السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 لم يجد الفلسطينيون في غزة ومدن الضفة الغربية سوى السخرية واطلاق النكات للتخفيف من هول الصدمة التي انتابتهم جراء السقوط السريع والسهل لبغداد، وانهيار نظام صدام حسين رئيس العراق المخلوع، الذي تحول من بطل الى مخادع كبير في نظر الكثيرين. قال احمد يحيى سائق سيارة أجرة بغزة «من الواضح ان كلمات صدام خدعتنا، أين صدام الآن. لماذا لم يحارب العراقيون (أكثر). انه عار». بالنسبة لفلسطينيين كان الرئيس العراقي المخلوع هو الزعيم العربي الوحيد الذي قدم خلال صراعهم مع اسرائيل اكثر من الكلمات في مواجهة الولايات المتحدة وما يعتبرونه تحيزها من جانبها للدولة اليهودية. لكن اختفاء صدام والانطباع بأن جيشه لم يحارب القوات التي قادتها الولايات المتحدة جعل وعوده بالمقاومة البطولية مثار سخرية ودفع كثيرا من الفلسطينيين الى الشعور بالاحباط والارتباك. رأي غالبية 5,3 ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك ملايين اللاجئين في الخارج في صدام «رمزا للشرف العربي والزعيم البطل». لم يفعل الفلسطينيون اثناء الحرب شيئا سوى مشاهدة تغطية القنوات الفضائية العربية للحرب وصدقوا وعود صدام بأن «قوى الشر ستنهزم». قال الطبيب النفسي الفلسطيني فاضل ابو هين «الفلسطينيون نسوا معاناتهم على ايدي اسرائيل خلال الحرب ضد العراق التي استمرت 20 يوما. شعروا بتوحد مع صدام وجيشه». ومضى يقول ل«رويترز» «هذا التوحد جعل من المستحيل ان يقبلوا أو حتى يصدقوا كارثة سقوط بغداد بهذه السرعة وبهذا (العدد القليل جدا) من اطلاق الرصاص». وقال محمد رزيق (35 عاما) ويعمل فني الكترونيات «نعم، لم نتوقع أن يهزم صدام الولايات المتحدة ويستولى على تكساس. لكننا توقعنا ان يحارب العراقيون لفترة طويلة وبقوة». واضاف قائلا «شعرنا بحزن شديد لما حدث شعرنا بحزن واحباط». وقالت امل حسن (39 عاما) مهندسة من رام الله بالضفة الغربية «هذه نكبة لكل الدول العربية. هذا الرجل قال لا لاميركا في وجهها رغم انه يعرف ان هذا قد يكلفه حياته. كان قوة ردع في وجه اسرائيل». زادت التكهنات حول مصير صدام غير المعروف بين الفلسطينيين والعرب. قال ابو هين «لايزال بعض الفلسطينيين يعتقدون ان صدام على قيد الحياة وانه سيظهر ويحارب الاميركيين من جديد، اصبح الناس في موقف دفاعي غير قادرين على قبول واقع صدمهم يغلق على ما يبدو نوافذ الامل وينشر اليأس». غير ان فلسطينيين آخرين يعتقدون ان مقتل صدام فقط هو الذي قد يعيد له مكانته البطولية في ضوء نتيجة الحرب. وكتب حافظ البرغوثي في صحيفة «الحياة» الجديدة الفلسطينية اليومية يقول اذا كان صدام لايزال حيا فإنه سيخرج من التاريخ كمستسلم، واذا كان قتل فإن التاريخ والجغرافيا سيخلدانه كرجل حارب حتى النهاية. ويفضل بعض الفلسطينيين ان يوجهوا اللوم لرفاق صدام ويشيرون الى ما يتردد عن ان ضباطا من حرسه الجمهوري ربما عقدوا صفقات مع القوات الاميركية كي يهربوا ومن ثم يتجنبوا الوقوع في الاسر. قال راكب سيارة اجرة في مدينة غزة اثناء حوار مع ركاب آخرين «صدام لا يمكن ان يترك سلاحه اعتقد انه شهيد». وعارضه راكب آخر قائلا «انه كاذب كبير وللأسف صدقناه». وقال ابراهيم الزعانين الذي يتزعم جماعتين فلسطينيتين مؤيدتين لصدام هما جبهة التحرير العربية وحزب البعث العربي الاشتراكي انه حزين لما وصفه بأنه «تغير غير منطقي» في موقف الفلسطينيين من صدام. ورفض ما يتردد من شائعات عن وجود اتفاق بين قادة عسكريين عراقيين والقوات الانجلو اميركية. وقال «اذا استشهد صدام يكون اوفى بوعده. واذا كان لايزال حيا فإني واثق انه سيقود المقاومة ضد المحتلين الاميركيين والبريطانيين». ويحاول بعض الفلسطينيين التخفيف من حزنهم بالسخرية. واولئك الذين عبروا عن تأييدهم لصدام في مظاهرات مناهضة لأميركا قبل الحرب يرسلون الآن نكاتا عن وزير اعلامه المختفي عبر الهواتف المحمولة. واصبح الآن محمد سعيد الصحاف الذي امتع الصحفيين بروايات خيالية عن انتصارات العراقيين اثناء الحرب موضوعا لأحاديث ساخرة في مدينة غزة. ويستخدم كثيرون من ابناء غزة «كلام الصحاف» عندما يتحدثون عن الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. رويترز
