و أعالي النيل حسب الحدود التي أقرت في مطلع الاستقلال عام 1956م. غير ان ذات المادة نصت على ان الحدود المذكورة تشمل مناطق أخرى وهي التي كانت جغرافياً وثقافياً جزءا من منظومة جنوب السودان على ان يتم هذا بعد «إجراء الاستفتاء». القراءة الموضوعية لما نصت عليه هذه الاتفاقية أنها تقر ضمناً أن بعض الأسباب الثقافية والتاريخية قد تبرر إضافة مناطق للجنوب وفي واقع الأمر أن هذه المناطق في مقدمتها منطقة أبيي التي أصبحت المطالبة بها صريحة في السنوات الأخيرة. حوار: خالد عبد العزيز

طباعة Email
تعليقات

تعليقات