السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 حذر فارس بويز، وزير البيئة اللبناني من مشروع اسرائيلي من اتجاهين: الأول يدفع واشنطن لتصفية القضية الفلسطينية بعد تعديلات لخريطة الطريق وضغوط على الفلسطينيين، والثاني يهدف لاستفزاز سوريا واستدراجها لحرب مع الدولة العبرية. وقال بويز ان أميركا لن تستطيع كبح التطلعات الاستقلالية لدى الأكراد والشيعة في العراق، مضيفاً ان الأيام ستكشف ان كان صدام حسين قتل تحت أنقاض المنصورة، أم انه عقد صفقة تسليم بغداد مقابل حياته. ورد ذلك في حوار جرى على النحو التالي: تداعيات الحرب لبنانياً واقليمياً ـ كيف بدأت تنعكس تداعيات الحرب على لبنان وسوريا والمنطقة الشرق أوسطية بصورة عامة؟ ـ انعكاس المستجدات في الداخل العراقي بعد الحرب، وخلالها، علينا في لبنان، سيكون، ربما، في المرحلة الفورية المقبلة، فنحن نخشى أن تسعى اسرائيل التي تفوح رائحتها وراء كل هذا المشروع الأميركي الذي تحقق جزء منه في العراق، الى جرّ الولايات المتحدة الى فتح مشروع تصفية للقضية الفلسطينية، وهذا المشروع قد يعني الفرض على أبو مازن، وحكومته الفلسطينية، لاحقاً، التنازل عن القدس أولاً، وعن حق العودة ثانياً، وعن حوالي 70% من الضفة الغربية. ـ هل تلحظ التعديلات المقترحة على «خريطة الطريق» مثل تلك التنازلات المحددة وفق ما أوردته؟ ـ قد يكون ذلك أقل مما في «خريطة الطريق» بمعنى انها لا تتضمن مثل تلك التنازلات سواء بكثرتها أو حدتها، أو نهجها الهادف استراتيجياً الى تصفية القضية نهائياً على حساب الشعب الفلسطيني ونضالاته كافة، فقد يفرضون، الاسرائيليين ومن ورائهم الأميركيون تعديلات قاسية على «الخريطة» مستفيدن من هذا الوضع القائم، نتيجة الحرب العراقية، وبعدها باعتبار انه وضع لا يسمح في نظرهم بقيام أي اعتراض عربي على ما سيفعلونه. أي ان الاسرائيليين سيحاولون الاستفادة من وهلة الانتصار، وانعكاس هذه الوهلة على الفريق العربي. وربما لاعتقاد منهم ان سوريا قد تكون معترضة على تصفية القضية الفلسطينية، ستتم محاولة ضغط عليها، وعلى لبنان تحت أي عنوان كان، سواء أكان العنوان: «حزب الله» أو «الديمقراطية» أو «حقوق الانسان» أو «نظارات ليلية» بدأوا يتحدثون عنها. وسيكون الهدف الأساسي من تلك المحاولة تحييد لبنان وسوريا عما سيحصل على المستوى الفلسطيني في اطار تصفية القضية، وهذا واحد من الأمور التي نخشاها. أما النقطة الثانية فتتعلق بلبنان الذي كان يمكن أن يكون متفائلاً باتفاقية السلام في مدريد، خاصة لجهة معالجة المشكلة الفلسطينية لديه، سواء أكان ذلك من خلال تنفيذ جزئي لحق العودة، أو أكان ذلك حلاً دولياً على مستوى متعدد الأطراف لمن قد ينتقي الفلسطينيون في لبنان بلداً ما لاغترابهم فيسافرون ويقيمون فيه. لكن هذا لم يحصل، إذ كان يفترض نشأة «دولة فلسطينية» تكون مختلفة عن هذه البقة التي يتكلمون عنها (مناطق الحكم الذاتي). فإذا لم يحصل ذلك فإن الانعكاس المباشر على المستوى