الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 أكدت صحيفة بريطانية ان حكومة لندن حاولت ايجاد مخرج من أزمة العراق بالاتصال عبر قنوات سرية بنظام صدام حسين على امتداد عامين كاملين، وقالت صحيفة «ديلي تليغراف» انها استقت تلك المعلومات من وثائق عثرت عليها في بغداد. وأكد بيتر هين وزير الخارجية البريطاني السابق صحة محتويات الملفات التي عثر عليها في مقر وزارة الخارجية بالعراق. وتوضح هذه الملفات بالتفصيل مبادرات الاتصال بالعراق والتي شارك فيها بيتر هين في عامي 2000 و2001، وذلك بدعم من ادارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون فيما يبدو. وسعت بريطانيا باستخدام العديد من الوسطاء بما فيهم حكومات عربية لتؤكد لبغداد انها جادة فيما يتعلق بالوصول الى صفقة يتم تمريرها عبر الأمم المتحدة. وتمثل هذا العرض في انه إذا قام العراق بالسماح مجدداً بدخول المفتشين الدوليين الى أراضيه وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1248، فإن العقوبات سترفع عنه في غضون ستة أشهر. وكان العراق أهدر بصورة متكررة فرصة اعادة تأهيل نفسه والعودة الى المجتمع الدولي على الرغم من ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1284 أعطى المفتشين تفويضاً أقل صرامة، من ذلك الذي أعطي لهم بالفعل في نوفمبر الماضي. وقال بيتر هين: كان من الواضح تماماً بالنسبة لي ان هذه المحاولة لن تصل الى أي نتيجة، لأن صدام لم يكن مهتماً بالسماح بإعادة ادخال المفتشين الدوليين الى العراق. وأضاف هين: لقد تركنا الأمر ينقضي، فقد كان واضحاً ان العراقيين يحاولون المناورة لتحقيق ضربة دبلوماسية، وعلى الرغم من ذلك فإن الأمر جدير بالمحاولة وبصفة خاصة في ضوء مشاركة العديد من وزراء خارجية دول الشرق الأوسط فيه. وجاءت هذه الوثائق من مجموعة الملفات نفسها التي يتبين منها ان جورج غالاوي عضو البرلمان البريطاني عن حزب العمال، استفاد مالياً من برنامج النفط مقابل الغذاء، وهو الادعاء الذي ينكره غالاوي تماماً. ويزعم غالاوي انه ساعد في الترويج لحوار سري بين بريطانيا والعراق، وصرح لصحيفة «صنداي هيرالد» في غلاسكو ان هين كان على علم بزيارته لبغداد في عيد الميلاد في 1999، حيث حل ضيفاً على طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي آنذاك. وتابع غالاوي قائلاً: لقد وافق هين على اننا ينبغي أن نبدأ مثل هذا الحوار. ونفى هين امكانية أن يكون غالاوي وسيطاً بين لندن وبغداد، وقال: «لم يكن لغالاوي أي دور على الاطلاق، وقال لي انه أمضى عيد الميلاد مع طارق عزيز فأدهشني أن أسمع ذلك». وقال روبن كوك وزير الخارجية البريطاني السابق: من الانصاف القول اننا كنا نبحث عن سبيل لإنهاء الأزمة بما يتفق مع مصالحنا، وأردنا أن يعود المفتشون الدوليون الى العراق، وكان ذلك بالتعاون مع إدارة كلينتون، وتغير الأمر مع انتخاب الإدارة الجديدة. وتوضح الوثائق الاهتمام العراقي الكبير بفتح حوار مع بريطانيا على الأقل منذ عام 1998، حيث علقت بغداد الآمال على كسر حلقة العزلة التي ضربها الأميركيون حولها، وذلك من خلال استقطاب توني بلير وابعاده عن سياسة الاحتواء. غير ان الخطوات التي تم القيام بها لاجراء اتصالات في هذا الشأن في أوائل 1998 عن طريق سفيرين بريطانيين سابقين لدى العراق هما سيرغون موبرلي وسير تيرينس كلارك، لم تفض الى شيء، وتمت المحاولة التالية في أوائل عام 2000 بعد اصدار مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 1284. وعرض هذا القرار على العراق ايقاف نظام العقوبات ورفع الحظر المفروض عليه إذا بدأ بالتعاون مع المفتشين الدوليين في البحث عن الأسلحة. وقامت بريطانيا التي واجهت انتقاداً قوامه ان سنوات العقوبات قد سببت معاناة غير مقبولة للعراقيين العاديين من دون أن تؤدي الى اضعاف صدام حسين، قامت بإصدار تأكيدات خاصة حول ان هذا العرض حقيقي ومضمون. وتشمل الوثائق نسخة من رسالة من كوك تبلغ نظيره الأردني عبدالاله الخطيب في الأول من سبتمبر عام 2000 انه «ما ان يبدأ العراق بالتعاون مع المفتشين الدوليين حتى يكون مضى على طريق رفع العقوبات عنه»، وبحلول عام 2000 كانت الآمال تلاشت، حيث التزمت ادارة جورج بوش التي كانت في سبيلها الى تولي السلطة باسقاط صدام حسين. وبعد الحادي عشر من سبتمبر بشهرين، عندما كان شن الحرب على العراق مطروحاً للمناقشة في واشنطن حاولت مؤسسة «نكست سنشري» «القرن التالي» ترتيب عقد اجتماع بين هين وناجي صبري وزير الخارجية العراقي وذلك في مقر الأمم المتحدة. وقال وليام موريس، السكرتير العام لاحدى المؤسسات الخيرية والذي يؤكد صحة الوثائق، «كان ذوو الضمائر الحية يحاولون تجنب نشوب الحرب، ولكنني كنت أعلم ان هذه المحاولة لا طائل وراءها».