الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تستعدان فيه لغزو العراق، كان العمال في مجمع القصر الجمهوري منشغلين كلياً باستعدادات من نوع آخر تتمثل في ازالة الاثاث المزخرف من قصور صدام حسين لاخفائها حتى انتهاء الحرب. وحين كانت قوات التحالف تستعد لاطلاق الصواريخ والقنابل، كان مساعدو صدام حسين منشغلين في ايجاد مستودع يضم الارائك الفخمة وصحون الخزف الراقية ومعلقات جدارية ذات رسوم رعوية غربية ومرايا تغطي الجدران باكملها مزيّنة بصور اطفال. على كل منها الصقت ورقة عليها تفاصيل كل قطعة توضح من اين جاءت واي موقع كانت تحتله بالضبط. وذكرت صحيفة الشرق الاوسط في تقرير لها امس ان المخبأ المخصص لهذا الاثاث يقدم مفتاحا يكشف عن توقعات صدام حسين الاستراتيجية، او بالاحرى عن سوء توقعاته، اذ كان صدام ومساعدوه يتصورون انهم سيخوضون الحرب جالسين في اقبيتهم ثم العودة بعد انتهاء الحرب الى حياتهم السابقة المغرقة في البذخ. لم يتوقعوا فقط تحمل قصف قوات التحالف بل كانوا يأملون في الاحتفاظ بالسلطة مع الاحتفاظ بكل اثاثهم. في منطقة العامرية الواقعة عند اطراف بغداد، تم الالتقاء بمهندس الطيران الذي كشف ان الحكومة العراقية المخلوعة قد اصدرت اوامر بنزع كل محركات الطائرات العراقية الموجودة في المطار الدولي. ويمكن رؤية الطائرات الخالية من المحركات منتشرة في المطارالدولي مع طائرتين محترقتين وجه بعض الجنود الاميركيين نيرانهم اليهما للحؤول دون استخدامها من قبل بعض افراد النظام للهروب. كذلك جرى نفس الشيء في الميدان العسكري، اذ دفنت القوة الجوية العراقية طائرات باكملها في الصحراء الغربية لاخفائها عن الاميركيين. كما دُفنت دبابات في منطقة قريبة من مدينة الكوت، وهناك الكثير من الاسلحة والذخائر قد اخفيت في المدارس العامة. كذلك نفذت القيادة العراقية المخلوعة الصيغة نفسها في حالات اخرى، اذ نزع من قصر صدام حسين في منطقة ابو غريب الاثاث وحتى الوحات تمت ازالتها من اطاراتها، لكن الاميركيين مع ذلك اطلقوا صاروخ كروز على غرفة نوم صدام حسين في هذا القصر. كذلك عُثر على مبلغ 656 مليون دولار مخفية في كوخ بالحدائق وفي بنايات اخرى متواضعة لا تثير الانتباه داخل بغداد. وهذا يشير الى ان المسئولين السابقين خططوا للعودة الى هذه المخابئ واعادة جمع الاموال في يوم ما. ويتميز مجمع القصر الجمهوري باتساعه الشديد، لكنه تحول من مركز للسلطة على مستوى العراق بكامله الى مستودع للاثاث. ولا يعدّهذا القصر مجرد مركز حكومي بل كان مخصصاً للنخبة الحاكمة فهو ممتد على ضفاف دجلة مع حدائق فارهة ومسابح وقصور شبيهة بقصور ديزني الخيالية وخنادق مائية وبرك اصطناعية يتم التحرك فيها عبر زوارق. كان لدى الفريق زياد ياسين، وهو احد قادة الحرس الجمهوري وأحد المقرَّبين القلائل للنخبة الحاكمة، بيت في المجمع مع مسبح وحمام سونا ومشهد نهري. وعثرت القوات الاميركية اول من امس على مبلغ 16 مليون دولار في بيت آخر يقع عبر الشارع، وقال احد الضباط ان مبالغ اخرى قد لا تزال في المنطقة. وكانت هناك سيارة مرسيدس بيضاء يتوسط نافذتها الامامية ثقب رصاصة. واصبح مجمع القصر الجمهوري هذه الايام مقرا عاما للاميركيين، اذ هناك دبابات «ام ـ 1» تدمدم في الشوارع المحيطة به. وحوّل الجنود احدى البنايات فيه الى موقع داخلي للتدرب على اطلاق النار في الوقت الذي حوَّل جنود آخرون منازل جنرالات الحرس الجمهوري الى معسكرات مؤقتة. اما مكتب اعادة الاعمار والمساعدات الانسانية (الادارة المدنية الاميركية في العراق) فانه اقام مكاتبه في قاعة بوزارة الخارجية العراقية كانت تستخدم للاغراض الرسمية. ولا يستغرق الوصول الى هذا المكتب سوى مسافة سير على الاقدام من مستودع اثاث القصور الرئاسية الراقي الذي يبدو ان غالبيته صنع في فرنسا.