اللبناني هو استحقاق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان والذين سيطرحون كعنوان لمشكلة حقيقية فيه، وسيقوم مثل هذا التوقع حتى لو لم تحصل أية عملية «ترانسفير» لمزيد من اللاجئين باتجاه الأراضي اللبنانية. تلك هي أبرز الانعكاسات السلبية التي يمكن أن تطال لبنان، اضافة الى انعكاسات اقتصادية عامة على المستوى العربي العام، ونكون نحن أحد المتضررين منها، خاصة وانه كان ما نسبته 17% تقريباً من الانتاج اللبناني يصدر الى العراق، وقد توقفت هذه الحركة، وإذا ما جرى اسقاط سعر برميل النفط الى 15 دولاراً، فستكون هناك عملية «تفقير» للدول العربية، مما سينعكس سلباً على الجاليات اللبنانية المنتشرة بين هذه الدول، وستتوقف عملية تحويلاتها المالية الى لبنان، الأمر الذي من شأنه أن يلحق ضرراً مباشراً بالاقتصاد الوطني. الحرب أكبر من العراق ويتابع الوزير بويز قائلاً: انعكاسات حرب العراق ستكون متعددة الاتجاهات، أساساً هذه الحرب هي أكبر من العراق، فهي انطلقت من مبدأ اعادة تشكيل العالم على صورة العالم الأميركي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، من هنا، فإن الأمر يتجاوز دولاً بمفردها، فإن كان العراق هو الضحية الأولى لهذه الحرب، فإنني أعتقد ان الأمم المتحدة هي الضحية الثانية لها، كذلك الوحدة الأوروبية هي الضحية الثالثة، اضافة الى الضحية الرابعة وهي جامعة الدول العربية. أي ان من أسباب هذه الحرب ان هناك نظرية تحوم في كواليس الرئاسة الأميركية وتقول ان الولايات المتحدة الأميركية، أصبحت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، القوة الوحيدة في العالم، لكن هذه القوة منذ سنة 1990 لم تطبق فعلياً على الأرض نظرية القوة الوحيدة، فما يحصل الآن هو بداية تطبيق هذه النظرية، من خلال اعادة تشكيل العالم، ولاسيما منطقة الشرق الأوسط على صورة المصالح الأميركية. من هنا أعتقد ان عدداً كبيراً من الأنظمة العربية سيُطلب اليه بالنتيجة، تحت عنوان قطع الطريق أمام تخريج وتثقيف متطرفين أو ارهابيين تحت عنوان حسن ادارة المال العربي، أو تحت عناوين عديدة، (سيُطلب) حصول تغييرات جذرية قد لا تتحمل حصولها بعض تلك الأنظمة، سواء أكان ذلك في الديمقراطية أو في التربية والتنشئة (وأذكر هنا ان الأميركيين تحدثوا عن المدارس التي تنشيء برأيهم ارهابيين)، أو كان ذلك فيما يتعلق بطريقة صرف الأموال، إذ ان الولايات المتحدة تهدف الى اعادة احياء نظامها الاقتصادي من خلال توجيه تلك الطريقة نحو الشركات الأميركية. وبالتالي فإن السؤال المستقبلي المطروح يقول: كيف سيتم التفاعل من قبل بعض الدول العربية مع تلك المتطلبات الأميركية؟ وكيف ستسمح لها مقوماتها بذلك؟ أما بالنسبة للبنان، وكما قلت سيكون الانعكاس من خلال المسألة الفلسطينية، وفق ما أشرت اليه، وسلبيات هذا الأمر عبر موضوع التوطين و«الترانسفير» إذا كان مطروحاً، أو من خلال ممارسة الضغط القوي، فإنني أعتقد ان هناك مرحلة مقبلة قريباً قد نكون نحن (لبنان) وسوريا في موقع الضغط الأميركي من أجل تمرير الموضوع الفلسطيني، فيما قد تواجه دول عربية أخرى في مرحلة لاحقة بعد ذلك وهي مطالبة الولايات المتحدة بادخال تعديلات جذرية على طريقة الحكم فيها، سياسياً واقتصادياً. ـ زرت دمشق قبل أيام، واستقبلك الدكتور بشار الأسد الرئيس السوري، هل لمست ان لديه المخاوف نفسها التي تحدثت عنها أم ان ثمة وجهة نظر أخرى جرى البحث بشأنها، وتحديداً لجهة ما يخص لبنان منها؟ وماذا تنتظر سوريا من الولايات المتحدة برأيك بعد الحرب؟ ـ أعتقد ان بين الولايات المتحدة وسوريا نقاط خلاف، ونقاط التقاء جرى التعبير عنها في التعاون على مستوى مواجهة الارهاب الدولي، مما جسد تفاهماً أميركياً ـ سورياً بعد حرب أفغانستان. أما فيما يتعلق بالحرب على العراق، فإن الموقف السوري معروف. فسوريا كانت ضد الحرب، ولاتزال ضد تداعيات هذه الحرب، ولكن هذا لا يعني ان الصدام السوري الأميركي سيتجاوز حد بعض الضغوطات، أو شد الحبال، كما يتحدث البعض. ـ يبدو ان هذا يدخل في اطار الشروط الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب. هل هذا الربط صحيح، أي هل مثل تلك الضغوط تشكل جزءاً من الشروط الأميركية؟ ـ أخشى ألا يكون ذلك من الشروط الأميركية بقدر ما ستكون شروطاً اسرائيلية، أو تكون أميركية بالتفاهم مع الاسرائيليين طبعاً، فالموضوع الفلسطيني يبقى المحور بالنسبة لنا. تخوفنا هو من ضغط تحاول معه اسرائيل أن تدفع سوريا الى معركة، وأنا هنا أتوقع الأمور ولا استبعدها، وثمة فارق بين الجانبين، وبما انني أتوقع، فهذا يعني أنني أحذر من أن تتجه الأمور ضمن ذلك الاطار. ـ تلك المخاطر والمخاوف تستدعي تراصاً لبنانياً ـ سورياً. ـ (مقاطعاً) بطبيعة الحال هذا من بديهيات الأمور. ـ لكن تراص الصفوف مع الخارج يستدعي تلاحماً لبنانياً ـ لبنانياً، أي على المستوى الداخلي، لكن هذا غير حاصل تماماً في ظل خلافات سياسية ورسمية تبرز بين فكرة وأخرى، وثمة اجتماع على أن «خردقة» الوحدة الوطنية اللبنانية ناتجة عن عدم تطبيق كامل نصوص وبنود الاتفاق الوطني المعروف ب«اتفاق الطائف»، فهل يمكن أن يحرك الأميركيون الوضع اللبناني باتجاه استكمال تطبيق هذه الاتفاقية والنهوض الكامل للدولة، بما يؤدي اليه هذا من خروج القوات العسكرية السورية من كامل الأراضي اللبنانية باتجاه الداخل السوري. ـ لا أعتقد ان الأميركيين هم في هذا الوارد، أي اتفاق الطائف، فالهم الأميركي كما الهم الاسرائيلي، يختلفان عن ذلك الموضوع، فاعتقد انه إذا كانت هناك ضغوطات على الساحة اللبنانية، أو الساحة السورية، فستكون ناتجة عن محاولة تمرير الصفقة بتصفية القضية الفلسطينية بالشكل الذي طرحته (آنفاً). أما ما تبقى، فلا أعتقد ان أي شيء آخر يدخل في الحسابات الدولية، وان كان قد يستهل كعنوان أو وسيلة لخدمة الهدف الآخر. ـ كيف يتهيأ لبنان لمواجهة ذلك؟ ـ المشكلة في الحقيقة هي أكبر من لبنان، ولذلك أبدينا القلق بهذا الموضوع، وعندما سألتموني ما يمكن أن تكون عليه الانعكاسات السلبية للحرب على لبنان، أجبت ان محاولة تطبيق مشروع توطين الفلسطينيين هي من أخطر هذه الانعكاسات، لأن هذا المشروع سيؤدي الى اسقاط وافشال المشاريع الأخرى التي كانت مطروحة في «اتفاق مدريد للسلام» مثلاً. تقول لي: ماذا يمكن أن يفعل لبنان؟ فأرد ان لبنان لا يمكن أن يقبل بسهولة بموضوع التوطين دون أن ينعكس عليه هذا الأمر داخلياً وبشكل سلبي جداً، لذلك سيحاول لبنان أن يقاوم هذا الموضوع على قدر ما يستطيع. ماذا يجري في العراق؟ ـ كيف ينظر لبنان الى ما يحصل في الداخل العراقي، وما يمكن حصوله هناك في مرحلة ما بعد الحرب؟ ـ لقد دخلت الحرب العراقية في مرحلتها الثالثة، أي في محطة ادارة الوضع العراقي، ويمكن فصل هذه المحطة الى مدتين، أو الى مرحلتين، الأولى تتميز بما يمكن تسميته ب«مدى السماح للأمم المتحدة للقيام بدور «أو أكثر» على المستوى السياسي، وذلك بانتظار أن «تتغربل» النوايا فعلاً، وتبدأ المطالب، وتسعى الولايات المتحدة الى ان تُظهر قوتها على استيعاب مطالب الفرقاء في العراق واقتراحاتهم. لكنني لا أتوقع في هذه المرحلة شيئاً ملحوظاً على مستوى التطورات، إلا إذا رغبت اسرائيل جرّ الولايات المتحدة الى الاسراع في بثّ الموضوع الفلسطيني، في محاولة منها للاستفادة من هذه المرحلة القائمة في المنطقة. أما في المرحلة الثانية واللاحقة فإنني أخشى ألا تتمكن الولايات المتحدة من اعادة ترتيب العراق، فضرب العراق سهل، لكن اعادة ترتيبه موحداً أمر أصعب بكثير، فمن السهل كسر لوح من زجاج، لكن من الصعب اعادة جمعه، لذلك أتوقع على المدى البعيد أو التالي المتوسط، أي خلال مدى خمسة أو ستة أشهر، ان تظهر بداية تناقضات كبيرة على المستوى العراقي، وطالما ان ادارة الولايات المتحدة تتعاطى مع هذه المنطقة بمنطق اسرائيلي تقريباً، فإنني أتوقع أن يحصل نوع من الاستفزاز ضد روح قومية لاتزال موجودة وراسخة عند الشعب العراقي. أريد أن أنبّه الى ان سهولة الدخول الى العراق بررتها أحقاد الناس على صدام حسين وحكمه، لكن بعد أن زال هذا الأمر، فقد بدا واضحاً ان الروح القومية العربية لاتزال موجودة في العراق. لقد جرى تجميد هذه الروح، ومؤقتاً، بفعل الأحقاد على نظام صدام حسين، ولكنني أتصور فيما بعد، وإذا استمر الأسلوب الذي يجري لمرحلة التعامل على أساسه الآن، من تأليف حكومة عسكرية من الجنرالات وعلى رأسهم غاردنر الذي يعلم الجميع مدى قوة علاقته باسرائيل، فإن عامل استقرار كبير سيطرأ، وقد يصل الأمر الى مطالبة الحكومة العراقية المقبلة بالاعتراف باسرائيل أو بتوقيع اتفاقية معها، اضافة الى ما يمكن الآن من اعادة تشغيل ضخ النفط عبر خط الموصل ـ حيفا، مثل هذه الأمور، أعتقد ان مجرد طرحها سيتفز فعلاً العراقيين الذين كانوا وسيبقون، ولو لغاية الآن على الأقل، غير مستعدين حتى لمجرد البحث في مثل تلك المسائل، وبالتأكيد انه لا يجب الخلط بين بعض الترحيب الذي حصل بسبب الكراهية في وجه صدام حسين وبين ما سيكون عليه الوضع بعد أن يكون الناس قد نسوا صدام، واستعادوا أنفاسهم وبدأوا يتعاطون مع الأمور بثقافتهم السياسية طبعاً وبشعورهم القومي الذي يبقيهم بعيدين كل البعد عن تقبل حكومة انتدابية من الأجانب، وعن فكرة ارساء علاقات مع اسرائيل، في الوقت الحاضر على الأقل. الانتصار الحقيقي ليس عسكرياً ـ ما تقويمك لطريقة ادارة الولايات المتحدة للوضع في العراق بعد انتهاء الحرب؟ ـ بويز: كيف ستدير الولايات المتحدة؟ وكيف ستتعاطى الادارة الأميركية مع الفرقاء المتناقضين الذين يشكلون الساحة العراقية؟ أعتقد ان هذا الأمر يشكل «رمالاً متحركة» بكل ما للكلمة من معنى، لا أتصور ان الأكراد سيقبلون بأقل من دولة، كما ان انفجار الحالة الشيعية في الداخل والتي تشكل 60% من العراق، يطرح بدوره مشكلة اقامة دولة، وتكون الولايات المتحدة تدخل في رمال متحركة لن تنجو منها، بمعنى ان ادارة الرئيس بوش لن تتمكن من تحويل أي انتصار عسكري الى انتصار سياسي، لكن العبرة تبقى في السياسة عند النهاية والعبرة، فالحروب والعمليات العسكرية هي في خدمة أهداف سياسية عامة، فإن لم تحقق هذا الهدف فتكون فعلاً عمليات فارغة من مضمونها ومن أهدافها. ومن المؤكد ان اعادة توحيد العراق وتركيبه بالنظارات الأميركية وبالمفاهيم الأميركية أمر مستحيل، فهذه المفاهيم تتصادم مع واقع ثقافي وقومي، ومع واقع عرقيات وطوائف في العراق سيجعل من المستحيل اعادة تركيب عراق موحد في ظل الحكم الأميركي وفي اطار مظلة اسمها الحكومة الأميركية العسكرية مثلاً. ألاحظ ان الحرب انتهت على عكس ما كان ينتظر وأزمل من قام بها، فليست أميركا صائبة ولا صادقة في هدفها المعلن والقائل انه سعى الى تغيير النظام واعادة العراق الى أبنائه سالماً. فنلاحظ ان هذا الأمر بات يشعل مزيداً من الكراهية والغضب في الداخل بوجه القوات الغازية، كما بدأت ترجمة ذلك ببروز حالات متعددة للمقاومة. وحتى على المستوى الدولي، فإذا كانت الولايات المتحدة تعتقد ان هذه هي الطريقة الفضلى لقطع الطريق أمام الارهاب والتطرف، فإنني أعتقد بأنها ستكون قد فتحت مدرسة جديدة للتطرف والارهاب. أحاديث عن «صفقات» عراقية واقليمية ـ كيف ينعكس الوضع الاقليمي على المستوى السياسي والاقتصادي الداخلي العام في لبنان؟ أية انعكاسات حصلت للحرب العراقية عليه؟ ما المنتظر حصوله من المزيد من التداعيات نتيجة ذلك؟ ـ كان من المتوقع بطبيعة الحال، أن تتمكن قوات التحالف الأميركي ـ البريطاني من تحقيق المحطة الأولى من الحرب، وهي تدمير البنية التحتية العسكرية العراقية، وذلك خلال الأيام الأولى للحرب. كما كان من المتوقع أن تتمكن في النتيجة من اسقاط النظام في العراق، حتى ولو لم يكن أحد يعتقد ان هذا الأمر يمكن أن يتمّ بهذه السرعة ودون، فعلاً، أية مقاومة. يبدو ان ذلك يغطي ربما صفقة معينة، لأن لا تفسير فعلاً لاختفاء القيادة العراقية، ولا لعدم وجود القوات العراقية بالشكل الذي رأيناه. إلا ان المحطة الثالثة المتبقية أمام قوات، أو دول التحالف، في ادارة العراق بعد اسقاط صدام حسين، هنا، فإنني أخشى أن تصطدم الولايات المتحدة والادارة الأميركية بمشاكل عديدة في تلبية طلبات القوى والفئات التي تكوّن (بتشديد الواو أو كسرها)، أكان ذلك فيما يتعلق بالفريق الشيعي، أو بالفريق الكردي، أو بأي طرف آخر من الفرقاء. هناك مصالح متضاربة في الداخل العراقي قد تُحرج الولايات المتحدة في خياراتها، فإن لبّت مطالب البعض فإنها ستدخل في مشاكل أكثر تعقيداً، وان لم تلبها ستدخل في مواجهة في وجه تلك القوى والفرقاء. لذا، فإنني لا أتصور ان الشيعة سيقبلون بأقل من حالة تتناسب مع هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، فإن حصل ذلك، فسيخلق أكثر من مشكلة على صعيد التوازنات المطلوبة في هذه المنطقة، وان لم يحصل ذلك، فهذا سيقلب الشيعة بوجه من يعتبرونهم حاجزاً أمام وصولهم الى طموحاتهم، خاصة وان صدام حسين قد يكون نُسيّ، في الأسابيع الماضية القليلة، وإذاً سيتمحور الموضوع حول القوات التي تحتل العراق. اضافة الى ذلك ما يعني الأكراد أيضاً، فهم سيطالبون حتماً بدولة مستقلة، فتلبية هذا الطلب ستعني حرباً مفتوحة مع تركيا، لما يشكل الأمر، بنظر الأكراد من موضوع مفصلي وأساسي في وحدتهم الداخلية، وفي سيادتهم أيضاً. وان لم تتم تلبية الأمر (الكردي) فسينتقل الأكراد أولاً الى الغضب، وربما الى المقاومة أيضاً في وجه من يعتبرونهم حائطاً (أو جداراً) يحول دون تحقيقهم لطموحاتهم. ـ أشرت في سياق اجابتك عن السؤال السابق الى ما سميته: «صفقة معينة، لأن لا تفسير فعلاً لاختفاء القيادة العراقية من دون ذلك». ما معلوماتك عن هذه «الصفقة» اذا ما كانت موجودة فعلاً؟ ـ الحقيقة انه لم تظهر حتى الآن كل معالم هذه الصفقة، لكن السؤال الذي كان مطروحاً، ومازال، هو أين الجيش العراقي؟ أين الحرس الجمهوري؟ أين الدبابات والصواريخ؟ بل أين الألغام والجسور التي لم تُفجّر؟ أين المطار الذي لم يُفجّر أيضاً؟ الواقع ان كل هذه الأمور، وما يشابهها تطرح تساؤلات تؤدي الى القول: هل حصلت فعلاً صفقة لاخراج صدام حسين، فأنا أتحدث عن صفقة حوله بالتحديد، لأنني استغرب جداً أن تكون بغداد قد سقطت بهذه السرعة ودون مقاومة، فيما «أم القصر»، مثلاً، قاومت ثلاثة أسابيع، فهل يعقل أن تكون بغداد قد سقطت بهذه السرعة، لولا وجود صفقة من أجل انقاذ صدام حسين؟ الجواب يكمن في الأيام المقبلة التي ستظهر ما إذا كان صدام حسين خرج من البلاد، بموافقة أميركية، أو انه فعلاً تحت أنقاض المنصورة؟ وأعتقد انه سيأتي يوم قريب سوف تُعلن فيه أين القيادة العراقية؟ وكيف اختفت؟ وإذا ما تمّ اكتشاف ان هذه القيادة تحت الأنقاض في المنصورة، فإن هذا سيعني عنصر حرب في النتيجة، أما اذا تبين ان هذه القيادة موجودة في السفارة الروسية، ومنها أصبحت في روسيا، أو بيلاروسيا، كما بدأت الشائعات تتحدث، فإن هذا سيعني تلقائياً وجود صفقة سلم صدام حسين على أساسها بغداد دون مقاومة، لقاء انقاذ حياته والقيادة.